الطفرة النفطية العربية الثالثة؛ دراسة للملامح والأسباب وآليات التوظيف

 

 

أحمد السيد النجار

 

 

 

مقدمة

يشهد الوطن العربي في الوقت الراهن طفرة نفطية جديدة، تتمثل في الارتفاع الكبير في أسعار النفط والإيرادات العربية من تصديره والتي تجاوزت في الأعوام الأربعة الأخيرة توقعات البلدان المصدرة له بصورة فارقة. كما تزايد الطلب العالمي على الصادرات النفطية العربية في ظل حقيقة أن الدول العربية هي صاحبة الاحتياطيات الأكبر في العالم كما هو واضح من الجدول رقم (1)، وهي التي ستبقى المصدر الأهم للعرض العالمي للنفط بعد أن بدأت القدرات التصديرية للكثير من الدول المنتجة والمصدرة في السابق في التراجع مع تضاؤل احتياطياتها. وهذه الطفرة تشكل فرصة جديدة للاقتصادات العربية لتوظيف الإيرادات الناجمة عنها من أجل إحداث طفرة موازية في قدرة وتنوع وحداثة الاقتصادات العربية شريطة توافر الإرادة السياسية لتحقيق ذلك داخل كل قطر عربي وبالتعاون بين الأقطار العربية المصدرة للنفط والتي تملك الفوائض المالية، وبين الأقطار المؤهلة لاستيعاب الاستثمارات التي يمكن أن تتدفق من الأقطار النفطية إلى الخارج. ومقابل هذه الفرصة الإيجابية، فإنه يمكن أن تُهدر ثمار هذه الطفرة النفطية الجديدة لو أعادت الدول العربية المصدرة للنفط إنتاج نمط التوظيف الذي اعتمدته في الطفرة النفطية الأولى بعد حرب أكتوبر 1973، وأعادت إنتاجه في الطفرة النفطية الثانية بعد الثورة الإيرانية وأثناء السنوات الأربع الأولى من الحرب العراقية-الإيرانية. وكانت فوائض أموال الطفرتين النفطيتين العربيتين الأولى والثانية قد تسربت للغرب، خاصة للولايات المتحدة، في صورة ودائع مصرفية واستثمارات في الأسهم والسندات الأمريكية والأوروبية أو في شراء العقارات الفاخرة وكل ما له علاقة بالترف. كما توجه قسم منها للمضاربة على الذهب فاشتعلت أسعاره بلا مبرر حقيقي ثم انهارت تلك الأسعار وفقدت المدخرات العربية جزءا مهما من قيمتها بسبب سوء إدارتها. كما توجه قسم منها إلى أسواق الأسهم العربية بحيث أصبح هناك جبل من الأموال تتداول أصولا عينية محدودة في ظل ضعف معدلات الاستثمار الحقيقية، مما أدي إلى صعود الأسعار بشكل بالوني ثم انفجارها بعد ذلك مخلفة أزمات رهيبة لعل أشهرها أزمة انهيار سوق الأسهم الكويتية (أزمة سوق المناخ).

ورغم أن سلوك الدول العربية المصدرة للنفط ومستثمريها لم يختلف في الطفرة النفطية الراهنة عن أدائهم في الطفرتين النفطيتين السابقتين في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، إلا أن استمرار الطفرة النفطية الراهنة يجعل من المفيد تناولها بالتحليل والتعرض لكيفية إدارة الدول العربية لها وإمكانيات ترشيد هذه الإدارة أو على الأقل التصور المقترح لهذا الترشيد. وتكمن أهمية طرح مثل هذا التصور في أن الدول العربية التي بلغ مجموع احتياطياتها النفطية نحو 667.4 مليار برميل تشكل نحو 59% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، وبلغ مجموع احتياطياتها من الغاز الطبيعي نحو 53353 مليار متر مكعب تمثل نحو 29.3% من إجمالي الاحتياطي العالمي منه( ) وتوازي نحو 351 مليار برميل من النفط وفقا لمعدل التحويل بينهما (برميل النفط يكافيء 152 مترا مكعبا من الغاز)، مرشحة للحصول على دورة طويلة من العوائد المرتفعة عن صادراتها من النفط والغاز في المستقبل على ضوء حقيقة أنها ستكون مع كل من إيران وفنزويلا وروسيا آخر البلدان التي تملك احتياطيات نفطية ستظل تمد العالم باحتياجاته من النفط وستحصل مقابل ذلك على أسعار احتكارية بالغة الارتفاع إذا لم يتم وضع تصور مشترك للتسعير العادل للنفط بين المصدرين والمستوردين.

وتتصدر السعودية والعراق والكويت والإمارات قائمة الدول العربية مالكة الاحتياطيات الضخمة من النفط. وتاتي السعودية في المركز الأول عالميا بينما تأتي العراق والكويت والإمارات في المراتب من 3 إلى 5 بين أكبر دول العالم مالكة الاحتياطيات النفطية، كما هو واضح من الجدول رقم (1). كما تتصدر كل من قطر والسعودية والإمارات والجزائر والعراق ومصر بالترتيب، قائمة الدول العربية المالكة لاحتياطيات الغاز الطبيعي. وتأتي قطر والسعودية والإمارات بالترتيب في المراكز من الثالث إلى الخامس بين أكبر دول العالم المالكة لاحتياطيات الغاز الطبيعي. وبجمع الاحتياطيات العربية من النفط والغاز معا، فإنها تعادل نحو 1018.4 مليار برميل من النفط، وهي تشكل نحو 43.8% من إجمالي الاحتياطيات العالمية من النفط والغاز معا.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن جزءا مهما من ثروة البلدان العربية من النفط والغاز تضيع نتيجة التخلف العلمي والتقني لهذه البلدان التي تضطر لدفع جزء مهم من احتياطياتها النفطية للشركات الأجنبية التي تقوم بالتنقيب والاستكشاف والحفر والاستخراج والتكرير والتسويق للإنتاج العربي من النفط والغاز الطبيعي.

ورغم التغيرات التي حدثت في طبيعة العقود المبرمة بين شركات النفط والدول العربية بالمقارنة بالعقود القديمة إلا أن العقود الحديثة ما زالت تمنح الشركات الأجنبية التي تقوم بالتنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما حصة كبيرة من الموارد العربية من النفط والغاز. وعلى سبيل المثال، تقضي اتفاقيات التنقيب عن النفط والغاز في مصر باقتسام الإنتاج بين مصر والشركات الأجنبية العاملة في أراضيها، بحيث تحصل هذه الشركات على 40% من إجمالي إنتاج النفط والغاز من الحقول التي اكتشفتها في مصر مقابل ما تحملته من أعباء أثناء الاستكشاف والتطوير والإنتاج، كما تحصل على نصيب إضافي مقابل ما تحملته من مخاطر أثناء عمليات الاستكشاف.

جدول (1)

احتياطيات النفط العربية والعالمية ونسبة الاحتياطي العربي من الإجمالي العالمي

خلال الفترة (2001- 2005) بالمليار برميل

الدولة 2001 2002 2003 2004 2005*

الإمارات 97.8 97.8 97.8 97.8 97.8

البحرين 0.13 0.13 0.13 0.13 0.12

تونس 0.31 0.31 0.31 0.31 0.31

الجزائر 11.31 11.31 11.8 11.35 11.35

السعودية 262.7 262.79 262.73 264.31 264.31

سوريا 3.15 3.15 3.15 3.15 3.15

العراق 115 115 115 115 115

قطر 15.21 15.21 15.21 15.21 15.21

الكويت 96.5 96.5 99 101.5 101.5

ليبيا 36 36 39.13 39.13 39.13

مصر 3.7 3.7 3.7 3.7 3.7

السودان 0.81 0.81 0.81 0.81 6.32

عمان 5.9 5.71 5.57 5.57 5.51

اليمن 4 4 4 4 4

إجمالي الدول العربية 652.52 652.42 658.34 661.97 667.41

إندونيسيا 5.12 4.72 4.32 4.3 4.3

إيران 99.08 130.69 133.25 132.46 132.46

فنزويلا 77.69 77.31 77.23 79.73 79.73

نيجيريا 31.5 34.35 35.26 35.88 35.88

إجمالي دول الأوبك العربية وغير العربية 847.91 881.68 890.73 896.67 896.67

بريطانيا 4.93 4.72 4.67 4.49 4.03

النرويج 11.55 10.4 10.1 9.64 8.65

الولايات المتحدة 22.43 22.68 22.7 21.89 21.37

المكسيك 25.43 17.2 16.04 14.8 12.88

كندا 4.86 4.86 4.86 4.3 4.79

أذربيجان 1.18 7 7 7 7

كازاخستان 5.42 9 9 9 9

روسيا الاتحادية 48.57 60 60 72.28 72.16

الصين 17.57 18.5 18.25 18.25 18.25

باقي دول العالم 47.54 48.22 51.15 51.45 51.78

إجمالي العالم 1081.65 1113.48 1126.6 1129.39 1131.64

نسبة الدول العربية للعالم 60.3% 58.6% 58.4% 58.6% 59%

* تقديرات: المصدر: تقرير الأمين العام السنوي الثاني والثلاثون، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، الكويت، 2005، صـ 134، 135.

وهذا يعني ببساطة أن قسما كبيرا من الموارد العربية من النفط والغاز يذهب إلى الشركات الأجنبية المنتمية لبلدان أجنبية، لا لشيء إلا لأن الكثير من الدول العربية متخلف ويعتمد على شركات بلدان أخرى في استكشاف وإنتاج النفط والغاز، كما تعتمد الشركات الوطنية في الكثير من البلدان العربية على عمالة فنية وماهرة من بلدان أجنبية.

أولا: حدود الطفرة النفطية العربية الراهنة

حطمت أسعار النفط الذي يشكل الجانب الأعظم من الصادرات العربية كل أرقامها القياسية السابقة، ووصلت إلى مستويات لم يكن يتوقعها أكثر المتفائلين في البلدان المصدرة للنفط، وأكثر المتشائمين في البلدان المستوردة له خلال العامين الأخيرين، ووصل السعر في المتوسط إلى 50.6 دولار للبرميل من سلة خامات أوبك في عام 2005، ومن المتوقع أن يتجاوز هذا المتوسط ليبلغ نحو 60 دولارا للبرميل في العام 2006. ويمكن إدراك حدود الطفرة النفطية العربية الراهنة من خلال قراءة بيانات الجدول رقم (2) والذي يوضح تطور أسعار النفط، والجدول رقم (3) والذي يوضح تطور العائدات العربية من تصدير النفط.

