مشروع قانون النفط اختبار في وطنية المجلس النيابي (1-4)

 

 

                                                                     د. علي الاسدي 

 

 

يبحث البرلمان في دورته القادمة مشروع قانون استثمار النفط والغاز الذي أحاله اليه رئيس الوزراء في الايام القليلة الماضية.

لست هنا بصدد الطعن بوطنية اي مسؤول عراقي ساهم بتداول مسودة هذا القانون، وافق اولم  يوافق على  بعض فقراته، مفترضآ حسن النيات لخدمة جماهير شعبنا التي كانت وما زالت تقدم التضحيات جزافآ، والتي آن الاوان لتتمتع بثرواتها من اجل رفاهها المادي والروحي الذي حرمت منه لقرون طويلة  خلت.

قانون النفط المقترح، الذي نناقشه في هذا المقال والمقالات الاخرى الللاحقة، يعتبر أخطرأدوات التحكم في ثروة البلاد ،ومن ثم في تقدم ورفاه المجتمع، عبر الموارد التي من المفترض والمرجو أن توجه، لصالح التنمية والتقدم الاقتصادي في البلاد في السنين والعقود القادمة .

ولأن ثروات النفط والغاز غير متجددة، فان استثمارها، يجب ان يتم بأقصى مايمكن من الترشيد والعقلانية، لتحقيق أقصى منافع ممكنة، لصالح الاجيال الحالية والقادمة من اطفالنا وشبابنا وابائنا. ولهذا ينبغي التعامل معها،  بكل حرص وأمانة وأخلاص، للايفاء بوعود قطعها اويقطعها المسؤولون في الحكومة والمجتمع.

 اورد هنا بعض الملاحظات التي سجلتها من خلال دراستي للنسخة العربية لمشروع قانون النفط والغاز.

أولآ: ازعم ان النسخة الاصل لمشروع القانون، هي باللغة الانكليزية التي لم يتم تداولها، وقد سمعت أن من أعد مشروع القانون هذا هو شركة أمريكية وليست العقول العراقية. ومع أن النص العربي لمسودة القانون قد اشار الى عدد من الملاحق، لكنني لم اطلع عليها مرفقة مع المشروع قيد الدرس. وهذه هفوة ليست عابرة، وانما مقصودة.

 لأن الشركات الاجنبية تتفاوض وتتحاور وتتخاطب باللغة الانكليزية، وعند الخلاف في أي موضوع يستدعي دخول المحاكم لحسم المسائل الخلافية، لاتهتم للنص العربي بل للنص بالانكليزية أولآ والفرنسية ربما ثانيأ. ومن هنا اسمح لنفسي أن ألفت نظرالسادة أعضاء المجلس النيابي المحترمين، الى ضرورة تشكيل لجنة من المتميزين بالالمام باللغة الانكليزية، وخبراء قانونيين، مشهود لها بالتجربة في العقود الاجنبية، للمساعدة في تفسير ما جاء بالنص الانكليزي والملاحق التابعة له.

 واود ان أنوه هنا ايضا، الى ان  الشركات الاجنيية الاحتكارية، تستخدم في عقودها حجمين من الكلمات والسطور، الحجم الاكبر من الكلمات تستخدمه في الصفحات الرئيسة، المتضمنة كافة فصول ومواد وفقرات  العقد، مذيلا في أسفلها تواقيع المسؤولين المرموقين. وان التوقيع عليها يتم في الغالب في مراسم أحتفالية، يبدو فيها ممثلوا الشركات، في أفضل مزاجية ومودة وتواضع وشفافية وكرم الضيافة، في حضور اجمل وارق السكرتيرات، وأكثرههن قدرة على اثارة الضيوف وكسب ودهم واعجابهم، وخاصة اذا كانوا من العرب الاقحاح.

 اما الصفحات الاكثر أهمية فتكون قد كتبت بكلمات ناعمة ملاصقة لبعضها  محشوة في سطور، موحية بأنها غير ذات أهمية، لكنها في حقيقة الامر، تحتوي أهم التفاصيل، التي تلزم الطرف الذي لا يعير اهمية لسطور وكلمات عصية القراءة مع العوينات، واكثر استعصاء على من لا يحب الجلوس في حضرة الجميلات مع عوينات القراءة. وفي الغالب فان هذه التفاصيل المهمة جدا تندرج في ملاحق منفصلة، تلحق بالعقود المزينة ذي الورق الصقيل، و التي توحي للطرف الاخر،  بانها الاصل المهم وفيها كل شيئ (وما لذ وطاب).

