أمريكا بين علمانية الدولة و تدين المجتمع

 

 

 

هل يمكن وصف أمريكا بأنها دولة مسيحية؟

لم تكن تصريحات الرئيس بوش في اللقاء الذي جمعه في البيت الأبيض  بكتاب وصحفيين محافظين، والذي اعتبر فيها أن الولايات المتحدة تشهد الصحوة الدينية الثالثة في تاريخها، وأن المناخ الثقافي العلماني الذي كان سائدا في الولايات المتحدة في الخمسينات والستينات قد ولى، هي المؤشر الوحيد على التغيرات الثقافية التي يمر بها المجتمع الأمريكي منذ سبعينات القرن العشرين وحتى الآن، والتي يحلو للبعض أن يطلق على هذه الحالة إجمالا  واختزالا "عودة أمريكا إلى ربها".

تصريحات بوش رغم أن فيها الكثير من الصحة صدمت قطاعا كبيرا من الأمريكيين الذين يعتبرون أن بلدهم دولة علمانية لا  ينبغي أن يصدر عن رئيسها هذا النوع من التصريحات، كما أثارت ردود فعل في مختلف وسائل الإعلام  تنوعت مابين الانتقاد والسخرية لدرجة أن البعض وصف التصريحات بالهوس الديني، وآخرين علقوا عليها قائلين:" يبدو أن بوش يتكلم عن دولة أخرى غير التي نعيش فيها"...إلخ

وفي ظل هذا الجدل المتواصل حول تنامي دور الدين في المجتمع الأمريكي في السنوات الأخيرة يحاول  تقرير واشنطن في هذا االمقال الإجابة على السؤال التالي: هل يمكن وصف الولايات المتحدة بأنها دولة مسيحية؟

علمانية الدولة في الدستور الأمريكي

يعتبر دستور الولايات المتحدة وثيقة علمانية تبدأ بعبارة "نحن الشعب" ولا تحتوي الوثيقة على أي ذكر لكلمة الرب أو المسيحية، بل إن الإشارة إلى كلمة دين في الدستور استخدمت على نحو معاكس تماما للتأكيد على عدم التمييز بين المواطنين على أساس عقائدهم، فالفقرة السادسة من الدستور تنص على أنه ليس من الوارد إجراء اختبار ديني لأي شخص يرغب في شغل أي وظيفة حكومية. كما نص أول تعديل أدخل على الدستور ينص على أن الكونغرس لن يقوم بأي حال من الأحوال بتشريع قانون قائم على أساس ديني.

وعلى الرغم من أن عبارة فصل الدين عن الدولة لا ترد في الدستور، فإن الرئيس توماس جيفرسون  قد استخدمها  عام 1802 عندما طلب منه توضيح التعديل الأول على الدستور، ومن ثم استخدمت العبارة على نطاق واسع من قبل المحكمة العليا لاتخاذ احكام وقررارات هامة في تاريخ الولايات المتحدة.

يرى علمانيو الولايات المتحدة إن العبارات الدينية التي تستخدم في وثائق رسمية  كشعار "أمة واحدة تحت رعاية الرب" لم تدخل القاموس السياسي إلا في الخمسينات وفي عهد المكارثية، كما أن عبارة "نحن نثق بالرب" أو" في أمان الرب " المدونة على العملة الورقية الأمريكية، لم تكن موجودة قبل عام 1954 ، حتى وإن كانت موجودة فهي مجرد شعار ثقافي أكثر منه شعار ديني.

ويرد من يعتقد أن الدولة الأمريكية كانت ويجب أن تكون علمانية على من يرى أن القانون الأمريكي أسس على مبادئ الوصايا العشر بالقول إن وصايا مثل لا تقتل ولا تسرق والتي نجد لها صدى في القانون الأمريكي هي إرث إنساني ليس له علاقة بالدين !، والدليل على أن الوصايا العشر ببعدها الديني لا تمثل مرجعا للقانون الأمريكي من وجهة نظر هذا الفريق هو قرار المحكمة العليا بأن وضع الوصايا العشر في المدارس الحكومية والعامة إجراء غير دستوري.

