عتَه الشيخوخة: الثمن الإنساني والاقتصادي

 

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

في تقرير صدر هذا الأسبوع عن معهد الطب النفسي (Institute of Psychiatry) في المملكة المتحدة، بالترافق مع "لندن سكول أوف إيكنوميكس" (London School of Economics)، قدر الخبراء أنه بحلول عام 2021 سيرتفع عدد الأشخاص المصابين في بريطانيا بعته أو خرف الشيخوخة إلى 940 ألفاً، وبحلول عام 2051 سيصل عدد هؤلاء إلى أكثر من 1.7 مليون، أو ما يعادل زيادة بمقدار 154% عن العدد الحالي والبالغ 700 ألف شخص. وهو ما يعني أنه بحلول هذا التاريخ، سيؤثر عتَه الشيخوخة بشكل مباشر وغير مباشر على حياة واحد من كل ثلاثة أشخاص، سواء من خلال الإصابة بالمرض، أو من خلال عبء توفير الرعاية اليومية لأحد أفراد العائلة. وبناء على أن عته الشيخوخة (Dementia) يكلف الاقتصاد البريطاني حالياً أكثر من 17 مليار جنيه إسترليني، يتوقع العلماء أن تضع الزيادة المتوقعة، عبئاً إضافياً على الاقتصاد البريطاني، يقدر بعشرات المليارات من الجنيهات سنوياً. هذه الصورة السوداوية لا تقتصر على بريطانيا فقط، حيث تشير الإحصائيات الدولية إلى أن 1% من الأشخاص في الفئة العمرية 60- 65 مصابون بعتَه الشيخوخة، وترتفع هذه النسبة إلى 6% في الفئة العمرية 75-79، لتصل إلى 45% لمن تخطوا سن الخامسة والتسعين. وفي نهاية عام 2005 ، نشرت واحدة من أشهر المجلات الطبية في العالم تقريراً أكد فيه العلماء والباحثون، وجود أكثر من أربعة وعشرين مليون شخص مصابين بعته الشيخوخة حول العالم. ويقدر الباحثون أن هذا العدد سيتضاعف كل عشرين عاماً، ليصل إلى واحد وثمانين مليون شخص مصاب بحلول عام 2040. هذه التوقعات بنيت على أساس الزيادة السنوية الحالية في انتشار معدلات الإصابة، والبالغة قرابة الخمسة ملايين إصابة سنوياً، أو إصابة جديدة كل سبع ثوانٍ.

ولكن ما هو عتَه الشيخوخة؟ وما أسباب الإصابة به؟ وكيف يمكن للمجتمعات البشرية أن تخفف من وقعه على الصعيدين الإنساني والاقتصادي؟ بداية، يُعرف العتَه أو الخرف، على أنه تدهور مطرد في القدرات العقلية بسبب تلف أو مرض المخ، وبشكل أكبر من التدهور الطبيعي المتوقع في القدرات العقلية بسبب التقدم في العمر. فالمعروف أن الشيخوخة تترافق بانحسار تدريجي في جميع الوظائف الحيوية، بما في ذلك القدرات العقلية. وما يحدث في عتَه أو خرف الشيخوخة هو أن هذا التدهور والانحسار يحدثان بشكل أكبر، لا يمكن تفسيره فقط على أنه نتاج التقدم في العمر وحده. وتظهر أعراض عته الشيخوخة في شكل تراجع ملحوظ في الوظائف العقلية، وخصوصاً تلك المتعلقة بالذاكرة، والانتباه، واللغة، والقدرة على حل المشاكل. وفي المراحل المتقدمة من المرض، يفقد المريض إحساسه بالزمن، فلا يصبح مدركاً لأي يوم من الأسبوع هو اليوم، أو أي يوم من الشهر، أو حتى الشهر أو السنة الحالية. ويفقد المريض أيضاً إحساسه بالمكان، فلا يصبح واعياً لمكان وجوده، أو حتى مدركاً للأشخاص المحيطين به. ومن الأخطاء الشائعة في التعامل مع عتَه الشيخوخة، تصنيفه على أنه مرض مستقل. فالحقيقة هي أن عته الشيخوخة مجرد عرَض، يدل على وجود مرض ما، تماماً كالحمى التي تعتبر مجرد عرض، تدل على وجود مرض في مكان ما من الجسم. ولكن بسبب أن تشخيص الإصابة بالعتَه، يعتمد على طائفة ومجموعة كبيرة من الأعراض الدالة على انخفاض القدرات العقلية، يميل الكثيرون إلى اعتباره مرضاً في حد ذاته، ولكن بأنواع متعددة، ينتج كل نوع منها عن سبب مختلف.

وتتعدد قائمة الأسباب التي تؤدي لخرف الشيخوخة، ومعظمها أسباب غير قابلة للعلاج، وإن كان مرض الزهايمر بالتحديد هو الذي يحتل رأس هذه القائمة، حيث يتسبب هذا المرض في قرابة ثلثي حالات الإصابة. ورغم أن عته الشيخوخة كما ذكرنا يختلف عن التدهور الطبيعي في الوظائف العقلية المصاحب للتقدم في العمر، إلا أن التقدم في العمر ذاته يتصاحب بارتفاع مطرد في احتمالات الإصابة. وهنا تكمن المشكلة بالتحديد، بسبب الزيادة الواضحة في متوسط أعمار أفراد الجنس البشري، وخصوصاً في المجتمعات الصناعية الغنية. ففي اليابان مثلاً، يوجد حالياً أكثر من عشرين ألف شخص، تخطوا جميعهم سن المئة، وهو الرقم الذي يشهد ازدياداً مستمراً. وعلى الرغم من أن زيادة متوسط أعمار الأفراد، تعتبر مقياساً لنجاح جوانب عديدة من المجتمع، مثل كفاءة الرعاية الصحية، وفاعلية الضمان الاجتماعي للمسنين، إلا أن هذا النجاح يحمل في طياته العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والطبية. وفي حالة عته الشيخوخة، يمكن أن نطلق على المشكلة هنا أنها من النوع الطبي- الاقتصادي. فبسبب أن عته الشيخوخة لا يمكن علاجه بشكل فعال، ونتيجة تسببه في إعاقة الشخص المصاب عن رعاية نفسه، نجد أن الوضع الطبي لهؤلاء المرضي يتطلب توفير رعاية مستمرة من قبل أشخاص آخرين، وعلى مدار الأربعة وعشرين ساعة أحياناً. وإذا ما أضفنا إلى ذلك، الإصابات والحوادث والوفيات التي يتعرض لها هؤلاء بسبب مرضهم، فيمكننا أن ندرك بسهولة كيف يمكن لمرض واحد مثل عته الشيخوخة، أن يكلف اقتصاديات الدول عشرات المليارات من الدولارات سنوياً. هذا الثمن الاقتصادي والإنساني لعتَه الشيخوخة، لا يوجد حالياً حل سحري لرفع وطأته عن كاهل المجتمعات البشرية في المستقبل. ويظل الأمل الوحيد هو تطوير استراتيجيات في رعاية المرضى، تجنبهم الإصابات والمضاعفات، ودون أن ترهق اقتصاديات دولهم ومجتمعاتهم.