تانيآ: ورد في مسودة القانون المادة( 4) تعريف بمفهوم البترول اينما ورد في فصوله الثمانية ومواده الثلاثة والاربعين ما يلي: البترول- جميع النفوط الخام والغاز واي هيدروكربونات منتجة، او يمكن انتاجها من النفط الخام او الغاز او الزيت الصخري والرمال القيرية.

ثالثا: وبخصوص ما عناه مشروع القانون بالتطوير في الفقرة( 8)  من نفس المادة، بأنها- الانشطة التي يقوم بتنفيذها مالك ترخيص التنقيب والانتاج، بالاعتماد على خطة تطوير الحقل او خطة تطوير خطوط الانابيب الرئيسية،والتي تهدف الى انتاج ونقل البترول حصريآ. يعني ذلك أن التركيز هنا محدد في عملية استخراج الخام، ولا توجد اي اشارة الى عمليات تصنيع او تطوير الصناعة الكيماوية والبتروكيماوية التي، لو بوشر بتطويرها فأن مواردها تفوق أضعافآ موارد النفط الخام نفسه.

رابعا: كما فسر مشروع القانون، ما تعنيه خطة تطوير الحقل الفقرة (14)، بأنها البرنامج الزمني وتقدير الكلفة، المحددان لتقييم وتطوير وانتاج البترول، من حقل او مجموعة من حقول، من قبل مالك عقد التنقيب والانتاج، التي تم اعدادها بموجب هذا القانون، والشروط ذات الصلة في أنظمة العمليات النفطيية وعقد التنقيب والانتاج الذي يغطي منطقة التعاقد.

خامسا: كما حدد مشروع القانون مفهوم الناقل، الفقرة ( 29) في نفس المادة، بانه الكيان المعين من قبل مجلس الوزراء، لأستلام النفط الخام والغاز،من مالك حق التنقيب والانتاج، عند نقطة التحويل وتسليم النفط الخام والغاز للتصديرالى مالك حق التنقيب والانتاج عند نقطة التسليم.

 وهنا نحتاج الى وقفة نستفسر فيها من معدي المشروع، عن المالك الحقيقي للنفط والغاز المنقول. يفهم من مضمون الفقرة السابقة، ان مالك حق التنقيب والانتاج، هونفسه المالك للنفط والغاز، منقولا من حقل نشاطه وحتى التصدير. فهل حدث هذا سهوا، ام أنه واقع الحال؟

ان هذا الامر يحتاج الى توضيح عاجل، من دون ذلك، فأن مالك حق التنقيب ( لا نتحدث هنا عن شركة النفط الوطنية العراقية وانما عن المالك الاجنبي وهو في الغالب شركة واحدة او أكثر من الاحتكارات النفطية  الدولية)، هو المالك للنفط والغاز المستخرج وليس الشعب العراقي، كما ورد في مشروع القانون في اكثر من موضع. حيث جاء في المادة الاولى من الفصل الاول تحت عنوان( ملكية المصادر النفطية)، ان ملكية النفط والغاز تعود لكل الشعب العراقي في كل الاقاليم.

سادسا: المجلس الاتحادي للنفط والغاز.

يقترح مشروع القانون لعضوية هذا المجلس، وزراء وموظفون رفيعي المناصب كالاتي:

1- وزراء النفط والمالية والتخطيط والتعاون الانمائي في الحكومة الاتحادية.

2- محافظ البنك المركزي.

3- ممثل عن كل اقليم بدرجة وزير.

4- ممثل عن كل محافظة منتجة للنفط غير منتظمة في اقليم.

5- الرؤساء التنفيذيون لأهم المؤسسات النفطية ذات العلاقة، شركة النفط الوطنية وشركة تسويق النفط.

6-  خبراء مختصون في شؤون النفط والغاز والمال والاقتصاد،لا يزيد عددهم عن ثلاثة، يتم تعيينهم لمدة اقصاها خمس سنوات.

7- يراعى في المجلس الاتحادي تمثيله لمكونات الشعب العراقي.

ان الصفة التمثيلية المقترحة جائت دون مراعاة لخصوصية ومهنية المجلس. فمشاركة ممثل عن كل محافظة منتجة للبترول او الغاز، دون اشتراط المؤهلات الفنية ذات العلاقة، سيغرق المجلس بأعضاء غير منتجين، ينسبون للمجلس بدوافع شتى. مما سيجعل من المجلس مجلسا شبيها لتلك التي في المحافظات التي تعصف بها التناقضات الناتجة عن تصادم المصالح الذاتية. ويسري هذا الجانب السلبي في التمثيل غير المشروط بالكفاءة الفنية والعلمية، يسري على اشتراط  ان يكون المجلس ممثلا لكل مكونات الشعب العراقي، الذي يفهم منه التمثيل الطائفي. وهو ما يجب تحاشيه كليا ومطلقا.

