توصيف الدولة الحديثة... صورة عامة-1-

 

 

د. علي وتوت

 

 

لقد تمايزت الدولـة عن سلطة الفرد، بوصفها ذات أثر معنوي، وليس شخصي، وأنّ سلطاتها تُبنى وفق أسسٍ قانونية يتفق عليها أفراد المجتمع، ويقبلون ويرضون بها، أسس تجعل مسألة الحكم وظيفة، تتم وفق آليات قانونية يقبل بها أبناء المجتمع، ولا تعترف بفرض الأمر الواقع بالقوة وحدها. ولاستكمال عملية وجود سلطة الدولة، كقوة منظمة لعمل الجماعة، شكلت أجهزة متخصصة، وفق قوانين تصاغ في المجتمع، ويديرها موظفون وسياسيون، يدعون رجال الدولة.

وعلى أساس ما تقدم، فإنَّ أحد أهم الأسس التي تقام عليها الدولة، المتمايزة عن سلطة الزعيم (الفرد)، تلك الأسس التي تستطيع الدولة بفضلها الاستمرار، هي وجود مؤسسات تحوز على التوافق والقبول، من قبل أبناء المجتمع، الحاكمين والمحكومين([1]).

فالدولة هي كيان يحتوي الحكومة كأداة (تنفيذية/إدارية)، لكنه يحتوي أيضا مؤسسات وأشياء ومعاني وآليات ضبط اجتماعية أخرى. فإلى جانب الجهاز التنفيذي الإداري (الحكومة)، هناك سلطات أخرى مثل سلطتي التشريع والقضاء، وهناك مؤسسات غير حكومية ولكنها تخضع لقواعد الدولة وسلطانها، وهناك الشعب والأرض اللذان يكونان ركنيين أساسيين من أركان الدولة([2]).

والسلطة لغة في الأصل (سلط) بمعنى القهر، وقد سلطه الله فتسلط علـيهم، والاسم سُلطة (بالضم). السلط السلـيط الطويل اللسان والأنثى سلـيطة سلطانة، ولسان (سلط وسلـيط) أي فصيح، والتسليط: التغليب، وإطلاق القهر والقدرة([3]).

أما اصطلاحاً فإن السلطة Authority مفهوم أخلاقي يشير إلى النفوذ المعترف به كلياً لفردٍ أو لنسقٍ من وجهات النظر أو لتنظيم مستمد من خصائص معينة أو خدمات معينة مؤداة. وقد تكون السـلطة سـياسـية أو أخلاقية أو علمية أو.. ما إلى ذلك، ويتوقف هذا على مجال النفوذ. كما أن وجود جهاز للسلطة هو شرط جوهري - بحسب النظرية الماركسية - لتطور التطبيق التاريخي الاجتماعي. وقد تؤدي إساءة استخدام السلطة في التحليل النهائي إلى فقد الثقة في السلطة، أو إلى العبادة العمياء لها، والتي تؤدي إلى عبادة الشخصية .

أما السلطة العامة فهي إحدى الخصائص الأساسية للدولة كتنظيم يتميز عن التنظيم القبلي الذي سبق ظهور الطبقات([4]). والسلطة بهذا المعنى تختلف عن مفاهيم أخرى عدة، مثل القوة Power ومفهوم النفوذ Influence . فهي أقرب إلى الضبط أو السيطرة Control ولكنها ترتبط بالقوة ارتباطاً وثيقاً، ذلك أن مَن' تمارس عليهم السلطة فعل (القوة)، يعتقدون أن مستخدم هذه القوة Power-wielder يملك حقاً معنوياً لممارسة القوة واستخدام العقوبات إذا استدعى الأمر([5]).