وكما يتضح من بيانات الجدول رقم (2)، فإن أسعار النفط في عام 2005، هي الأعلى على الإطلاق كأسعار اسمية، كما أنها تعد الأعلى منذ عام 1984 مقاسة بالأسعار الثابتة لعام 1995. وإذا أخذنا الدورة الأخيرة لأسعار النفط فإنها تبدأ من القاع المتمثل في عام 1998 حينما انحدرت الأسعار الاسمية للنفط إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1977، وبلغت الأسعار الحقيقية ما يزيد بصورة طفيفة عن الأسعار قبل حرب أكتوبر 1973. وفي ذلك العام (1998) بلغت أسعار النفط نحو 12.3 دولار للبرميل من سلة خامات أوبك، ثم ارتفعت الأسعار بنسبة 42.3% في عام 1999 مسجلة 17.5 دولار للبرميل من سلة خامات أوبك، وواصلت الارتفاع بنسبة 57.7% في عام 2000 ليبلغ سعر البرميل من سلة خامات أوبك نحو 27.6 دولارا في العام المذكور. واستحدثت منظمة الأوبك آلية للحفاظ على الأسعار بين 22 ، 28 دولار للبرميل من خلال تحريك عرض النفط بشكل مرن لتحقيق هذا الهدف بزيادة العرض إذا ارتفعت الأسعار عن 28 دولارا للبرميل لمدة شهر، وتخفيض العرض إذا انخفضت الأسعار عن 22 دولارا للبرميل لمدة شهر. وقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى حدوث زيادات كبيرة في إيرادات الصادرات النفطية العربية في عامي 1999، 2000 (أنظر الجدول رقم 3). فقد ارتفعت الإيرادات من 82.1 مليار دولار عام 1998، إلى 118.1 مليار دولار عام 1999 بنسبة زيادة بلغت 43.9%. وارتفعت الإيرادات لتبلغ 188.8 مليار دولار عام 2000 بنسبة زيادة قدرها 59.9% عن الإيرادات المتحققة عام 1999.

وقد تراجعت الأسعار بصورة استثنائية في عام 2001 بنسبة 16.3% ليبلغ سعر البرميل من سلة خامات أوبك 23.1 دولار في العام المذكور، وذلك تحت وطأة الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على دول الأوبك من أجل تخفيض أسعار النفط الخام وتعطيل آلــية الحـفاظ عليها فيما بيــن (22- 28) دولارا للبرميل. وقد استخدمت الولايات المتحدة نوعا من الابتزاز المعنوي للدول المصدرة، خاصة أن أحداث 11 سبتمبر 2001 مكنت الولايات المتحدة من استخدامها بفعالية بالنظر إلى أن المتهمين بتفجير الطائرات في الأحداث المذكورة ينتمون إلى بلدان عربية وإسلامية تنتج وتصدر النفط. وتبعا لانخفاض الأسعار تراجعت إيرادات الصادرات النفطية العربية إلى 159.3 مليار دولار في عام 2001، بنسبة انخفاض بلغت 15.6% عن قيمة الإيرادات عام 2000.

جدول (2)

تطور أسعار النفط الجارية والثابتة وفقا لأسعار عام 1995 خلال الفترة (1984- 2005)

السنة السعر الاسمي

دولار/برميل السعر وفقا للأسعار الثابتة لعام 1995 دولار/برميل

1984 28.1 40.4

1985 27.5 37.9

1986 13 17.3

1987 17.7 22.9

1988 14.2 17.7

1989 17.3 20.7

1990 22.3 25.6

1991 18.6 20.4

1992 18.4 19.6

1993 16.3 17

1994 15.5 15.8

1995 16.9 16.9

1996 20.3 19.9

1997 18.7 18

1998 12.3 11.7

1999 17.5 16.5

2000 27.6 25.7

2001 23.1 21.1

2002 24.3 21.9

2003 28.2 25

2004 36 31.4

2005 50.6 43.3

المصدر: تقرير الأمين العام السنوي الثاني والثلاثون، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، الكويت، 2005، صـ 65.

وقد عادت الأسعار للارتفاع بصورة طفيفة في عام 2002 لتسجل 24.3 دولار للبرميل من سلة خامات أوبك بنسبة ارتفاع بلغت 5.2%، لكن تراجع إنتاج الدول العربية المصدرة للنفط وبالذات العراق الذي أوقف صادراته لمدة شهر في ذلك العام قد أدى لتراجع عوائد الصادرات النفطية العربية في العام المذكور إلى 152.7 مليار دولار بنسبة انخفاض بلغت 4.1% مقارنة بإيرادات عام 2001.

ومنذ عام 2003 وحتى الآن ارتفعت أسعار النفط بشكل مطرد، وبلغ السعر 28.2 دولار للبرميل من سلة خامات أوبك في عام 2003، بنسبة زيادة قدرها 16.1% عن السعر المسجل في عام 2002، وبلغت عائدات الصادرات النفطية العربية نحو 173.5 مليار دولار بزيادة نسبتها 13.6% عن إيرادات عام 2002.

وفي عام 2004 ارتفع سعر برميل النفط من سلة خامات أوبك إلى 36 دولارا بنسبة زيادة بلغت 27.7% عن السعر في العام السابق عليه، وارتفعت إيرادات الصادرات النفطية العربية بالتالي إلى 233.4 مليار دولار بزيادة نسبتها 34.5% عن إيرادات عام 2003. وفي عام 2005 ارتفع سعر برميل النفط من سلة خامات أوبك إلى 50.6 دولار، بنسبة ارتفاع بلغت 40.6% عن السعر المسجل في عام 2004، وارتفعت عوائد الصادرات النفطية للدول العربية الأعضاء في منظمة الأوابك (منظمة الدول العربية المصدرة للنفط) إلى 327.3 مليار دولار بزيادة نسبتها 50.1% بالمقارنة مع عام 2004. أما الدول العربية المصدرة للنفط وغير الأعضاء في منظمة الأوابك وهي السودان واليمن وعمان فلم تتوافر بيانات عن قيمة صادراتها النفطية عام 2005. لكن حتى لو افترضنا ثبات حجم صادرات تلك البلدان من النفط في عام 2005 فإن عوائد تلك الصادرات يمكن أن تكون قد ارتفعت إلى أكثر من 23 مليار دولار، بما يجعل إيرادات الصادرات النفطية العربية الإجمالية تتجاوز مستوى 350 مليار دولار في عام 2005 كحد أدنى.

جدول رقم (3)

عائدات صادرات النفط العربية خلال الفترة (1998- 2005) بالمليون دولار

الدولة 1998 1999 2000 2001 2002 2003 2004 2005*

الإمارات 10260 15021 26148 22414 17300 18607 25264 41791

البحرين 800 1706 2589 1054 1806 2677 3112 2866

الجزائر 5970 7556 14204 11736 12370 12300 13862 22218

السعودية 31980 44934 70866 59788 63814 74835 97654 147674

سوريا 1320 1916 2743 2163 2484 2704 2987 3537

العراق 6790 12104 19771 15685 10400 8627 19598 24058

قطر 3110 4775 7834 6964 6885 7500 9726 13829

الكويت 8471 11077 18183 14976 14057 19002 24741 40183

ليبيا 6140 7734 12230 10875 10482 12780 18262 27804

مصر 1728 2555 2588 1917 2015 2373 2844 3424

مجموع أعضاء أوابك 76851 109788 177156 148572 141613 161405 218050 327384

السودان .. .. 945 1495 1512 1908 3191 ..

عمان 3860 5685 8800 7697 7969 8080 9105 ..

اليمن 1420 2620 1912 1538 1608 2107 3052 ..

إجمالي الدول العربية 82131 118093 188813 159302 152702 173500 233398 ..

* تقديرات ومصدرها هو: تقرير الأمين العام السنوي الثاني والثلاثون، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، الكويت، 2005، صـ 65.

المصدر: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وآخرون، التقرير الاقتصادي العربي الموحد سبتمبر 2001، صـ 314، سبمبر 2005 صـ 313.

وتبعا لهذه الزيادة في الإيرادات النفطية العربية، فإن الموازنة العامة للدولة في البلدان العربية المصدرة للنفط استعادت توازنها وأصبحت تحقق فائضا كبيرا مرة أخرى. وقد بلغ فائض الميزانية العامة للدولة في السعودية على سبيل المثال نحو 214 مليار ريال سعودي أي نحو 57 مليار دولار أمريكي في عام 2005، وهو ما سيتيح للحكومة السعودية أن تخفض الدين العام وأن تكون قادرة على تمويل استثمارات جديدة ترفع معدل الاستثمار، وتوسيع وتحديث وتنويع جهازها الإنتاجي إذا توافرت الإرادة السياسية لتحقيق ذلك. وما ينطبق على السعودية في هذا الصدد ينطبق على باقي البلدان العربية المصدرة للنفط.

ولو احتسبنا الزيادة في الإيرادات النفطية العربية سنويا منذ عام 1999 حتى عام 2005، عن الإيرادات التي تحققت في عام 1998، فإن الزيادة وحدها تزيد عن 800 مليار دولار وفقا لأدنى التقديرات. وهو ما يوضح حجم الطفرة النفطية العربية الراهنة. ومن الضروري دراسة أسباب هذه الطفرة لتحديد مدى استمراريتها وكيفية حفاظ الدول العربية على أسعار معقولة لصادراتها النفطية وتوظيف هذه الإيرادات بصورة فعالة من أجل تطوير الاقتصادات العربية صناعيا وزراعيا وخدميا كي تصبح قادرة على النمو الذاتي المتواصل بغض النظر عن حركة أسعار النفط..

ثانيا: أسباب الطفرة النفطية الأخيرة

أشرنا آنفا إلى أن أسعار النفط الخام التي سجلت في عام 1998 أدنى مستوى لها منذ عام 1977، قد بدأت في الارتفاع القوي منذ عام 1999، وواصلت هذا الارتفاع بقوة في عام 2000. وكان ارتفاع الأسعار في هذين العامين ناتجا عن جهد مخطط ومدروس من الدول المصدرة للنفط التي عانت الأمرين من انخفاض أسعار النفط في عام 1998، والتي جعلت هذه الدول تعاني من عجز كبير في ميزانياتها العامة. وقد بلغ هذا العجز في الموازنة العامة السعودية كبرى الدول العربية المصدرة للنفط، وأكبر مصدر للنفط في العالم بأسره نحو 12 مليار دولار في العام المذكور، مما اضطرها للاستدانة من الخارج وإعادة النظر في استراتيجيتها النفطية.