لم يقترح مشروع القانون ان يكون احد أعضائه من القانونيين المتمرسين في شؤون العقود والقانون الدولي، حيث يعتبر وجوده مصدر قوة للمفاوض العراقي، في كل جولات المفاوضات التي تعقد مع الجانب الاجنبي مستقبلآ.

يعتبر المجلس الاتحادي للنفط والغاز، الجهة المخولة بموجب مشروع هذا القانون،في اقرارتحويل ( حصص الحقوق في بين الحاملين لتراخيص التنقيب والانتاج)، وما يلحقها من تعديلات للعقود، شريطة ان لا يؤثرماذكر اعلاه، عكسيا على درجة ونوعية المشاركة الوطنية، بما في ذلك النسبة المئوية للحصص الوطنية في المشروع.

ان التشديد الوارد اعلاه من جانبنا، لتأكيد حقيقة كون مسودة القانون تحدثت من دون لبس عن حق التنقيب والانتاج لشركات سماها (مالكي حق التنقيب والانتاج )، وتحاشى تسمية هذا النشاط بأمتيازات يمنحها المجلس الاتحادي للنفط والغاز  للشركات الاجنبية. وبذلك تكون الشركات النفطية الاحتكارية قد ضمنت حقوقا في الاستحواذ على ثروة شعبنا، لم يكن لها ان تحصل عليها، في ظرف سياسي غير هذا الذي يمر به العراق. وللعلم فأن هذا النوع من  الامتيازات للاستئثار بالموارد النفطية والغاز ولمدد طويلة ( سنأتي لمناقشتها لاحقا )، لم تعد ممكنة في الدول المستقلة حاليا. لقد كانت حقوق الامتياز التي تحصل عليها الشركات النفطية الاحتكارية، أحد اساليب الاستعمار، للسيطرة المباشرة على الشعوب المغلوبة، التي تفتقر حكوماتها الى  القرار المستقل في شؤونها الداخلية والخارجية.

لقد كان للسياسة النفطية المستقلة التي أختطتها حكومة تورة تموز 1958 ،النموذج الذي أنتهجته اغلب الدول النامية منذ ذلك الوقت والذي توج بالقانون الوطني رقم(80). وقد اعادت الدول النفطية في منطقة الخليج العربي ودول  في شمالي أفريقيا واميركا الللاتينية، اعادت النظر و التفاوض  مع شركات النفط العاملة في بلدانها، حول حقوقها الوطنية في ثرواتها من النفط والغاز متأثرة بالسياسة النفطية الوطنية العراقية.

سابعا: ورد في فقرة مهام المجلس الاتحادي للنفط والغازما يلي:

يتولى مسؤولية وضع السياسات النفطية الاتحادية، وخطط الانابيب ،وتطوير الحقول، وخطوط الانابيب الرئيسة، داخل الاراضي العراقية، كما له الحق في اي تعديل جوهري لتلك الخطط.

يتولى المجلس  الاتحادي، النظر في عقود التنقيب والانتاج، التي تمنح التراخيص، للقيام بعمليات في القطاع النفطي، وتعديلها وفقا للاليات الواردة في المادة رقم(9) من هذا القانون، كل ذلك يتعلق بجمهورية العراق. يفهم من المهمة (2)، ان هناك جهة ثانية غيرجمهورية العراق، والا لماذا التشديد على جمهورية العراق؟. ويمكن تفسير ذلك على ان مهام المجلس الاتحادي تنحصر في العقود التي يعقدها المجلس مع الشركات الوطنية العراقية في مجال النفط، وهي شركة النفط الوطنية وشركة تسويق النفط وغيرها مستقبلا . وهذا يشكل عيبأ واضحا في سلطات المجلس الاتحادي وأستقلاليته ومصداقيته، ما كان للمشرع العراقي ان يقيد نفسه به لولا ان  هناك جهة غير عراقية قد صاغت نصوصه لضمان مصالحها.

وفي الفقرة رقم(6) من مهام المجلس الاتحادي ورد ما يلي:

من أجل تيسير مهام المجلس الاتحادي للنفط والغاز، في النظر في عقود التنقيب والانتاج وخطط تطوير حقول النفط والغاز، يقوم المجلس بالاستعانة بمكتب يسمى (مكتب مجلس المستشارين المستقلين). يضم المكتب المقترح خبراء في الشؤون القانونية ذات العلاقة بالعقود النفطية،  اضافة الى متخصصين في مجال النفط والغاز. ويضم المكتب في عضويته عراقيون واجانب من المشهود لهم بالخبرة الطويلة في شؤون النفط وبالكفاءة والسمعة الحميدة.

