هرمون النمو... وعبثية البحث عن الشباب الدائم

 

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

في قاع المخ توجد غدة خاصة في حجم حبة الترمس، هي الغدة النخامية، وهي مسؤولة عن العديد من الوظائف الحيوية، مثل إفراز هرمون النمو (Growth Hormone). هذا الهرمون، يبلغ إنتاجه أقصى مداه خلال فترتي الطفولة وسنوات المراهقة، ليبدأ في التراجع التدريجي مع دخول الإنسان العقد الثالث. ويضطلع هرمون النمو بالعديد من الوظائف، ربما كان أشهرها هو مسؤوليته عن زيادة الطول خلال فترتي الطفولة والمراهقة. ورغم ارتباط هرمون النمو في أذهان الكثيرين بزيادة الطول، إلا أنه يضطلع أيضاً بقائمة طويلة -وربما أكثر أهمية- من الوظائف الحيوية الأخرى، مثل زيادة كتلة العضلات من خلال خلق خلايا عضلية جديدة، وتنشيط جهاز المناعة، وزيادة احتفاظ الجسم بالكالسيوم لتقوية وتدعيم العظام، وتنشيط تكوين البروتينات مما يؤدي إلى نمو الأعضاء الداخلية، بالإضافة إلى وظائف أخرى.

ورغم أن الأطباء عزلوا هذا الهرمون وتعرفوا على وظائفه منذ عقود، إلا أنه في عام 1990 نشرت دراسة شهيرة تحت عنوان "تأثير هرمون النمو على الرجال بعد سن الستين" في المجلة الطبية المرموقة (New England Journal of Medicine)، وأظهرت إمكانية الحصول على نتائج مثيرة من جراء حقن هرمون النمو لدى الرجال بعد سن الستين. وهو ما أدى إلى ظهور صناعة كاملة حول بيع وحقن هذا الهرمون، لما يحمله من آمال واحتمالات في عكس ومحو آثار الشيخوخة أو على الأقل إبطاء عجلتها. حيث تشير التقديرات لعام 2004، بأن هناك أكثر من ثلاثين ألف شخص في الولايات المتحدة فقط، يستخدمون حقن هرمون النمو لتحقيق هذا الغرض. هذا على الرغم من أن الدراسة قد أجريت على عدد صغير جداً، وعلى الرغم من أن المجلة نشرت في نفس العدد مقالة افتتاحية تحذر فيها من مغبة استخدام هرمون النمو كعلاج للبالغين. ولم تنجح محاولات مماثلة، في وقف انتشار صرعة استخدام هرمون النمو بين الباحثين عن الشباب الدائم. ويعود السبب في ذلك، إلى أن الدراسة السابقة أثبتت بالفعل أن استخدام الهرمون قد زاد من حجم العضلات ومن كثافة العظام بين من خضعوا للعلاج، وقلل من حجم الدهون في أجسامهم. وهو ما دفع القائمين على الدراسة إلى التصريح حينها بأنه رغم أن نتائجهم ليست قاطعة، إلا أن حجم التأثيرات الإيجابية يعادل محو آثار عشرة أو عشرين عاماً من التقدم في العمر.

ولكن هل الشباب مجرد كتلة من العضلات، حول مجموعة من العظام السميكة؟ وهل زيادة العضلات وكثافة العظام لدى المُسنين، إرجاع فعلي لعقارب الزمن؟ لإجابة هذه الأسئلة، شرع مجموعة من علماء واحدة من أعرق الجامعات في الولايات المتحدة، هي جامعة "ستانفورد"، في دراسة تأثير تعاطي هرمون النمو على آثار الشيخوخة، مستخدمين عدة مقاييس حيوية وجوانب فسيولوجية تتأثر سلباً وتتدهور باطراد مع التقدم في العمر. وخلصت هذه المجموعة إلى أن تعاطي هرمون النمو لا يحقق أية زيادة في متوسط العمر، وإلى أن تأثيراته الفسيولوجية الإيجابية لا تزيد عن التأثيرات التي يمكن جنيها من ممارسة قدر بسيط يومي من الرياضة. بل على العكس، اكتشف علماء "ستانفورد" أن تعاطي هرمون النمو، يزيد من احتمالات الإصابة بداء السكري، ويسبب تورم المفاصل، وخصوصاً الإصابة بمنظومة النفق الرسغي، وغيرها من المضاعفات والآثار السلبية. وتوصل العلماء إلى هذه النتيجة، من خلال مراجعتهم لـ31 دراسة سابقة، أجريت جميعها على أشخاص متقدمين في العمر، لا يعانون من أية مشاكل صحية ما عدا زيادة طفيفة في الوزن، ولكن رغم ذلك تم علاجهم جميعاً بجرعات منتظمة من هرمون النمو. وأظهرت تلك الدراسات بالفعل، أن هرمون النمو قد نجح في زيادة كتلة العضلات بحوالى كيلوجرام، وفي إنقاص حجم الدهون بنفس القدر. ولكن لم يكن للهرمون تأثير يذكر على كثافة العظام، أو على مستويات "الكوليستيرول" ودهون الدم، ولا على معدل استخدام الجسم للأوكسجين. هذا المقياس الأخير، يظهر بالتحديد عدم حدوث أية زيادة في درجة اللياقة. بينما تظهر المقاييس جميعها، أن الحالة الصحية العامة، لم يحدث تقدم يذكر فيها. هذه النتائج الحاسمة نشرت هذا الأسبوع، في العدد الأخير في واحدة من الدوريات الطبية الأوسع انتشار والأوقع أثراً بين الأطباء، وهي (Annals of Internal Medicine).

ولكن هذا لا يعني أنه لا مكان لهرمون النمو في علاج كبار السن، ولكن فقط في الأشخاص الذين يعانون لسبب أو آخر من نقص غير طبيعي في هذا الهرمون، تماماً مثل الأطفال الذين يعانون من نقص خلقي في هرمون النمو، حيث يمكن لهرمون النمو في هذه الفئة من كبار السن أن يحقق فائدة ملموسة على صعيد تقوية الذاكرة. أما لدى الأشخاص الذين لا يعانون من مثل هذا النقص، فتعتبر فكرة العلاج بهرمون النمو فكرة خاطئة وخطيرة أحياناً، بسبب حجم المضاعفات والمشاكل الصحية التي قد تنتج عنها. ويكفي لندرك مدى خطورة هذه الفكرة، أن نعلم أن التجربة اليومية لاستخدام هرمون النمو على الأشخاص الواقعين في غيبوبة، والذين يتعرضون لهزال مطرد في العضلات نتيجة فقدانهم للحركة اليومية، قد أدت إلى مضاعفة الوفيات بين هؤلاء. ولذا تظل النصيحة الأساسية لمن يرغبون في وقف إبطاء عجلة الزمن، هو تجنب العوامل المعروف عنها التسبب في الشيخوخة المبكرة، مثل التدخين، والسمنة، والتوتر المزمن، وعدم القيام بنشاط بدني يومي بالقدر الكافي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-18-1-2007