زراعة الغضاريف... طريقة جديدة لعلاج آلام العمود الفقري

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

نجح فريق من الجراحين في جامعة "هونج كونج" بالصين، في زراعة الغضاريف (الديسك) التي تفصل بين فقرات العمود الفقري، وذلك حسب ما نُشر هذا الأسبوع في (The Lancet)، وهي واحدة من أشهر الدوريات الطبية في العالم. ووفقاً لتفاصيل الخبر، حصل الجراحون الصينيون على الغضاريف من ثلاث سيدات، بعد موافقة الأهالي، كنَّ قد لقين حتفهن نتيجة حوادث طرق وإصابات شديدة. ثم قام الجراحون بعدها بنقل الغضاريف إلى منطقة الرقبة لخمسة أشخاص، كانوا يعانون من مشاكل في غضاريف الرقبة. وبعد مرور فترة من الزمن، أثبتت عمليات الزراعة تلك نجاحها، من حيث مجال الحركة الذي أصبح متاحاً لمن تلقوا الغضاريف، ودون أن تظهر حتى الآن أية مشاكل على صعيد رفض الجسم لها، وهي المشكلة التي ترافق غالبية عمليات نقل الأعضاء من شخص إلى آخر.

والغضاريف الفقارية (Intervertebral Discs) -كما يدل اسمها- هي أنسجة خاصة تفصل بين فقرات العمود الفقري، لا يزيد قطرها عن بضعة سنتيمترات ولا يزيد سُمكها عن بضعة مليمترات، وتعمل كوسادات ماصة للصدمات بين الفقرات. وتعتبر مشاكل هذه الغضاريف من أكثر المشاكل الطبية انتشاراً على الإطلاق. وتنتج مشاكل الغضاريف الفَقَريّة من الإصابات الشديدة والمباشرة، أو من الضغوط الشديدة والمتكررة التي تخضع لها أثناء النشاطات البدنية العنيفة، مثل رفع الأجسام الثقيلة من على الأرض بشكل خاطئ، أو مع حوادث الانزلاقات والالتواءات الشديدة. ويمكن أيضاً للشيخوخة، أن تؤدي لتحلل وضعف هذه الغضاريف بشكل تدريجي، ضمن الضعف العام الذي يصيب معظم غضاريف الجسم مع التقدم في العمر. وما يحدث في هذه الحالات أن الغطاء الليفي الخارجي للغضروف يُصاب بالضعف، مما يؤدي لبروز قلب الغضروف في شكل انتفاخ أو نتوء خارجي، وأحياناً ما ينفجر الغطاء الليفي الخارجي تماماً. هذا البروز أو النتوء الخارجي، يضغط على الأعصاب الفقارية المارة على مقربة من الغضاريف، مما يؤدي لظهور أعراض متنوعة ومختلفة، حسب المنطقة التي حدث فيها البروز، وحسب العصب الذي يتعرض للضغط. وإن كانت جميعها تتميز بالآلام المزمنة، وبالضعف في عضلات المنطقة التي يغذيها العصب المصاب. ويعتبر مصطلح (الانزلاق الغضروفي)، تعبيراً خاطئاً عن حقيقة ما يحدث، حيث لا يمكن لهذه الغضاريف أن تنزلق أو أن تتحرك من مكانها. ولذا يعتبر مصطلح الفتق الغضروفي (disc herniation) هو التعبير الأفضل عن حقيقة ما يحدث في تلك الحالات.

ويمكن لأي غضروف في العمود الفقري أن يتعرض للفتق، وإن كانت غضاريف منطقة الرقبة، ومنطقة أسفل الظهر (الفقرات القطنية)، من أكثر الغضاريف تعرضاً لهذه الحالة الطبية. وتعتبر غضاريف الفقرات القطنية هي الأكثر تعرضاً للفتق (أو الانزلاق) على الإطلاق، حيث تؤدي إلى آلام مزمنة بأسفل الظهر، بالإضافة إلى آلام في أعصاب الساقين، وهي الحالة التي يطلق عليها عرق النسا (Sciatica). وبوجه عام، تشير الدراسات الطبية إلى أن آلام الظهر، وبغضّ النظر عن سببها، تعتبر من أكثر المشاكل الطبية انتشاراً، حيث تصيب 80% من الذكور والنساء على حد سواء، من وقت لآخر. وفي نصف هؤلاء، تتحول تلك الآلام إلى حالة مزمنة يعاني منها المصابون بشكل حاد عدة مرات في حياتهم، أو بشكل مزمن على مدار فترات طويلة، تصل أحياناً لسنوات عديدة. وتتسبب آلام الظهر في الكثير من الضيق والمعاناة، إلى درجة تجعلها أيضاً السبب الأول خلف التغيب عن العمل بسبب المرض، وهو ما يترجم في النهاية في شكل خسائر ضخمة في الدخل وفي إنتاجية الفرد. ولكن على رغم هذا الانتشار الهائل في معدلات الإصابة بآلام الظهر، وعلى رغم ما تسببه من معاناة وخسائر مادية، لا زال الطب الحديث عاجزاً في الكثير من الحالات عن تقديم علاج بسيط وآمن، ولا يؤدي هو الآخر إلى مضاعفات لاحقاً.

ففي الحالات التي تنتج عن الفتق الغضروفي مثلاً، نجد أن العلاج يعتمد في البداية على الراحة والمسكّنات لعدة أسابيع، على أمل أن يلتئم الغضروف تلقائياً. ولكن إذا ما فشلت هذه الاستراتيجية في العلاج، أو ترافقت الحالة مع أعراض خطيرة مثل عدم القدرة على التحكم في البول أو الضعف العام في الساقين، يصبح التدخل الجراحي حينها ضرورياً. ويعتمد الأسلوب الجراحي هنا على نزع الغضروف المصاب، ثم دمج أو لحم الفقرات معاً. هذا الأسلوب على رغم نجاحه في تخفيف الآلام والمضاعفات الناتجة عن انفتاق الغضروف، يؤدي إلى تقليل مجال الحركة في الفقرات التي تم دمجها، وربما يؤدي أيضاً إلى تسارع ضعف وتحلل الغضاريف في مناطق أخرى. ولذا لجأ الأطباء مؤخراً إلى فكرة استبدال الغضاريف بأخرى اصطناعية بدلاً من نزعها تماماً، وهي الفكرة التي حققت قدراً من النجاح، وإن كان يعيبها أنها أحياناً ما تؤدي إلى مضاعفات خطيرة إذا ما استخدمت في منطقة الرقبة. وأمام هذه الاختيارات المحدودة، يصبح نجاح علماء جامعة "هونج كونج" ذا أهمية بالغة، في سعي الأطباء نحو تخفيف الآلام والمضاعفات التي تنتج عن انفتاق الغضاريف، وخصوصاً بالأخذ في الاعتبار المضاعفات، التي تنتج من استخدام الغضاريف المزروعة في منطقة الرقبة. وإن كان مثل هذا الأسلوب الجديد، سيصادف هو الآخر العقبات المعروف عنها ترافقها مع عمليات نقل وزراعة، وأهمها بالطبع هو ندرة المتوفر من غضاريف صالحة للزراعة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-26-3-2007