1- التغير في موقف السعودية فتح المجال لإجراءات أوبك لرفع الأسعار

عملت السعودية دائما على جعل أسعار النفط معتدلة وملائمة لمتطلبات النمو الاقتصادي العالمي وبالذات في الولايات المتحدة التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم (13 مليون برميل يوميا)، وهي التي انتهجت سياسة الإغراق في منتصف ثمانينيات القرن العشرين والتي أدت إلى انهيار أسعار النفط في عام 1986، بصورة مواتية للاقتصاد الأمريكي من ناحية، ولإجبار باقي الدول المصدرة للنفط على الإقرار بوضع السعودية كمنتج مرجح للنفط لديها أكبر طاقة إنتاجية عاملة واحتياطية داخل المنظمة، وثاني أكبر طاقة إنتاجية واحتياطية بعد الاتحاد السوفيتي في ذلك الحين.

وقد اضطرت السعودية لتغيير سياساتها تحت ضغط الحاجة الداخلية والخارجية لرفع إيراداتها النفطية، فقامت بجهد منظم وحازم لرفع أسعار النفط بالتعاون مع باقي أعضاء منظمة الأوبك وبالتعاون مع المنتجين من خارجها من أجل تحقيق هدفها برفع الأسعار. وكان ذلك التوجه السعودي ناتجا عن أن التدهور الذي حدث في أسعار النفط عام 1998، قد وضع السعودية في موقع حرج للغاية بعد أن تجاوز عجز ميزانيتها العامة نحو 12 مليار دولار، وبعد أن اضطرت للاستدانة، خاصة أن حرب الخليج الثانية وما تلاها من صفقات هائلة لشراء السلاح من الولايات المتحدة لإرضاء المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، كانت قد استنزفت إمكانياتها المالية، وهو الأمر الذي كان من شأنه أن يضع الدولة السعودية في موقف حرج داخليا في حالة استمرار أسعار النفط عند مستواها المنخفض الذي انحدرت إليه في عام 1998 والذي كان يهدد بعجزها عن توفير الخدمات العامة لمواطنيها بالمستويات التي تعودوا عليها، أو تقديم الإعانات تحت مختلف المسميات لهم. ولذلك عملت الدولة السعودية مدفوعة بمصالحها الحيوية داخليا، على رفع أسعار النفط، وشكلت بالتالي تحديا حقيقيا للاستراتيجية الأمريكية في سوق النفط، حيث ساهمت سياستها في سوق النفط في رفع الأسعار في عامي 1999، 2000.

واللافت للنظر في هذا التحول هو أنه جاء ردا على الموقف الأناني للدول المستوردة للنفط وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي لم تفعل أي شيء من أجل رفع الأسعار إلى مستويات معتدلة تضمن للدول المعتمدة على تصدير النفط وعلى رأسها السعودية، حدا أدنى من الإيرادات الضرورية للوفاء بالتزاماتها الداخلية والخارجية.

وقد لجأت الدول المصدرة للنفط الأعضاء في منظمة الأوبك إلى الإجراءات التقليدية لضبط السوق واستعادة زمام المبادرة فيه ورفع أسعار النفط الخام. وقد تمثلت هذه الإجراءات في تقليص الإنتاج والتأكيد على التزام دول منظمة الأوبك بحصصها الإنتاجية دون أي تجاوز، والتنسيق بين دول منظمة الأوبك وبين الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة من أجل ضبط العرض العالمي والتحكم فيه بصورة ملائمة بهدف رفع الأسعار. ومع تحسن الأسعار وضعت منظمة الأوبك آلية لضمان تحرك أسعار النفط الخـام فيما بين 22 دولارا للـبرميل من ســلة خامات أوبك كـحد أدنـى، و 28 دولارا للبرميل كحد أقصى. وقد نجحت تلك الإجراءات في رفع سعر النفط بقوة في عامي 1999، 2000(أنظر جدول رقم 2).

وكما أشرنا آنفا فإن سعر برميل النفط من سلة خامات أوبك الذي بلغ 24.2 دولار في الربع الثالث من عام 2001، قد تراجع بقوة ليبلغ 18.3 دولار للبرميل في الربع الأخير من العام المذكور بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وما تلاها من ضغوط ومطالبات أمريكية مباشرة من أجل تخفيض الأسعار لمساعدة الاقتصاد الأمريكي، أكبر مستورد للنفط في العالم، للتعافي من الآثار الاقتصادية السيئة لتلك الأحداث.

وفي يناير من عام 2002، ظل السعر يدور حول مستوى 18.3 دولار للبرميل، وفي شهر فبراير ارتفع السعر إلى نحو 19 دولارا للبرميل.

2- ارتفاع الأسعار لأسباب خارج تخطيط الأوبك

في أعقاب الهبوط الكبير الذي تعرضت له أسعار النفط بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 والذي استمر لنحو ستة أشهر، بدأت دورة من الصعود القوي لأسعار النفط مع إعلان العراق وقف صادراته النفطية لمدة شهر في مارس/إبريل من عام 2002، احتجاجا على الاجتياح الإسرائيلي لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية دون أي اعتراض حقيقي من الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم. ومع الخروج المؤقت للنفط العراقي من العرض العالمي للنفط، ارتفعت الأسعار على نحو سريع لتصل إلى نحو 22.6 دولار للبرميل في شهر مارس، ثم إلى 24.7 دولار للبرميل في شهر إبريل من العام المذكور. ويلاحظ أن هذا العامل الذي سبب عودة أسعار النفط للصعود لا علاقة له بأي جهد منظم للأوبك من أجل رفع الأسعار.

ويمكن القول إن الارتفاعات في أسعار النفط منذ النصف الثاني من عام 2002 وحتى الآن تعود إلى عوامل لا علاقة لمنظمة الأوبك بها. فبعد الحظر العراقي المؤقت لصادرات النفط، بدأت التوترات الأمريكية-الفنزويلية ومحاولات واشنطن لإسقاط الرئيس الفنزويلي المنتخب هوجو شافيز من خلال التنسيق مع حلفائها في فنزويلا لتعطيل العمل في قطاع النفط مما أثر سلبيا على الإنتاج والصادرات الفنزويلية من النفط، وأدى إلى تراجع العرض العالمي للنفط خاصة في النصف الثاني من عام 2002، وخلال عام 2003، وهو ما ساهم بدوره في رفع الأسعار. وكان إنتاج فنزويلا من النفط قد تراجع من نحو 2.792 مليون برميل يوميا في عام 2001، إلى 2.432 مليون برميل يوميا في عام 2002، إلى نحو مليوني برميل يوميا في عام 2003.( )

وفي ذلك الوقت بدأ النمو الاقتصادي العالمي في التحسن بقوة مما ترتب عليه ارتفاع الطلب على النفط الذي شكل عاملا ضاغطا في اتجاه ارتفاع الأسعار. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي في تقريره عن الاقتصاد العالمي الصادر في أبريل 2006، إلى أن معدل النمو الاقتصادي العالمي ارتفع من 2.6% عام 2001، إلى 3.1% عام 2002، إلى 4.1% عام 2003، إلى 5.3% عام 2004 وهو أعلى مستوى له في الثلاثين عاما الأخيرة، واستمر عند مستوى مرتفع بلغ 4.8% عام 2005، ومن المتوقع له أن يبلغ 4.9% في العام الحالي ( ). ونتيجة لهذا النمو الاقتصادي ارتفع الطلب العالمي على النفط بصورة كبيرة من 76.6 مليون برميل يوميا عام 2001، إلى 76.8 مليون برميل يوميا في عام 2002، إلى 78.5 مليون برميل يوميا في عام 2003، إلى 82 مليون برميل يوميا في عام 2004، إلى نحو 83.2 مليون برميل يوميا في عام 2005، إلى نحو 84.1 مليون برميل يوميا في النصف الأول من عام 2006.( ) وقد أدت هذه الزيادة الحقيقية في الطلب والتي جاء معظمها من الصين ودول شرق آسيا، إلى المساهمة في رفع أسعار النفط وإلى دفعها إلى مستويات جديدة (انظر جدول رقم 4).

ونتيجة لأن الصين ومعها دول شرق وجنوب شرق آسيا هي القاطرة الرئيسية للنمو الاقتصادي العالمي في الوقت الراهن، فإن الزيادة الرئيسية في الطلب على النفط جاءت من هذه البلدان. وتشير البيانات إلى أن الطلب الصيني على النفط ارتفع من 4.7 مليون برميل يوميا عام 2001، إلى 7 ملايين برميل يوميا في النصف الأول من عام 2006، بزيادة نسبتها 48.9%. كما زاد الطلب على النفط في الشرق الأوسط وآسيا من 12.2 مليون برميل يوميا عام 2001 إلى 14.6 مليون برميل يوميا في النصف الأول من عام 2006، بزيادة نسبتها 20.5% في الفترة المذكورة. وبالمقابل ارتفع طلب أمريكا الشمالية على النفط من 24 مليون برميل يوميا عام 2001، إلى 25.5 مليون برميل يوميا في عام 2005، بزيادة نسبتها 6.5% فقط على مدار الأربعة أعوام بين 2001، 2005. كما زاد الطلب الأوروبي على النفط من 15.3 مليون برميل يوميا في عام 2001، إلى 15.6 مليون برميل يوميا في عام 2005، بزيادة نسبتها 2% فقط خلال أربعة أعوام.( )

وترتيبا على هذه البيانات، فإن ثقل الطلب العالمي على النفط يتجه شرقا نحو القارة الآسيوية الناهضة خاصة الصين التي يتطور اقتصادها على نحو مذهل في تنوعه وحداثته وسرعته.

جدول رقم (4)

تطور الطلب العالمي على النفط خلال الفترة من عام 2001 إلى النصف الأول من عام 2006(بالمليون برميل يوميا)

الإقليم 2001 2002 2003 2004 2005 النصف الأول من عام 2006

الدول العربية 3.9 4 4 4.2 4.6 4.6

الأقطار الأعضاء في أوابك 3.3 3.4 3.4 3.6 3.9 3.9

الدول العربية الأخرى 0.6 0.6 0.6 0.6 0.6 0.7

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 47.9 47.7 48.5 49.6 49.7 49.8

أمريكا الشمالية 24 24.2 24.6 25.2 25.5 25.5

أوروبا 15.3 15.1 15.2 15.7 15.6 15.4

المحيط الهادي 8.6 8.5 8.7 8.7 8.8 8.8

الدول النامية 19.4 19.5 19.9 21.3 22.1 22.6

الشرق الأوسط وآسيا 12.2 12.3 12.6 13.8 14.3 14.6

إفريقيا 2.5 2.5 2.6 2.7 2.8 2.9

أمريكا الجنوبية 4.8 4.7 4.7 4.9 5 5.1

الصين 4.7 5 5.5 6.5 6.6 7

جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق 3.9 3.8 3.9 3.9 3.9 3.9

أوروبا الشرقية 0.7 0.7 0.8 0.9 0.9 0.9

العالم 76.6 76.8 78.5 82 83.2 84.1

المصدر: جمعت وحسبت من النشرة الشهرية لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، السنة 32، مايو 2006، صـ 20.