الثقافة المحافظة

على الرغم من علمانية الدولة التي تم إقرار مبادئها في الدستور منذ البدايات الأولى لجيل المؤسسين وحرص هؤلاء الساسة على فصل الدولة الناشئة عن الكنسية، إلا أن المجتمع الأمريكي يظل واحدا من أكثر المجتمعات العلمانية محافظة وتدينا. فعلى الجانب الأخر من المشهد الأمريكي يقف فريق كبير من المحافظين المتدينين الذين يرون في تاريخ بلدهم منذ هجرة البيورتانيين لدوافع دينية من بريطانيا إلى المستعمرة الجديدة ومنذ الاستقلال وتأسيس الدولة لاحقا  دلالات ومظاهر كثيرة تؤكد على  تدين الشعب.

وما أشار إليه الرئيس بوش مؤخرا وحديثه عن الصحوات الدينية ودور الدين المتنامي في المجتمع ما هو إلا انعكاسا أو صدى لأفكار فريق كبير من المواطنين الأمريكيين الذين يقطن أغلبهم  المناطق الريفية أو الجنوب الأمريكي.

مظاهر الثقافة المحافظة تظهر بوضوح في العادات اليومية، والمناسبات الرسمية،  وفي الجدل حول القضايا الأخلاقية ودور الدين في حياة الناس والمجتمع وفي التصويت في انتخابات الكونغرس ... إلخ

مشاهد ثلاثة لانقسام المجتمع الأمريكي

يبدو أن أمريكا العلمانية رسميا وقانونيا كانت دائما أكثر تدينا ومحافظة من غيرها من المجتمعات العلمانية خاصة في أوربا على المستوى الثقافي والشعبي كما أن المجتمع الأمريكي لم يكن يعبر أبدا عن ثقافة واحدة. وقد زادت حدة التباين في المجتمع الأمريكي مؤخرا بصورة واضحة، فعندما أطلق البعض تسمية الولايات الحمراء والولايات الزرقاء تعبيرا عن انقسام الولايات المتحدة سياسيا بين التصويت للمرشح الجمهوري أو المرشح الديموقراطي في انتخابات الرئاسة السابقة 2004، لم يكن الأمر سوى اختزالا لحقيقة الانقسام الثقافي الذي يشهده المجتمع الأمريكي في السنوات الأخيرة. فقد كانت الاختلافات بين المحافظين والليبرالبين  تكاد تكون غير ملموسة، لكن موجة التدين المتصاعدة منذ السبعينات وبروز دور الدين في المجتمع  على نحو كبير يثير يوميا في الولايات المتحدة قضايا خلافية وانقسامات تجعل الأميركي في حالة استقطاب دائم.

وتعتبر قضايا مثل قضية استخدام الرموز الدينية في احتفالات أعياد الميلاد (الكريسماس) والإجهاض، وإقامة الصلاة في المدارس العامة، وزواج المثليين،  والصراع ما بين الدين ونظرية النشوء والارتقاء لدارون، وإجراء البحوث العلمية ذات الأبعاد الأخلاقية  من أكثر القضايا التي تثير انقساما على المستوى السياسي والثقافي في المجتمع الأمريكي خلال السنوات السابقة.

