نقـد الدمقرطة : للتراجـع أم للإصـلاح  ؟ !

 

 

 

جيه جون آيكنبري*

آن ماري سلوتر*

 

 

 

آباؤنا المؤسسون ركزوا على «النعم المشتركة للقانون والحرية»

الانتخابات وحدها لا يمكن أن تكون الوسيلة الوحيدة في صندوق معداتنا لترويج الديموقراطية

الذكرى الخامسة لهجمات 11 سبتمبر، التي حلت قبل أسابيع فقط، لم تكن بمنزلة تذكير بعمل شرير فحسب، بل إنها، وبمعنى أعمق، أوصلت حقبة ما بعد 11 سبتمبر إلى نهايتها. فعلى مدى خمس سنوات مضطربة، نظرت الولايات المتحدة إلى نفسها ـــ بل إلى بقية العالم ــ من خلال عدسة هذه الهجمات و"الحرب على الإرهاب" التي شُنت بعد ذلك. أما الآن فعلينا أن نتطلع إلى الأمام من أجل صوغ استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لا لفترة ما بعد الحرب الباردة أو لفترة ما بعد 11 سبتمبر، بل للقرن الـ .21

إن الأمن القومي في القرن الـ21 هو أشبه بلعبة مكعبات "روبيك" (للعالم الهندسي المجري إرنو روبيك) أكثر منه بلعبة الشطرنج. فرغم رغبة الأمريكيين في رؤية تهديد كبير واحد ومعادلة واحدة بسيطة لمقارعته ــ كرؤية الفاشية الإسلامية على أنها باتت خليفة النازية والشيوعية ــ فإن هذا ليس هو العالم الذي نعيش فيه. إن صعود الصين، ومخاطر انتشار الأوبئة العالمية، وانتشار الأسلحة النووية، والإرهاب العابر للحدود، والكوارث البيئية، كلها تحديات علينا مواجهتها. فحتى 11 سبتمبر كانت الولايات المتحدة تركز جلّ اهتمامها على الصين. ولكن بعد 11 سبتمبر، حرفنا انتباهنا وبدلا من ذلك بدأنا نركز على الشرق الأوسط. ولكن، وفيما نراقب القاعدة والوضع في العراق الآن، فإننا قد نفاجأ بشيء آخر غدا.

إن استراتيجية أمن قومي فعالة في القرن الـ 21 يجب أن تبني بنية تحتية للقدرات والتعاون لمواجهة الأخطار التي قد تحدق بنا بغض النظر عن ماهيتها، وذلك من أجل أن نرد بسرعة ومرونة. وعلى هذه الاستراتيجية أن تركز على قضاء وقتنا وإنفاق مالنا على التكنولوجيا والدبلوماسية والمؤسسات والسياسات ذات الأثر الأقصى والاستعمالات المتعددة. ويجب أن تكون هذه الاستراتيجية مسترشدة بمفهوم شامل جامع، لكنه مفهوم ينبغي أن يطرح رؤية إيجابية للعالم وسياسات متماسكة لتحقيق هذه الرؤية بدلا من مجرد رد قائم على الخوف والجزع، وليس إلا تجاه تهديد محدد. تلك الرؤية قائمة على مبدأ "الحرية تحت القانون" المتمثل بعالم من الديموقراطيات المستقرة القادرة على توفير الأمن والحرية لمواطنيها، وعالم من المؤسسات الدولية الفعالة القادرة على بناء الديموقراطية في الأمد البعيد وعلى حماية حقوق الإنسان واستعمال القوة عند الضرورة لحماية القانون الدولي.

كيف نصل إلى مثل هذا الوضع؟

أولا، على الولايات المتحدة أن تتخلى عن فكرة خوض حرب عالمية ضد الفاشية الإسلامية. إن هذا المفهوم للتهديد الإرهابي إنما يختزل كل أعداء أمريكا في صندوق بسيط، ويشجع على صراع الحضارات ويرفع من مكانة الإرهابيين، ويعاملهم كما لو كانوا محاربين بدلا من أن يكونوا خارجين على القانون وقتلة جماعيين. وهو كذلك تشخيص سيئ بصورة عميقة لمشكلة الإرهاب، وهي التي يراها الخبراء بصورة متزايدة أنها عبارة عن حركة تمرد عالمية ينبغي محاربتها بالأساليب المشتركة للاستخبارات وتطبيق القانون والعمليات الخاصة.