كذلك فإن أسعار النفط تأثرت بالارتفاع بسبب تعطيل المقاومة الوطنية العراقية لتدفق جانب مهم من الصادرات النفطية العراقية للأسواق، والعمليات الإرهابية التي طالت المملكة العربية السعودية والتي أثارت المخاوف بشأن احتمالات تعطيل جزء من الصادرات النفطية السعودية الضخمة. كذلك فإن الاضطرابات السياسية-الاجتماعية-الطائفية في نيجيريا وهي دولة مصدرة كبيرة للنفط، أثارت بدورها المخاوف وغذَت الاتجاه الصعودي للأسعار، كما أن الأعاصير التي اجتاحت خليج المكسيك وعطلت قسما كبيرا من إنتاج النفط فيه لفترات طويلة بالذات بعد إعصار كاترينا عام 2005، ساهمت في رفع أسعار النفط. كما أن الاضطرابات العمالية في البلدان المصدرة للنفط، والتوترات بشأن شركة يوكوس العملاقة للنفط في روسيا، قد ساهمت في مجملها في تحريك أسعار النفط لأعلى في الأعوام 2003، 2004، 2005.

كذلك فإن عدم تطوير طاقة مصافي النفط العالمية بصورة مواكبة للزيادة في الطلب على المنتجات النفطية أدى إلى وجود خلل فني في سوق النفط يتمثل في وفرة النفط الخام وزيادة المعروض منه عن الطلب عليه في أعوام 2003، 2004، 2005. وفي نفس الوقت يقل العرض العالمي من المنتجات عن الطلب عليها، وهو خلل تعتبر الدول المستوردة للنفط هي المسئولة عنه بصفة أساسية بسبب عدم ضخها للاستثمارات الضرورية إلى صناعة تكرير النفط. لكن الأمر تغير حاليا وأصبح المعروض من الخام متوازنا مع الطلب عليه في الوقت الراهن، وبالتالي فإن أي نقص في العرض لأي سبب يمكن أن يؤدي لارتفاع كبير في الأسعار إذا لم تتم زيادة الإنتاج التي تتطلب ضخ استثمارات جديدة في مجال استخراج النفط وبناء طاقات إنتاجية جديدة عاملة واحتياطية لدى الدول المنتجة والمصدرة له.

3- الملف النووي الإيراني وارتفاع أسعار النفط

تحولت التوترات بشأن الملف النووي الإيراني إلى عامل رئيسي في التأثير على أسعار النفط في الوقت الراهن (2006). ولإدراك سبب هذا التأثير واحتمالات تطوره لابد من تناول وضع إيران كمنتج ومصدر للنفط والغاز، وكدولة تملك احتياطيات هائلة منهما تضعها ضمن الدول التي ستظل مالكة لاحتياطيات كبيرة بعد أن تستنفد الاحتياطيات النفطية والغازية لغالبية بلدان العالم.

تنتج إيران أكثر من 4 ملايين برميل من النفط يوميا في الوقت الراهن، تضعها في المرتبة الرابعة بين أكبر منتجي النفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية وروسيا والولايات المتحدة. ويشكل الإنتاج النفطي الإيراني نحو 5% من الإنتاج النفطي العالمي. وهي نسبة يصعب على الاقتصاد العالمي الاستغناء عنها خاصة أن الغالبية الساحقة من الإنتاج النفطي الإيراني تذهب للتصدير وتشكل نحو 8.5% من الصادرات النفطية العالمية. وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط في الأعوام الأخيرة، والتي وصلت إلى 50.6 دولار للبرميل من سلة خامات أوبك في المتوسط في عام 2005، وفي ظل استمرار العوامل المسببة للارتفاع مثل النمو الاقتصادي العالمي وما ترتب عليه من نمو سريع نسبيا في الطلب على النفط، مثل تعطيل المقاومة الوطنية العراقية لقسم مهم من صادرات النفط العراقية، والتوترات الأمنية والعرقية والسياسية في العديد من البلدان المصدرة للنفط بما يثير المخاوف بشأن استقرار تدفقات النفط منها ويؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، بالإضافة إلى الدور الذي تقوم به شركات النفط من أجل إبقاء أسعار الخام مرتفعة لتحقيق أرباح استثنائية خاصة بالنسبة للشركات التي تملك احتياطيات نفطية كبيرة من خلال اتفاقيات التنقيب والاستكشاف وتقاسم الإنتاج التي تبرمها مع العديد من الدول النامية المنتجة للنفط.

وبالنسبة للغاز الطبيعي تصدر إيران نحو 80 مليار متر مكعب سنويا بما يوازي نحو 3% من الصادرات العالمية منه. وتأتي إيران في المرتبة السادسة عالميا في تصدير الغاز الطبيعي بعد روسيا والولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والجزائر. وترتيبا على هذه المكانة فإن خروج الغاز الإيراني سيضر بشدة بالاقتصاد العالمي وبالذات بالدول المستوردة له والتي ستحرم منه إذا صدر قرار دولي بحظر استيراده.

وفي ظل هذا الوضع فإن غياب الغاز الإيراني وغياب نحو 3.5 مليون برميل من الصادرات النفطية الإيرانية عن السوق العالمية سوف يشعل الأسعار ويرتفع بها إلى مستويات قياسية جديدة قد تتجاوز كثيرا مستوى 100 دولار لبرميل النفط. وصحيح أن الدول المستوردة وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان وكوريا الجنوبية يمكنها استخدام مخزوناتها التجارية والاستراتيجية من النفط لتعويض غياب النفط الإيراني ولتهدئة الأسعار، لكن هذا الاستخدام له حدود، خاصة في حالة تضامن العرب الشيعة في جنوب العراق مع إيران من خلال إشعال المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال الأمريكي-البريطاني لبلادهم وإيقاف صادرات النفط العراقية التي تتدفق عبر شط العرب بما يزيد الوضع حرجا في سوق النفط العالمية. وإذا كان المخزون التجاري النفطي العالمي قد بلغ 4865 مليون برميل تكفي احتياجات الاستهلاك العالمي من النفط لنحو 60 يوما، فإن توزيعها غير المتوازي مع احتياجات الاستهلاك، والقيود الفنية سيجعل استخدامها محدودا زمنيا. وقد تكون أمريكا الشمالية وأوروبا بمخزوناتهما التجارية البالغة 2201 مليون برميل والتي تكفي لتغطية استهلاكهما الفعلي لنحو شهرين، وتعويض وارداتهما لفترة تقرب من ثلاثة أشهر، أكثر قدرة على تحمل غياب النفط الإيراني خلال هذه الفترة القصيرة. أما بعد هذه الشهور الثلاثة فإن السيئ فعليا لن يكون ارتفاع الأسعار بصورة مذهلة، وإنما سيكون تعطل جزء من الجهاز الإنتاجي وتغيير نمط الحياة المترفة في الغرب بتقليل الاعتماد على وسائل النقل والأدوات والأجهزة المعتمدة على النفط أو على توليد الطاقة منه. وهذا الوضع بالذات في جانبه المتعلق بتعطل قسم من الجهاز الإنتاجي يمكن أن يخلق حالة من الركود الاقتصادي العالمي المقترن بارتفاع الأسعار نتيجة ارتفاع أسعار النفط كمدخل رئيسي في إنتاج عدد كبير من السلع والخدمات، بما يرجح ظهور الركود التضخمي الذي يعد الحالة الأسوأ التي يمكن أن يواجهها أي اقتصاد.

أما بالنسبة للبلدان الأكثر اعتمادا على النفط الإيراني مثل اليابان التي بلغت قيمة وارداتها النفطية من إيران نحو 10 مليارات دولار في عام 2005، والصين التي زادت قيمة وارداتها النفطية من إيران عن 5 مليارات، وجنوب إفريقيا التي تجاوزت قيمة وارداتها النفطية من إيران نحو 3.3 مليار دولار، وكوريا الجنوبية (3.1 مليار دولار)، وتركيا (2.5 مليار دولار)، وحتى بعض الدول الأوروبية مثل هولندا واليونان وفرنسا وإسبانيا، فإنها يمكن أن تتعرض لأضرار اقتصادية أكثر فداحة من غيرها خاصة أنه لن يكون من الممكن تعويض النفط الإيراني في ظل الظروف الراهنة المحيطة بسوق النفط، وستكون السياسة المرجحة لمواجهة غياب النفط الإيراني هي تقليل الاستهلاك والتضحية ببعض عناصر الرفاهية والنمو الاقتصادي نفسه في بعض الحالات.

أما إذا تطورت المواجهة الغربية مع إيران إلى صراع مسلح فإن إيران يمكن أن تشكل تهديدا جديا لتدفق النفط العربي عبر الخليج ولحركة ناقلات النفط فيه، وعندها فإن الاقتصاد العالمي يمكن أن يتعرض لصدمة مروعة، بما يجعل أي عاقل يستبعد هذا الخيار العسكري الذي يعد ضربا من الجنون، فضلا عن كونه عملا إجراميا استعماريا ضد دولة مستقلة لها كل الحق في المضي قدما في برنامجها النووي السلمي حسب ما تعلنه، أو حتى العسكري طالما أنه لم يتم إخلاء المنطقة برمتها من الأسلحة النووية وعلى رأسها الأسلحة النووية الإسرائيلية. وإن كان رفضنا لأي عدوان أو تدخل أجنبي في شئون إيران يفرض علينا التذكير بأنه عليها هي الأخرى أن تكف عن تدخلاتها المدمرة في العراق والتي تدفع باتجاه إشعال الفتنة الطائفية في هذا البلد العربي الكبير وتستهدف تدمير ما تبقى من نخبته العلمية المتفوقة.