المشهد الأول: ميري كريسماس أم هابي هوليدايز

في اليوم الأخير من الدراسة وقبل بدء عطلة أعياد الميلاد السنة الماضية، وبمجرد دخولي إلى حجرة الدرس في جامعة ميرلاند خيرت طلابي بين تهنئتهم بعبارة ميري كريسماس أو هابي هوليدايز. وحدث ما كنت أود التأكد من صحته، إذ تعالت أصواتهم وتداخلت في الرد بين التهنئتين وبدؤوا في مجادلة بعضهم البعض. وأدركت أن هذا الصف هو نموذج مصغر لما يدور من اختلاف وانقسام في المجتمع بين الأمريكيين. فعبارة ميري كريسماس ذات المدلول الديني المسيحي مفضلة لدى فريق كبير من الأمريكيين وخاصة المتدينين والمحافظين على اعتبار أن ما يزيد على 80% من المواطنين مسيحيين ومن حقهم أن يستخدموا ما يشأون من رموز وعبارات دينية ، أما الفريق الآخر، والذي يفضل استخدام عبارة هابي هوليدايز ذات المدلول العلماني ، فحجته أن فترة الأعياد تحتوي على أعياد أخرى بجانب الكريسماس مثل الهانكه لليهود وكوانزا لبعض الأمريكيين من أصل أفريقي، وبالتالي فإن تهنئة ميري كريسماس لا تشملهم بل تجرح مشاعرهم أحيانا،  حتى ان بعض المسيحيين الليبراليين يفضلون التهنئة بهابي هوليدايز ويطالبون بإزالة كافة الرموز الدينية من الاحتفال بالكريسماس على اعتبار أنه احتفال ثقافي أمريكي أكثر منه ديني.

المشهد الثاني:  الحق في الحياة أم الحق في الإجهاض

كثيرا ما ترى في ميادين واشنطن وغيرها من المدن الأمريكية تظاهرات مناوئة للإجهاض وحق الجنين في الحياة أو تظاهرات تدافع عن حق المرأة في الإجهاض. وكثيرا ما تكون هذه القضية مجالا للجدل والنقاش على مختلف المستويات السياسية والقانونية، فقد كانت وجهة نظر كل من الرئيس بوش والسيناتور جون كيري حول القضية محورا أساسيا في المناظرة التلفزيونية التي تمت خلال حملة انتخابات الرئاسة السابقة. يطالب المحافظون بتقنين قواعد الإجهاض وحظره خاصة بعد الشهر الثالث من الحمل. ومن المعروف أن المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة لا تحظر الإجهاض، بل تترك حرية تنظيم وتقنيين قواعده طبقا لقوانيين كل ولاية.

المشهد الثالث: نظرية دارون أم التصميم الذكي

علمانية النظام التعليمي الحكومي في الولايات المتحدة تتبنى تدريس نظرية النشوء والارتقاء التي وضعها  داروين في عام 1859 والتي تقول بإن الانتقاء الطبيعي هو السبب في وجود الحياة والكائنات. وفي المقابل يتبنى المتدينون والمحافظون نظرية أخرى تعتمد  بشكل أو بآخر على الرواية التوراتية لخلق الكون والإنسان يطلقون عليها نظرية التصميم أو التكوين الذكي،  وهي تعارض نظرية دارون وتفترض أن هذا الكون بالغ التعقيد لابد وأن يكون وراء تصميمه صانع ماهر أو خالق.

وطالب الرئيس بوش بمنح الفرصة لتدريس النظرية في المدارس ليس بوصفها بديلا لنظرية دارون ولكن باعتبار أنها تمثل وجهة نظر أخرى، لكن قاضيا فيدراليا في ولاية بنسلفانيا رفض طلبا  بتدريس نظرية " التكوين الذكي" معتبرا أنها نظرية غير علمية. ونص قرار المحكمة على أن الاقتراح يعتبر مخالفا للدستور الأميركي الذي يتنى الفصل بين الدين والدولة في المؤسسات التعليمية الأمريكية.

الجدل والانقسام والاختلاف  في المشهد  الثقافي  والاجتماعي  في الولايات المتحدة يؤكد  على  أن الانقسام داخل المجتمع الأمريكي أعمق من كونه سياسي رغم كل الصخب في قاعات الكونغرس وعلى صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. ليس هناك تفسيرا واحدا لهذا الانقسام فلعله يكون ناتجا عن إزدواجية علمانية القانون والدستور وتدين معظم الأمريكيين، وربما يكون ناتجا عن وجود ثقافتين متباينتين يعيشان داخل حدود جغرافية وسياسة واحدة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكورنصاً ودون تعليق .

المصدر: تقرير واشنطن- العدد75