الصحة والغذاء: أين تكمن الحقيقة؟

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

ترتبط الصحة بالغذاء ارتباطاً وثيقاً، بحيث يؤدي نقص بعض العناصر الغذائية إلى الإصابة بأمراض خطيرة، وفي الوقت نفسه يمكن لزيادة كميات بعض هذه العناصر أن تحقق قدراً ملحوظاً من الوقاية من أمراض أخرى. فعلى سبيل المثال، يعزو البعض الزيادة الملحوظة في معدلات الإصابة بالسرطان، إلى التغيرات الغذائية التي شهدتها المجتمعات البشرية منذ بداية الثورة الصناعية وحتى الآن. حيث تعتبر التغيرات التي طرأت على مكونات الغذاء البشري اليومي، وما تبعها من دخول مواد كيمياوية جديدة على الجسم البشري، على رأس قائمة المتهمين في زيادة الإصابة بالسرطان بين البشر خلال العقود الماضية. وفي الوقت نفسه يؤمن الأطباء بأن أفضل الطرق لمكافحة أمراض القلب والشرايين، لابد وأن تعتمد على الوقاية من الأسباب التي تؤدي إلى مرض هذه الشرايين من الأساس، مثل السمنة، والسكري، وارتفاع مستوى الكولستيرول. وبما أن هذه الأسباب الثلاثة بالتحديد، ترتبط بشكل أو آخر بنوعية الغذاء، يصبح الغذاء غير الصحي سبباً غير مباشر في الإصابة بأمراض القلب. هذا بالإضافة إلى أن غياب بعض المغذيات الضرورية، مثل مضادات الأكسدة، يؤدي أيضاً إلى تدهور حالة جدران الشرايين ومن ثم تصلبها. هذا الارتباط المباشر وغير المباشر بين الغذاء وصحة الشرايين وأمراضها، يجعل من المنطقي التفكير في أنواع وكميات الغذاء، كإحدى أهم الجبهات في السعي نحو الحفاظ على صحة الشرايين.

هذه الأمثلة، وغيرها الكثير، تظهر مدى قوة العلاقة بين الصحة والغذاء، وإن كانت تفاصيل هذه العلاقة غير واضحة أو محددة في الكثير من الأحيان. فمثلاً، على رغم أن الفيتامينات معروف عنها أهميتها في الحفاظ على الصحة، فإن تناول بعضها في شكل كبسولات أو إضافات غذائية قد يهدد الصحة، أو هذا على الأقل ما أشارت إليه دراسة صدرت هذا الأسبوع عن جامعة "كوبنهاجن" بالدانمرك، ونشرت في إحدى الدوريات الطبية العالمية المرموقة (Journal of the American Medical Association) وتبدأ القصة منذ عدة أعوام، مع ترويج البعض لما أصبح يعرف بنظرية مضادات الأكسدة. هذا النظرية تطرح ثلاث فرضيات رئيسية؛ الأولى هي أن العمليات الطبيعية تنتج أيونات حرة، والثانية أن تلك الأيونات تسبب ضرراً لخلايا وأنسجة الجسم، والثالثة أن زيادة كميات مضادات الأكسدة من شأنه أن يمتص تلك الأيونات الحرة ويمنع الضرر الحادث منها. هذه الادعاءات لها أساسها العلمي إلى حد ما، فبالفعل تتسبب العمليات الكيميائية الطبيعية داخل الخلايا والأنسجة في إنتاج كميات كبيرة من الأيونات الحرة. وهذه الأيونات يمكن أن تكون مفيدة، كما في حالة محاربة العدوى بالجراثيم والميكروبات، أو قد تكون مضرة حينما تتسبب في تلف داخلي. وبالنسبة للشق الأخير، يصبح من المنطقي محاولة وقف هذا الضرر الكيميائي الداخلي، من خلال مواد لها القدرة على امتصاص تلك الأيونات الحرة ومنعها من الاتحاد بالمركبات الأخرى داخل الجسم. ومن ضمن المركبات التي يعتقد أنها يمكن أن تضاد الأكسدة داخل الجسم، فيتامين (A) وفيتامين (C) وفيتامين (E) وعنصر السيلنيوم (Selenium)، وهي المركبات التي يقوم الملايين من البشر حالياً بتعاطيها بشكل يومي، في شكل كبسولات وإضافات غذائية تباع في الصيدليات ومحلات البقالة، وضمن صناعة يقدر حجمها بمليارات الدولارات. هذه الحكمة الطبية الشائعة، قام علماء جامعة "كوبنهاجن" بوضعها تحت المجهر والتدقيق في مصداقيتها، من خلال مراجعة نتائج 815 دراسة، اختاروا منها 68 دراسة، بحث جميعها في فوائد ومضار مضادات الأكسدة. وبجمع نتائج هذه الدراسات جميعاً في إحصائية واحدة شاملة، اكتشف العلماء أن النتيجة النهائية هي أن تناول مضادات الأكسدة بشكل يومي منتظم، لم يكن له أية أثر يذكر على متوسط العمر، حيث لم تنجح في إطالته أو تتسبب في تقصيره. ولكن عندما استثنى العلماء 21 دراسة من تحليلهم، بسبب أن نتائجهم كانت خارج المتوسط الإحصائي لمجموع الدراسات، تغيرت الصورة تماماً. حيث اكتشف العلماء من الدراسات الباقية، أن خطر الوفاة المبكرة زاد بمقدار 4% بين الأشخاص الذين يتناولون فيتامين (E) بشكل منتظم، و7% بين من يتناولون مركب "البيتا- كاروتين"، و17% بين من يتناولون فيتامين (A) بشكل يومي، مع عدم وجود فارق يذكر بين من يتناولون فيتامين (C) أو عنصر السيلنيوم. وهو ما يعني أن تناول مضادات الأكسدة والإضافات الغذائية، ربما يزيد من خطر الوفاة المبكرة، على عكس الاعتقاد الشائع بقدرة تلك المركبات على الوقاية من الأمراض. ويفسر العلماء هذه النتائج، على أنه يحتمل أن يكون إنتاج الأيونات الحرة يحقق فوائد غير معروفة كجزء من العمليات الطبيعية في الجسم، وما يحققه تعاطي مضادات الأكسدة، هو في الحقيقة إحداث خلل في العمليات الفسيولوجية.

نتائج هذه الدراسة تعتبر مخالفة للاعتقادات السائدة، ولذا ستحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة لتأكيدها أو نفيها. وإن كانت قد نجحت على الأقل، في إظهار مدى جهل المجتمع الطبي حالياً، بتفاصيل العلاقة بين المركبات الغذائية والصحة والمرض. وإلى أن تتضح تفاصيل هذه العلاقة، تظل النصيحة الأساسية هي ضرورة حصول الإنسان على احتياجاته من المركبات والعناصر الغذائية في شكل طبيعي، ومن خلال غذاء متوازن متنوع المصادر. فالغذاء البشري هو عبارة عن تركيبة خاصة فريدة، تتمتع بمواصفات وتوازانات خاصة، لا يمكن استبدالها بسهولة عن طريق ابتلاع بعض الحبوب والكبسولات، على الرغم مما قد تدعيه صناعة الإضافات الغذائية.

المصدر: الإتحاد الإماراتية