وكانت إيران تحتل المرتبة الخامسة بين الدول المالكة لأكبر الاحتياطيات النفطية في العالم بعد أربع دول عربية هي السعودية والعراق والإمارات والكويت، وذلك حتى عام 1999، لكنها اخترقت الصفوف لتتقدم للمرتبة الثالثة في عام 2000، ثم قفزت للمرتبة الثانية منذ عام 2003 وحتى الآن باحتياطي نفطي بلغ 132.46 مليار برميل تشكل نحو 11.7% من إجمالي الاحتياطي النفطي العالمي. أما بالنسبة للاحتياطيات الإيرانية من الغاز الطبيعي فإنها تبلغ نحو 26618 مليار متر مكعب، بما يشكل نحو 14.6% من إجمالي الاحتياطي العالمي من الغاز، وبما يضع إيران في المرتبة الثانية عالميا بعد روسيا التي تحتل مركز الصدارة في هذا المجال.

هذه الاحتياطيات الإيرانية الهائلة من النفط والغاز تعني أن هذا البلد الكبير يشكل ركنا أساسيا لاستقرار إمدادات النفط والغاز عالميا في الأجل الطويل. بما يعني منذ البداية أن أي حظر اقتصادي عالمي يشمل قطاع النفط والغاز لا يمكن أن يكون إجراء طويلا المدى لأن العالم لا يملك ترف الاستغناء عن النفط والغاز الإيرانيين اللذين يشكلان نسبة كبيرة من إجمالي الاحتياطي العالمي من هاتين المادتين الخام الاستراتيجيتين للاقتصاد العالمي.

4- دور الشركات النفطية العالمية

من الغريب حقا أن كل الأسباب السابقة لارتفاع أسعار النفط من المفترض أن تأثيرها يتحقق من خلال إحداث انخفاض في عرض النفط عن الطلب عليه فترتفع الأسعار، وهو ما لم يحدث في الواقع خلال الأعوام من 2003 إلى 2005 وهي التي شهدت زيادات ضخمة في أسعار النفط كما أوردنا آنفا، دون أن يكون هناك نقص في عرض النفط الخام. وكان المنطقي أن تتحرك الأسعار بصورة أهدأ مما حدث. ويؤكد هذا الأمر على أن شركات النفط كان لها دور كبير في رفع أسعار النفط خاصة الشركات التي تملك آبارا نفطية، أو تملك احتياطيات مهمة في مختلف بلدان العالم بحكم أنها تحصل على ما يتراوح بين (25%- 40%) من احتياطيات النفط التي تقوم بالتنقيب عنها واستكشافها واستخراجها وفقا لاتفاقيات تقاسم الإنتاج مع الدول صاحبة الاحتياطيات والتي تحتاج لخدمات تلك الشركات النفطية، أو حتى تلك التي تقوم بالتجارة ولديها مخزون نفطي كبير.

وكان من الطبيعي أن تتزايد أرباح الشركات النفطية الكبرى بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط. وتشير البيانات ( ) إلى أن الدخل الصافي قد ارتفع في شركة بريتش بتروليم من 10.5 مليار دولار عام 2003، إلى 14.1 مليار دولار عام 2004 بنسبة زيادة قدرها 34.3%، وارتفع في شركة شيفرون تكساسكو من نحو 7.2 مليار دولار عام 2003، إلى نحو 13.3 مليار دولار عام 2004 بنسبة زيادة بلغت نحو 84.7%، وارتفع في شركة كونوكو فيليبس من 4.7 مليار دولار عام 2003، إلى 8.1 مليار دولار عام 2004 بنسبة زيادة قدرها 72.3%، وارتفع في شركة رويال دويتش شل من 12.8 مليار دولار عام 2003، إلى 17.6 مليار دولار عام 2004 بنسبة زيادة بلغت 37.5%، وارتفع في شركة إكسون موبيل من 21.5 مليار دولار عام 2003، إلى نحو 25.3 مليار دولار عام 2004 بنسبة زيادة قدرها 17.7%، وارتفع في شركة توتال الفرنسية من 7 مليارات يورو عام 2003 إلى نحو 9.6 مليار يورو عام 2004 بنسبة زيادة بلغت 37.1%.

وتشير تلك البيانات إلى أن الشركات النفطية الكبرى قد سجلت ارتفاعات كبيرة في دخلها الصافي بعد ارتفاع أسعار النفط في عام 2004 بنسبة 27.7% عن متوسط الأسعار في عام 2003. وبالتالي فإن هذه الشركات صاحبة مصلحة أصيلة في رفع اسعار النفط حتى لو تعارض ذلك مع المصالح الإجمالية لمجتمعاتها. ومن المؤكد أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 40.6% في عام 2005 قد أدى إلى ارتفاع الدخل الصافي لكبريات الشركات النفطية بنسبة كبيرة عن تلك المتحققة عام 2004، وبالذات الشركات التي تملك آبارا أو مخزونات نفطية أو لديها حقوق في جزء من احتياطيات الدول النامية وفقا لاتفاقيات تقاسم الإنتاج.

5- التغير في الاستراتيجية النفطية الأمريكية

تبدو الاستراتيجية النفطية الأمريكية الراهنة والتي لا تقدم خططا حقيقية لتخفيض أسعار النفط، على العكس تماما مما كانت تفعله على مدى عقود ماضية، استراتيجية شديدة الانحياز للشركات النفطية الأمريكية على حساب باقي الاقتصاد الأمريكي وشركاته. ومن المعروف أن الواردات النفطية الصافية للولايات المتحدة تبلغ نحو 13 مليون برميل يوميا، وأن ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار دولار واحد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات النفطية الأمريكية بمقدار 4.7 مليار دولار في العام. وتتأثر كل الشركات المستهلكة للنفط ومشتقاته بصورة سلبية من ارتفاع أسعار النفط. وبالمقابل فإن الشركات النفطية الأمريكية تحقق مكاسب كبيرة من ارتفاع أسعار النفط، خاصة أن هذه الشركات تملك قسما مهما من احتياطيات الدول التي أبرمت معها عقودا للتنقيب والاستكشاف وتقاسم الإنتاج. وهذا الأثر المزدوج لارتفاع أسعار النفط يمكن أن يكون على مشارف التعادل أو استفادة الولايات المتحدة إيجابيا من ارتفاع أسعار النفط بعد أن أصبح القطاع النفطي العراقي العملاق مفتوحا أمامها، خاصة إذا تمكنت شركاتها من إبرام عقود فاسدة مع الحكومة العراقية لتقاسم الإنتاج، تتيح لها السيطرة على قسم مهم من الاحتياطيات العراقية.

والغريب أن الإدارة الأمريكية كان بإمكانها التصرف لمواجهة هذا الارتفاع من خلال التأكيد على حقيقة أن العرض العالمي اليومي من النفط كان يزيد عن الطلب عليه بما يتراوح بين (2- 2.5) مليون برميل في اليوم طوال الأعوام 2003، 2004، 2005، لبث الثقة في الأسواق ولمنع المضاربين والشركات من العبث بأسعار النفط وبمصالح الاقتصاد الأمريكي بصفة عامة، وكان يمكنها توظيف مخزوناتها للضغط على الأسعار، لكن الإدارة الأمريكية وعلى غير المتوقع لم تفعل ذلك، واكتفى رئيس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض جريجوري مانيكو بالقول أن عهد النفط الرخيص قد انقضى وإن أسعار النفط الراهنة لا تشكل تهديدا يذكر في وقت كانت أسعار النفط قد ارتفعت لأكثر من 40 دولارا للبرميل عندما أطلق ذلك التصريح.

ويمكن القول إن هناك تراخيا من جانب الإدارة الأمريكية في العمل على تخفيض أسعار النفط، وهو تراخ لا يبرره سوى انحياز هذه الإدارة لشركات النفط على حساب الاقتصاد الأمريكي، خاصة أن العديد من أركان الإدارة الأمريكية قادمون من عالم النفط وشركاته العملاقة مثل ديك تشيني (هاليبورتون)، وكوندليزا رايس (شيفرون)، وبوش الصغير (هاركين إينرجي كوربوريشن)، كما قامت شركات النفط قامت بدور رئيسي في تمويل الحملتين الانتخابيتين للرئيس بوش الابن.

6- تقصير الدول المستهلكة في تطوير المصافي

ظلت صناعة تكرير النفط في الدول الصناعية المتقدمة التي تعد المستهلك والمستورد الأكبر للنفط في العالم، تتعرض لضغوط من جماعات حماية البيئة في تلك البلدان نظرا لما تحدثه هذه الصناعات من تلويث للبيئة. ونتج عن هذه الضغوط حالة من الجمود في تلك الصناعة التي لم ترفع طاقاتها بصورة جدية لزمن طويل، خاصة أن معدل نمو الطلب في تلك البلدان كان محدودا بسبب الضرائب الباهظة المفروضة على استهلاك المنتجات النفطية في الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية واليابان (انظر جدول رقم 5). وقد أدى تقصير الدول المستوردة للنفط في توسيع طاقات التكرير لديها إلى حدوث خلل فني أو تقني في سوق النفط، ففي الكثير من الحالات كان النفط الخام متوافرا في حين أن المصافي لم تكن لديها الطاقات الكافية للتكرير مما أدى إلى زيادة أسعار المنتجات بوطأتها الثقيلة على المستهلكين.

جدول رقم (5)

نسبة الضريبة من أسعار الجازولين في بعض الدول الصناعية المتقدمة المستهلكة الرئيسية

دولار/ لتر

الدولة نوفمبر 2004 نوفمبر 2005

السعر قبل الضريبة الضريبة السعر النهائي نسبة الضريبة من السعر النهائي السعر قبل الضريبة الضريبة السعر النهائي نسبة الضريبة من السعر النهائي

الولايات المتحدة 0.42 0.11 0.53 20.8% 0.55 0.11 0.55 15.3%

كندا 0.43 0.26 0.69 37.7% 0.49 0.26 0.75 34.7%

اليابان 0.63 0.57 1.20 47.5% 0.65 0.51 1.16 44.1%

إسبانيا 0.49 0.68 1.17 58.1% 0.54 0.63 1.17 53.9%

إيطاليا 0.54 0.98 1.52 64.5% 0.56 0.91 1.47 62%

فرنسا 0.42 0.99 1.41 70.2% 0.46 0.92 1.39 66.5%

ألمانيا 0.44 1.06 1.50 70.7% 0.49 0.98 1.46 66.7%

بريطانيا 0.46 1.11 1.57 70.7% 0.53 1.06 1.59 66.6%

المصدر: تقرير الأمين العام السنوي الثاني والثلاثون، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، الكويت 2005، صـ 67.