إن بنية المؤسسات السياسية في الديمقراطيات الليبرالية ترتكز على مبدأ شهير هو مبدأ فصل السلطات. وعلى الرغم من أن جميع الأنظمة السياسية تعرف الانقسام بين أجهزة حكومية عدة يختص كل واحد منها بوظيفته. لكن فصل السلطات بالمعنى الدقيق للكلمة لا ينطوي فقط على هذا التقسيم للعمل بل يفترض أيضا أن مختلف سلطات الأجهزة الحكومية هي مستقلة الواحدة عن الأخرى ونظرية فصل السلطات تسند هذه الاستقلالية المتبادلة للأجهزة الحكومية إلى واقعة أنه يوجد في الدولة (وظائف جوهرية) ومتباينة من حيث طبيعتها ولا يمكن أن تمارس إلا منفصلةً بعضها عن بعض. وتقسم الدولة طبيعيا إلى (سلطات) عدة علماً بأن هذه العبارة تعني في آن واحد الجهاز والوظيفة التي يمارسها.

إن التحديد الذي تتبعه النظرية الليبرالية يميز بين الوظيفة التشريعية Law-making التي تصنع القوانين وتوكل إلى البرلمان والوظيفة التنفيذية Law-implementing التي تنطوي على تطبيق القوانين وتوكل إلى الحكومة والوظيفة القضائية Law-adjudication ومهمتها حل النزاعات الناتجة عن تطبيق القوانين وتوكل إلى المحاكم. وهذا المفهوم الفلسفي القانوني للسلطات يشكل تبريراً أيديولوجياً لهدف سياسي هو إضعاف الحكم والسلطات وتقليص سلطاتهم وهو ينطوي على ظاهرتين: الأولى هي فصل البرلمان عن الحكومة والثانية هي فصل القضاء عن الحكام([6]).

--------------------------------------------------------------------------------

 

 ([1]) شاهر أحمد نصر: هل استكملت الأنظمة العربية عملية بناء الدولة القابلة على البقاء؟، مقال منشور على موقع لجان إحياء المجتمع المدني في سورية، ، بتاريخ 1/ 10/ 2003

 ([2]) سعد الدين إبراهيم: المجتمع والدولة في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1996، ص 45

  القرآن الكريم، سورة الحاقة، الآية 29

القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 90

 ([3]) أبو الفضل جلال الدين بن منظور: لسان العرب، حرف الطاء، فصل السين، ص 547

وقد كان فردريك انجلز هو أول من اكتشف أهميتها في كتابه (اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة). والسلطة منفصلة عن الشعب، وتدافع عن مصالح المستغلين وهم القلة في المجتمع. ويمارسها الأشخاص الذين يصبح بالنسبة إليهم مهنة (الموظفين والجيش والشرطة و.. الخ ). والمؤسسات الرئيسة الهامة الملحقة بالسلطة العامة هي المحاكم والسجون وغيرها من المؤسسات العقابية.( لجنة من الأكاديميين السوفييت: الموسوعة الفلسفية، إشراف: روزنتال، ترجمة: سمير كرم، بيروت، دار الطليعة، ط2، 1985، ص 248 - 249)

 ([4]) لجنة من الأكاديميين السوفييت: المصدر السابق، ص 248 - 249

فالقوة هي القدرة على حمل الآخرين لفعل ما نريدهم أن يقوموا به، على افتراض أن هذا مختلف بطريقة ما عما يرغبون هم بعمله، وذلك بالتهديد باستخدام العقوبات Sanctions إذا لزم الأمر. وقد أدخلت فكرة العقوبات هنا من أجل التمييز بين القوة والنفوذ، ذلك أن الأخير يتطابق في تعريفه مع القوة باستثناء العقوبات. (بيتر غيل وجيفري بونتون: مقدمة في علم السياسة، ترجمة: محمد مصالحة، عمان، منشورات الجامعة الأردنية، 1991، ص (70-71))

 ([5]) بيتر غيل وجيفري بونتون: مقدمة في علم السياسة، ترجمة: محمد مصالحة، عمان، منشورات الجامعة الأردنية، 1991، ص 75

 ([6]) ثناء فؤاد عبد الله: آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص (24-25)

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: http://4u.friendsofdemocracy.net/default.asp?item=102180