ثانيا، على أمريكا أن تركز على نهج ثنائي المحور لبناء ديموقراطيات ليبرالية قوية على مدى سنوات عدة، بل وعقود، بدلا من أشهر. فآباؤنا المؤسسون ركزوا على "النعم المشتركة للقانون والحرية"، على حد تعبير توماس جيفرسون. الانتخابات وحدها لا يمكن أن تكون الوسيلة الوحيدة في صندوق معداتنا فيما نحن نعمل من أجل إحلال الديموقراطية. وبدلا من ذلك، علينا أن نعمل مع الديموقراطيات الأخرى حول العالم لرفع الحكومات» إلى المستوى الذي تصبح فيه هذه الحكومات ذات شعبية ويتم محاسبتها أمام شعوبها وتحترم حقوقها.

ثالثا، على الولايات المتحدة أن تتصدر بناء مؤسساتنا العالمية. فالمؤسسات متعددة الأطراف هي مصدر حيوي للقوة الأمريكية ــ ومضاعف لقوتها ــ ولكن المؤسسات التي بنيناها وحلفاؤنا بعد الحرب العالمية الثانية تعاني الآن أوضاعا مزرية. لنبدأ بالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، الذي ما زال يعكس الواقع الدولي في عام 1945. علينا أن نوسع هذا المجلس ليشمل دولا مثل ألمانيا واليابان وجنوب أفريقيا والهند والبرازيل، وعلينا أن نجعله أكثر فعالية عن طريق إلغاء حق نقض القرارات (فيتو) التي تتطلب العمل المباشر ردا على الأزمات. وفي الوقت ذاته، علينا أن نعمل على إقامة تجمع عالمي للمصادقة على السلام الديموقراطي وتقويته. ويجب أن يكون هذا التجمع منبرا للدفع باتجاه إصلاح الأمم المتحدة، ولكن يمكنه كذلك أن يكون بديلا لمجلس الأمن إن فشل الإصلاح.

وأخيرا، على أمريكا أن تجدد "صفقتها العظيمة" مع بقية العالم. فعلى مدى 50 سنة بعد عام 1945، أسست الولايات المتحدة وقادت نظاما عالميا مستقرا ومزدهرا، منظما حول أفكار السوق الحرة والديموقراطية ومعاهدات التحالفات والمؤسسات التعاونية. لقد كان الأمن القومي الأمريكي والأمن العالمي مرتبطين ببعضهما على مدى تلك الفترة. لقد ربطت أمريكا أمنها القومي ببناء نظام عالمي ليبرالي يستجيب لطموحات الكثير من الدول والشعوب.

إن أمام الولايات المتحدة، الآن، في القرن الـ 21 فرصة أن تنهض وأن تقوم بالشيء ذاته« وبطرق جديدة، ويقينا، شريطة أن يكون ذلك ردا على الحقائق الجديدة. إن السعي الحثيث المتأني وصولا للحرية في ظل القانون هو استراتيجية لبناء نظام عالمي جديد يجعل أمريكا آمنة» وفخورة بنفسها أيضا.

*جيه جون آيكنبري وآن ماري سلوتر هما المديران المشاركان لمشروع جامعة برينستون للأمن القومي، وهو المشروع الذي جمع نحو 400 خبير أمن قومي على مدى السنتين والنصف الماضيتين لبناء استراتيجية أمن قومي من الحزبين تستهدف مواجهة تحديات العقود القادمة. وهما المؤلفان المشـــاركان للتــقرير النهائي للمشــــروع بعــنوان Forging a World of Liberty Under Law:U.S National Security Strategy in the 12st Century ) بناء عالم من الحرية في ظل القانون: استراتيجية الولايات المتحدة للأمن القومي في القرن الـ21

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبان في المصدر المذكور نصاً و بدون تعليق.

المصدر: http://newsweek.alwatan.com.kw