وفي المقابل، فإن دول الأوبك فعلت ما في وسعها من أجل تخفيض الأسعار إلى مستوى لا يضر بالنمو الاقتصادي العالمي، ورفعت إنتاجها في العام 2005 من 23.5 مليون برميل يوميا في بدايته، إلى 27 مليون برميل يوميا في نوفمبر من العام نفسه، وإن كان الإنتاج الفعلي لدول الأوبك يبلغ 30 مليون برميل يوميا. وربما يكون تقصيرها متركزا في عدم الاستثمار في زيادة الطاقة الاحتياطية حتى تكون قادرة على مواجهة الزيادة في الطلب العالمي على النفط بسبب النمو الاقتصادي العالمي المطرد، وهو تقصير لم تظهر نتائجه بعد لأن الطاقات الاحتياطية التي كانت متوافرة قد تكفلت بالاستجابة للزيادة في الطلب العالمي على النفط.

ثالثا: ماذا فعل العرب بأموال الطفرة النفطية

شهدت البلدان العربية طفرتين نفطيتين سابقتين، كانت الأولى بعد حرب أكتوبر 1973، والثانية بعد الثورة الإيرانية وأثناء السنوات الأربع الأولى من الحرب العراقية-الإيرانية. وبالنظر إلى أن الطفرتين النفطيتين الماضيتين والطفرة الراهنة، هي في النهاية طفرات في ريع ثروة ناضبة، فإن أهم ما يمكن أن تفعله أي دولة تستفيد من مثل هذه الطفرات، هو أن تعيد هيكلة اقتصادها وتمويل بناء اقتصاد صناعي وزراعي وخدمي متقدم يستند على بنية أساسية حديثة ويمكنه أن ينمو بصورة متواصلة معتمدا على الأصول الإنتاجية التي تم بناؤها وليس على ريع الثروة الناضبة.

لكن الدول العربية لم تحقق هذا التحول عبر الطفرتين النفطيتين السابقتين، ولايبدو للأسف أنها في اتجاه تحقيقه في الطفرة النفطية الراهنة، وهو ما يمكن إدراكه من خلال استعادة الخطوط العريضة لاتجاهات توظيف الطفرتين النفطيتين العربيتين السابقتين، والاتجاه الراهن للتعامل مع الطفرة النفطية الحالية.

1- الاتجاهات العامة لتوظيف أموال الطفرتين النفطيتين السابقتين

تم توجيه الأموال خلال الطفرتين الأولى والثانية إلى التطوير المبالغ فيه للبنية الأساسية دون أن يرتبط ذلك بضخ استثمارات عامة وخاصة تستغل هذه البنية الأساسية التي تتقادم في الكثير من الأحيان دون أن تكون قد اُستغلت سوى بمعدلات متدنية للغاية. كما تم توجيه جانب من الأموال التي توافرت في الطفرة النفطية في تطوير الخدمات العامة الاجتماعية والإنتاجية لتحقيق مستوى أعلى من الرفاهية الاجتماعية. واشتملت أوجه الإنفاق لأموال الطفرة النفطية على التحويلات الاجتماعية وريع المواطنة الذي حصل عليه المواطنون في البلدان النفطية من خلال الدعم الذي يتلقونه في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي الزراعي والصناعي والخدمي. كما توجه جزء مهم من عوائد تصدير النفط لشراء وتكديس الأسلحة بلا مبرر في غالبية الأحيان، تلك الأسلحة التي كانت تتقادم في مخازنها دون أن تستخدم، وكل دورها في هذه الحالة هو إرضاء المجمع الصناعي العسكري الأمريكي ذي النفوذ القوي في الإدارات الأمريكية المتعاقبة. كما ذهب قسم من الأموال لشراء المعادن النفيسة وعلى رأسها الذهب وكان ذلك سببا رئيسيا في الارتفاع الهائل لأسعار الذهب منذ حرب أكتوبر 1973 حتى عام 1980، ثم انهيار تلك الأسعار بعد ذلك مبددة جانبا مهما من الثروات العربية التي اختزنت في المعادن النفيسة. وكان سعر أوقية الذهب قد ارتفع من 97.3 دولار عام 1973، إلى 607.9 دولار للأوقية في عام 1980 قبل أن ينهار السعر إلى 459.8 دولار للأوقية عام 1981، ثم إلى 375.8 دولار للأوقية عام 1982، وهو المستوى الذي ظلت أسعار الذهب تراوح حوله لسنوات طويلة قبل أن تتدهور بشدة في عامي 1997، 1998، لتصل إلى 331.1، 294.2 دولار للأوقية في العامين المذكورين بالترتيب، انخفاضا من 387.8 دولار للأوقية في عام 1996. وقد وصل سعر الذهب إلى 271.1 دولار للأوقية عام 2001 قبل أن يبدأ رحلة الصعود التي وصلت إلى مستويات تاريخية في العام الحالي (2006)، حيث بلغ سعر اوقية الذهب في بعض أيام التعامل في سوق لندن ما يزيد على 670 دولارا للأوقية.

كما توجه قسم مهم من أموال الطفرتين النفطيتين السابقتين إلى أسواق الأسهم العربية وأصبحت هناك زيادة كبيرة في الطلب عن المعروض من الأسهم المحدودة نتيجة محدودية الاستثمارات العينية، وكانت النتيجة الحتمية لذلك هي صعود الأسعار بشكل بالوني ثم انفجارها بعد ذلك مخلفة أزمات رهيبة لعل أشهرها أزمة انهيار سوق الأسهم الكويتية (أزمة سوق المناخ)، كما أوردنا في موضع سابق.

أما الاستنزاف الأسوأ لعوائد الطفرتين النفطيتين العربيتين السابقتين اللتين حدثتا منذ حرب أكتوبر وحتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، فهو خروج الأموال العربية إلى الخارج مما ضيع فرصتين تاريخيتين لتنمية المنطقة العربية وتطويرها اقتصاديا بصورة فارقة، أو حتى على الأقل تنمية البلدان النفطية نفسها وبناء اقتصادات قادرة على النمو الذاتي المتواصل فيها.

وكانت النتيجة المنطقية لذلك هي أن البلدان العربية المصدرة للنفط التي حصلت على ثروات هائلة لم تتمكن من تغيير هياكل اقتصاداتها وما زالت اقتصادات أولية معتمدة على النشاط الاستخراجي الذي تقوم به شركات أجنبية صريحة أو شركات وطنية، قائمة كلية تقريبا على العمالة الفنية والعادية الأجنبية. وعلى سبيل المثال، ما زالت الصناعات الاستخراجية تساهم في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 49% في السعودية، ونحو 42% في الإمارات، ونحو 56% في الكويت، ونحو 50% في الجزائر، مقارنة بنحو 10% فقط على الصعيد العالمي ( ).

كما أن الناتج المحلي الإجمالي نفسه للدول النفطية ما زال يتحرك كبندول مضطرب فيرتفع مع ارتفاع أسعار النفط وينهار مع انهيارها. وعلى سبيل المثال فإن الناتج المحلي الإجمالي السعودي بلغ نحو 156 مليار دولار في ظل سعر نفطي بلغ 36 دولارا للبرميل في عام 1980، وانهار إلى 72.6 مليار دولار في ظل تراجع سعر برميل النفط إلى 14.2 دولار في عام 1988، وبلغ 146.5 مليار دولار في ظل سعر نفطي بلغ 18.7 دولار للبرميل في عام 1997، ثم تراجع إلى 128.5 مليار دولار في عام 1998 في ظل انخفاض سعر برميل النفط إلى 12.3 دولار في العام المذكور، ثم بلغ 248 مليار دولار عام 2004 في ظل ارتفاع متوسط سعر برميل النفط في العام المذكور إلى 36 دولارا للبرميل .

2- ماذا يفعل العرب بأموال الطفرة النفطية الراهنة؟

إذا تركنا التاريخ والطفرتين النفطيتين السابقتين جانبا، فإننا سنصدم بأن نمط توظيف الإيرادات العربية من الطفرة النفطية الراهنة لا يختلف كثيرا عما حدث في السابق. وربما تكون الجزائر وحدها هي الاستثناء من هذه الحالة.

ويبدأ الخلل من تدني معدلات الاستثمار في البلدان العربية المصدرة للنفط وانخفاضها كثيرا عن معدلات الادخار في سنوات الازدهار النفطي. ويؤدي هذا الخلل إلى استخدام أموال الطفرة النفطية في نفس الاستخدامات القديمة في البنية الأساسية ودفع ريع المواطنة والتدافع على شراء الأراضي والعقارات والذهب وعلى الاستثمار في البورصات المحلية ونزيف الأموال للخارج بكل الآثار السلبية التي يحدثها هذا النمط من توظيف إيرادات الثروة النفطية.

أ- تدني معدلات الاستثمار

يحدد معدل الادخار ما تقتطعه أي أمة من دخلها الآني من أجل استخدامه في تمويل الاستثمارات التي تضيف طاقات جديدة للجهاز الإنتاجي وتساهم في رفع الناتج المحلي ومتوسط نصيب الفرد منه وبالتالي مستويات المعيشة في المستقبل، وتستوعب عاملين جددا في هذه الطاقات الإنتاجية الإضافية. إنه بمعنى آخر تضحية أي أمة بالاستهلاك والإشباع الممكن في الحاضر من أجل تحقيق دخول أكبر وإمكانيات أعلى للاستهلاك والإشباع من السلع والخدمات في المستقبل. ويعد معدل الادخار محددا مهما وحاسما للنمو ولرفع مستوى التشغيل في أي اقتصاد ولقدرة هذا الاقتصاد على الاعتماد على ذاته في تمويل التنمية أو الاضطرار للاقتراض من الخارج والوقوع في دوامة الديون الخارجية.

وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا كبيرا في معدلات الادخار في الدول العربية المصدرة للنفط، بحيث أصبحت تزيد كثيرا عن المتوسط العالمي. لكن هذه المعدلات متذبذبة بشكل حاد للغاية أيضا، وهي تتحرك بصورة طردية بالتوازي مع حركة أسعار النفط وعائدات تلك الدول من تصديره. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل الادخار (الادخار كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي) قد بلغ نحو 45%، 42%، 34%، 26% في كل من الجزائر والسعودية وعمان وليبيا بالترتيب في عام 2003، مقارنة بنحو 21% في المتوسط العالمي في العام المذكور. أما الكويت وهي دولة مصدرة كبيرة للنفط فقد بلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل فيها 17970 دولارا في عام 2004 حسب بيانات البنك الدولي في تقريره عن التنمية في العالم 2006 (راجع جدول رقم 1)، فإن معدل الادخار فيها لم يتجاوز 18% عام 2003 (انظر الجدول رقم 6)، مما يعني طغيان الرغبة في الاستهلاك الآني على إرادة الادخار من أجل المستقبل.