ان مكتبا بهذه المهام يوظف أجانب مهما كانت جنسياتهم،يطلعون على عقود التنقيب والانتاج والتطويرفي طول البلاد وعرضها، اضافة الى ان اغلب العقود، ان لم تكن كلها، هي مع شركات نفطية عالمية في الغالب احتكارية، امر معيب في دولة مستقلة ذات سيادة، تزخربالوطنيين المخلصين من ذوي الكفاءة والتجربة المشهود لهم بها في العديد من الدول النفطية.

ثامنا- المادة رقم(9) الفقرة رقم(4).

جاء فيها المعاييرالتالية الي يجب أحترامهاعند صياغة العقود النموذجية:

1-السيطرة الوطنية،

2- ملكيةالعراق للمصادر،

3-اقصى عائد وطني اقتصادي،

4-العائد المناسب للاستثمار،

5- الحوافز المعقولة التي تمنح للمستثمر، لضمان تقديمه الحلول المثلى طويلة الامد للعراق والمتعلقة ب-

أ- الاستخلاص المحسن والمعزز،

ب- نقل التكنلوجيا،

ت- تدريب وتطوير العمالة العراقية،

ث- الاستخدام الامثل للبنية التحتية،

ج- الحلول والخطط المتلائمة مع البيئة،

ان مشروع القانون في تعداده المعاييرالمذكورة أعلاه،لم يرتب على المستثمر الاجنبي التزامات واجبة الاخذ بها، خلال فترة تنفيذه العقد. ولا ندري ان كانت الملاحق الثلاثة التي لم نطلع عليها، قد تضمنت أي التزامات،او اي عقوبات في حالة عدم الاخذ بها، او ارتكابه أخطاء مضرة بالبيئة. وكما يشاع، فان الاضرارالتي تسببها الشركات النفطية الاحتكارية، في مناطق نشاطاتها، كانت مدمرة للبيئة في الالاسكا ونايجيريا والجزائرواندونيسيا وبحر قزوين وغيرها كثير. مما يتطلب النص على هذه الالتزامات بوضوح لا لبس فيه، ولا يحتمل التأويل لصالح تلك الشركات،وان لا يستثني من ذلك الشركات الوطنية العراقية، العاملة مع او بمعزل عن الشركات الاجنبية.

تاسعآ- جاء في الفقرة (5) من المادة (9)من الممكن ان يرتكز العقد النموذجي، اما على-عقد الخدمة، او عقدالتطوير والانتاج، او عقدالمجازفة في الاستكشاف. ويؤكد في الفقرة( سادسا) انه لن يتم ادراج اي شركة في دورات الترخييص ما لم تكن مؤهلة من قبل الوزارة او الهيئة الاقليمية مسبقا. على ان يتم بيان معايير التأهيل المسبق، في الدعوة للتعاقد، وفق الانظمة والتعليمات، التي يضعها المجلس الاتحادي للنفط والغاز.

وفي الفقرة( سابعا) ،ورد في مشروع القانون، ان الهدف من تقييم المتقدمين المؤهلين مسبقآ،هو للوصول الى قائمة مختصرة بالمرشحين المؤهلين لمرحلة المفاوضات.

ومن متابعة مضامين الفقرات 5 و6و7هو لتبريرحصر العقود بحفنة من الشركات المؤهلة، التي يعرف القاصي والداني انها احتكارات النفط الانكلو-امريكية، المهيمنة على صناعة النفط والسلاح والمال في العالم.

وتؤكد ذلك الفقرة( ثامنا) على ذلك. حيث جاء فيها- يتم الاختيار والتصنيف للمتقدمين الفائزين على اسس جودة وفعالية خطط العمل المقترحة والفائدة الاقتصادية المتوقعة للعراق.

ولذر الرماد في العيون، تمضي الفقرة( تاسعا) للتمويه الفظ باسلوب انشائي مفضوح، حيث ورد الاتي :- (الهدف من وراء توزيع تراخيص التنقيب و الانتاج في جمهورية العراق هو من اجل الحصول على تنوع شركات النفط والمشتغلين، من خلفيات وخبرات عملية وفنية، واسلوب معالجة مختلفة، وذلك بهدف تحسين الكفاءة من خلال المنافسة الايجابية وقياس الاداء والشفافية. ويجب  الاخذ بعين الاعتبار اللجوء الى اتحادات بين شركات مختارة ولاسيما في الحقول الكبرى).

وبالمناسبة يمكن استبدال اسم جممهورية العراق بأي دولة في العالم دون ان يغير شيئآ في شكل ومضمون المسودة، مما يدل على ان مشروع القانون هذا من انتاج الاحتكارالنفطي العالمي ولصالحه.

 شبكة النبأ المعلوماتية-الثلاثاء 20 آذار/2007 -30/صفر/1428