لكن تكوين رأس المال الثابت في هذه الدول كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي فيها، أي معدل الاستثمار الحقيقي، يقل كثيرا عن المتوسط العالمي، ويقل بصورة هائلة عن معدلات الادخار فيها في سنوات الازدهار النفطي. وقد بلغ معدل تكوين رأس المال في كل من السعودية وعمان وليبيا والكويت بالترتيب، نحو 19%، 16%، 14%، 9% في عام 2003، مقارنة بنحو 21% في المتوسط العالمي، ونحو 39% في البلدان السريعة النمو في شرق آسيا والمحيط الهادئ في العام المذكور (راجع جدول رقم 6).

وهو ما يعكس ضعف القدرة الاستيعابية للاستثمارات في بعض هذه البلدان خصوصا عندما يتم تخطيط تلك الاستثمارات بناء على السوق الداخلية المحدودة وليس من أجل التصدير. كما يعكس أيضا أن جانبا مهما من مدخرات تلك البلدان يتسرب إلى الخارج سواء في صورة استثمارات مباشرة، أو في الاقتصاد الرمزي في أسواق رأس المال وأسواق العملات. كما أن ضعف الحوافز السوقية والمالية للاستثمار، والانغلاق الاجتماعي، تشكل بدورها عوائق أمام تحسن معدل الاستثمار في الدول العربية المصدرة للنفط.

ورغم ارتفاع معدل الادخار في الإمارات نسبيا (22% من الناتج المحلي الإجمالي) بالمقارنة مع السعودية وليبيا وعمان والكويت، إلا أن هذا المعدل في الإمارات يقل عن نصف معدل الادخار في هذا البلد مما يعني وجود فائض ضخم من المدخرات فيه.

ويعد معدل الادخار المحلي في اليمن ومصر متدنيا للغاية، حيث بلغ نحو 12%، 15% في الدولتين بالترتيب في عام 2003، أما معدل تكوين رأس المال فقد بلغ نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي في كل منهما، وهو معدل يقل كثيرا عن المتوسط العالمي لهذا المعدل وعن المعدلات العالية في بلدان شرق وجنوب شرق آسيا. وهذا المعدل للاستثمار يكفي بالكاد لتحقيق معدلات نمو حقيقية تدور حول مستوى 3% سنويا.

وقد حققت سوريا والسودان، معدلات معتدلة للادخار بلغت في الدولتين بالترتيب نحو 31%، 25% في عام 2003. وبلغ معدل تكوين رأس المال في هاتين الدولتين على الترتيب نحو 23%، 20% في عام 2004. أما الجزائر فإن معدلي الادخار وتكوين رأس المال فيها يعدا مرتفعان حيث بلغ الأول نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2003، وبلغ الثاني نحو 33% من الناتج عام 2004. وهذان المعدلان يبشران بإمكانية تحقيق قفزة في ناتجها المحلي الإجمالي في السنوات القادمة دون أن تضطر للاستدانة.

جدول رقم (6)

تطور معدل الادخار ومعدل الاستثمار في البلدان العربية

مقارنة بالمتوسط العالمي ودول ومناطق مختارة

معدل تكوين رأس المال (نسبة من الناتج المحلي الإجمالي) معدل الادخار (نسبة من الناتج المحلي الإجمالي) الدولة / السنة

2004* 2003 2002 1990 2003 2002 1990

29% 30% 31% 29% 45% 40% 27% الجزائر

17% 17% 17% 29% 15% 10% 16% مصر

21% 23% 23% 32% -3% 3% 1% الأردن

9% 9% 9% 18% 18% 18% 4% الكويت

21% 17% 18% 18% -9% -9% -64% لبنان

14% 14% 14% 19% 26% 26% 27% ليبيا

17% 45% 31% 20% 3% 2% 5% موريتانيا

24% 24% 23% 25% 20% 18% 19% المغرب

16% 31% 13% 13% 34% 34% 35% عمان

19% 19% 20% 15% 42% 37% 24% السعودية

20% 21% 20% 00% 25% 21% 00 السودان

23% 24% 22% 17% 31% 30% 17% سوريا

25% 25% 25% 32% 21% 21% 25% تونس

22% 00 00 20% 00 00 45% الإمارات

3% 3% 4% 00% -37% -31% 00 الصفة غزة

17% 17% 17% 15% 12% 16% 9% اليمن

21% 21% 20% 23% 21% 20% 23% العالم

45% 44% 40% 35% 47% 43% 38% الصين

36% 41% 35% 29% 43% 37% 27% إيران

26% 23% 16% 24% 20% 16% 20% تركيا

22% 23% 20% 21% 20% 19% 18% الدول منخفضة الدخل

31% 28% 25% 28% 30% 28% 28% متوسط منخفض

21% 19% 19% 21% 24% 25% 24% متوسط مرتفع

39% 38% 32% 34% 41% 37% 35% شرق آسيا والباسيفيكي

20% 20% 19% 23% 18% 19% 19% مرتفعة الدخل

* المصدر لبيانات هذا العمود هو: World Bank, World Development Report 2006, table 3, p. 296,297

المصدر لباقي البيانات: World Bank, World Development Indicators 2005, 230-232.

وتعد معدلات الاستثمار الراهنة في البلدان العربية باستثناء الجزائر وإلى حد ما سوريا، متدنية للغاية ولا يمكنها أن تشكل أساسا لدورات قوية من النمو الاقتصادي الحقيقي في هذه البلدان بما في ذلك البلدان العربية الغنية، كما أشرنا في موضع سابق. وهناك خلل واضح بين معدلات الادخار العالية في البلدان المصدرة للنفط في أوقات ارتفاع أسعاره، وبين معدلات الاستثمار الحقيقية في تلك البلدان. ويعود جانب مهم من هذا الخلل إلى تسرب جانب كبير من مدخرات تلك البلدان إلى الخارج سواء في صورة استثمارات مباشرة، أو في الاقتصاد الرمزي في أسواق رأس المال وأسواق العملات. وفضلا عن هذه العوامل فإن التكوين التاريخي للنخب المالية في البلدان العربية المصدرة للنفط لا يتضمن من يمكن تسميتهم بآباء الصناعة أو برواد الاستصلاح والاستزراع، أو برواد الخدمات والاقتصاد الجديد، إلا على نحو استثنائي ونادر لا يسمح برفع معدلات تكوين رأس المال، ولا يسمح بتحقيق معدلات نمو معتدلة أو مرتفعة بصورة مستقلة عن حركة أسعار النفط.

جدول رقم (7)

بيئة الاستثمار والبنية الأساسية في الدول العربية

عدد التليفونات المحمولة لكل 1000 شخص عام 2003 عدد خطوط التليفون الرئيسية الأرضية لكل 1000 شخص عام 2003 نسبة الطرق المعبدة من شبكة الطرق 97-2002 طول شبكة الطرق بالألف كيلو متر 1997-2002 عدد الأيام التى يحتاجها تسجيل الملكية يناير 2004 عدد الإجراءات التى يحتاجها تسجيل الملكية يناير 2004 عدد الأيام التى يحتاجها تأسيس الأعمال يناير 2004 عدد الإجراءات التى يحتاجها تأسيس الأعمال يناير 2004 الدولة

84 127 78.1% 64 193 7 43 13 مصر

46 69 68.9% 104 52 16 26 14 الجزائر

242 114 100% 7.3 22 8 36 11 الأردن

578 198 80.6% 4.45 75 8 35 13 الكويت

227 199 84.9% 7.3 25 8 46 6 لبنان

128 14 11.3% 7.66 49 4 82 11 موريتانيا

243 40 56.4% 57.7 82 3 11 5 المغرب

229 84 30% 32.8 16 4 34 9 عمان

321 155 29.9% 152 4 4 64 12 السعودية

65 123 14.2% 64.7 23 4 47 12 سوريا

192 118 65.4% 19 57 5 14 9 تونس

736 281 100% 1.1 9 3 54 12 الإمارات

35 28 11.5% 67 21 6 63 12 اليمن

223 183 47.4% 00 80 6 50 10 العالم

24 32 13.3% 00 100 7 63 11 دول الدخل المنخفض

207 175 53% 00 67 7 53 11 متوسط منخفض

395 199 72.3% 00 108 5 46 9 متوسط مرتفع

708 560 94.8% 00 50 5 27 7 مرتفع

215 209 00 1765.2 32 3 41 12 الصين

3 28 84.3% 45.6 00 00 00 00 العراق

23 136 57.2% 83.2 00 00 00 00 ليبيا

00 10 11.8% 22.1 00 00 00 00 الصومال

20 27 36.3% 11.9 00 00 00 00 السودان

133 87 الضفة وغزة

المصدر: World Bank, World Development Indicators 2005, 230-232.

ويمكن القول إن معدلات الاستثمار الراهنة في البلدان العربية المصدرة للنفط والمعتمدة عليه بدرجة كبيرة، وهي بلدان مجلس التعاون الخليجي والجزائر وليبيا، متدنية للغاية باستثناء الجزائر. أما بالنسبة للدول العربية المصدرة للنفط ولكنها أقل اعتمادا عليه مثل سوريا ومصر واليمن والسودان، فإن معدلات الاستثمار تعد معتدلة في سورية والسودان، بينما تعتبر متدنية في مصر واليمن ولا يمكنها أن تشكل أساسا لازدهار اقتصادي حقيقي.

وبالرغم من أن بطء النمو الاقتصادي وضعف وتيرة التطور والتحديث للاقتصادات العربية هو النتيجة الأولى لضعف معدلات الاستثمار في البلدان العربية، إلا أن هناك نتيجة أخرى لا تقل خطورة وهي ضعف مستويات تشغيل قوة العمل والعجز عن امتصاص الداخلين الجدد إلى سوق العمل في فرص عمل حقيقية في المشروعات الجديدة، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة العربية. وتعتبر معدلات البطالة في البلدان العربية من أعلى المعدلات في العالم بالنسبة للبطالة العادية التي تقيس البطالة الإجبارية السافرة والفنية والاحتكاكية، فضلا عن أن الدول العربية تعاني من البطالة غير المحسوبة في المعدلات الرسمية مثل البطالة المقنعة والبطالة الاختيارية. وتشير بيانات جامعة الدول العربية إلى أن عدد العاطلين في البلدان العربية قد بلغ نحو 15 مليون عاطل، بما رفع معدل البطالة في إجمالي الدول العربية إلى 15% من قوة العمل المحتملة في تلك البلدان.( ) وتعتمد هذه البيانات على البيانات الرسمية التي تقدمها الحكومات العربية، في حين أن الحجم الحقيقي للبطالة ومعدلاتها أعلى من هذا المستوى بكثير. لكن حتى لو أخذنا بالبيانات الرسمية العربية فإن هذا المعدل المرتفع للبطالة في البلدان العربية، يشكل إهدارا لطاقة عنصر العمل، من جهة، ويشكل من جهة أخرى تهديدا للاستقرار السياسي والاجتماعي، ويوفر أرضا خصبة لنمو التطرف السياسي والعنف الجنائي، فالبطالة ليست مجرد تعطيل لأحد عناصر الإنتاج، ولكنها تعطيل لأهم عناصر الإنتاج وأكثرها فعالية، فضلا عن أن طبيعته الإنسانية تجعل لتعطله أبعادا سياسية واجتماعية، وليس مجرد البعد الاقتصادي فقط، الذي تعد معالجته أسهل من معالجة الأبعاد السياسية والاجتماعية للتعطل. ونظرا لعدم وجود آلية رسمية لإعانة العاطلين من قبل الدولة، فإن التعطل يعني انحدار المتعطلين إلى هوة الفقر المدقع، ويعني أيضا زيادة معدل الإعالة، حيث لا يكون أمام المتعطلين سوى الاعتماد على عائلاتهم بما يعنيه ذلك من تزايد الاضطرابات الأسرية والصراعات على الملكيات والميراث بصورة ساهمت في إحداث الكثير من الشروخ في البنية المتماسكة تقليديا للأسرة العربية. ولابد من العمل على تطوير بيئة الاستثمار بمختلف معطياتها الاقتصادية والسياسية والأمنية في العديد من الدول العربية حتى تكون مؤهلة لاستنهاض الاستثمارات المحلية واجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وهناك إجماع بين المعنيين بتحسين مناخ الاستثمار في البلدان العربية على أن هذا التحسين يمكن أن يتحقق من خلال تبسيط إجراءات الأعمال وتطوير البنية الأساسية وضمان الشفافية والمساواة بين رجال الأعمال أيا كان حجم أعمالهم، وإنهاء التحيزات المبنية على مستويات النفوذ السياسي القائمة في مجتمعات الأعمال العربية، وضمان استقرار التشريعات والبيئة الاقتصادية، ومكافحة الفساد المستشري في الأجهزة الحكومية المشرفة على منح التراخيص المختلفة وعلى الأعمال والملكيات العامة، ومن خلال ضبط الأسواق العربية عبر ضبط المواصفات القياسية وفرض احترام حقوق الملكية الفكرية. وإذا كان هذا التحسين ممكنا بهذه الوسائل، فإن الإطار السياسي الذي يمكن أن يضمن هذا التحسين الحاسم لمناخ الاستثمار هو إجراء إصلاحات سياسية شاملة لتحويل النظم السياسية العربية إلى نظم ديموقراطية كاملة، وإنهاء الحكم بقوانين استثنائية، وتحويل النظم الملكية والأميرية إلى ملكيات دستورية تكون السلطات فيها بيد ممثلي الشعب وليس لعائلة أو قبيلة تسيطر على ثروة الأمة وتتحكم في مصيرها.

ونتيجة لهذا الوضع - أي تدني معدلات الاستثمار مقارنة بمعدلات الادخار في البلدان العربية المصدرة للنفط - فإن فائض المدخرات يتم توظيفه بصورة مدمرة في البورصات وأسواق الذهب وشراء الأراضي والعقارات، مما يمنع تحوله لرأس مال منتج، أو يتسرب إلى خارج الاقتصادات العربية بعيدا عن أي معادلة لتحقيق التنمية والتطور الاقتصادي في البلدان العربية.

ب- المضاربة على الذهب ... سلوك العجزة

بالرغم من أن هناك العديد من العوامل التي تقف وراء الصعود الصاعق لأسعار الذهب التي سجلت في الفترة الأخيرة مستويات قياسية وتجاوزت 670 دولارا للأوقية، إلا أن الفوائض النفطية العربية التي توجه قسم منها لشراء الذهب، شكلت عاملا مهما في هذا الصعود. ومن المعروف أن الطلب على الذهب وأشقائه من المعادن النفيسة، يتزايد في أوقات الأزمات السياسية التي تهدد السلم الإقليمي والعالمي، أو في أوقات اضطراب أسواق العملات بصورة جامحة، باعتبار أن الذهب وأشقاءه يشكلون ملجئا آمنا لاختزان القيمة في أوقات الأزمات. لكن مثل تلك الزيادة في الطلب تكون مؤقتة ولها تأثير محدود زمنيا. أما الارتفاع الكبير الذي تحققه أسعار الذهب منذ عام 2002 وحتى الآن والسابق على الأزمة الأمريكية-الإيرانية، فإنه ناجم عن عوامل حقيقية متمثلة في زيادة الطلب على الذهب من الحكومات والشركات والأفراد في البلدان التي تحقق فوائض نفطية كبيرة.

وإذا تأملنا حال الدول العربية المصدرة للنفط سنجد أنها كدست أموالا هائلة في السنوات الماضية نتيجة ارتفاع سعر برميل النفط من سلة خامات أوبك من مجرد 12.3 دولار للبرميل في عام 1998 إلى 57.7 دولار للبرميل في الربع الأول من عام 2006( ). وقد أشرنا في مواضع سابقة إلى حجم الأموال الإضافية التي راكمتها الدول العربية المصدرة للنفط منذ عام 1999 حتى الآن، وأشرنا إلى الفجوة بين معدلات الادخار العالية ومعدلات الاستثمار المتدنية في البلدان المصدرة للنفط.

هذه الفجوة تعني أن هناك أموالا هائمة يتجه جانب كبير منها في العادة إلى أسواق الأسهم ويثير فيها الاضطراب، خاصة في ظل ضعف هذه الأسواق وعدم قدرتها على امتصاص هذه الأموال من خلال اكتتابات لمشروعات جديدة أو لتمويل التوسعات في المشروعات القائمة. كما يتجه جانب مهم إلى شراء الأراضي والعقارات مما يؤدي لرفع أسعارها بصورة مبالغ فيها للغاية. كذلك فإن جانبا من هذه الأموال يتجه إلى شراء الذهب والمعادن النفيسة ويؤدي إلى ارتفاع أسعارها بصورة غير منطقية. وهو ما ساهم بصورة أساسية في ارتفاع أسعار الذهب لمستوياتها القياسية الراهنة. وتحتفظ الدول العربية بمستويات عالية من الاحتياطيات الذهبية تتجاوز كثيرا ما تحتفظ به اقتصادات أكبر منها بعدة مرات، فالجزائر تحتفظ بنحو 5.6 مليون أوقية، وليبيا تحتفظ بنحو 4.6 مليون أوقية، والسعودية بنحو 4.6 مليون أوقية، والكويت بنحو 2.5 مليون أوقية، في حين أن بلدا مثل كوريا الجنوبية تحتفظ بنحو 0.5 مليون أوقية من الذهب ضمن احتياطياتها، رغم أن قيمة ناتجها المحلي الإجمالي تزيد عن مجموع الناتج المحلي الإجمالي في هذه البلدان العربية مجتمعة. أما إيران المستهدفة من قبل الولايات المتحدة حاليا فإنها تحتفظ منذ منتصف التسعينيات بنحو 5 ملايين أوقية من الذهب ضمن احتياطياتها الرسمية( ). ومن المؤكد أنها رفعت هذه الاحتياطيات كآلية للحفاظ على أموالها من التجميد أو الملاحقة لو احتفظت بها في البنوك الغربية أو الخارجية عموما.

وإذا تأملنا المضمون الاقتصادي لعملية شراء وتكديس الذهب والاعتماد عليه كمخزن للقيمة، نلاحظ أنه يتلخص في تعطيل جزء مهم من ثروة الأمة في معدن نفيس يمكن لأسعاره أن تتراجع أو حتى تنهار مما يؤدي لتبدد جزء مهم من الثروة المختزنة فيه، وحتى في حالة استمرار أسعاره مرتفعة أو تحقيقها للمزيد من الارتفاع فإن ذلك لن يعني أي تطوير للاقتصاد بل مجرد المزيد من الأموال التي يمكن أن تتحول لقوة تضخمية تثير الاضطراب في الاقتصاد. إنها عملية تعني باختصار تعطيل قسم من عنصر رأس المال وإخراجه من معادلة إنجاز التنمية الاقتصادية المنشودة التي يتطلب تحقيقها أن يتم توجيه هذه الثروة إلى تمويل بناء مشروعات صناعية وزراعية وخدمية تلبي احتياجات الأمة من السلع والخدمات وتستوعب قوة العمل وتطور الجهاز الإنتاجي وتزيد القدرة على تصدير السلع غير النفطية.

وفضلا عن كل ما يعنيه التدافع على شراء الذهب من تعطيل للتنمية ، فإنه يؤدي إلى تحويل قسم من الفوائض العربية إلى مراكز تصدير الذهب في الدول والشركات المصدرة له دون أي فائدة حقيقية للشعوب العربية. وكما حدث في الماضي فإن تراجع وتيرة عمليات الشراء العربية والعالمية للذهب يمكن أن يؤدي إلى انهيار أسعاره ليندفع المستثمرون العرب في عمليات بيع خاسرة تفقدهم وتفقد بلادهم جزءا من الثروة بلا مبرر.

ج- الأموال الهائمة في البورصات تثير الاضطراب

أدى ارتفاع أسعار النفط وعوائد الصادرات العربية منه إلى زيادة الثروات العامة والشخصية في الدول العربية المصدرة للنفط. ورغم أن هذا الأثر إيجابي في حد ذاته إلا أن نمط توظيف هذه الثروات يمكن أن تكون له آثار سلبية كبيرة. ولعل أحد أهم هذه الآثار هو تفاقم حالة الاقتصادات البالونية أو اقتصادات الفقاعة القابلة للانفجار، حيث يتم توظيف هذه الأموال في البورصة وفي شراء الأراضي والعقارات بدلا من استثمارها في تمويل بناء مشروعات حقيقية ومنتجة في الاقتصاد العيني. كما أن عودة بعض الأموال العربية من المهجر الغربي الذي صار عنصريا في مواجهتها أو توقف جزء من التدفقات التي كانت تخرج إلى المهجر أديا بدورهما إلى زيادة الطلب على الأسهم والعقارات وهي الاستثمارات الأسهل بالنسبة للمستثمرين الذين لا يملكون خبرات لبناء استثمارات صناعية أو زراعية أو خدمية. وإزاء عدم توازي الاستثمارات الجديدة مع الزيادة في حجم الطلب على الأسهم، فإن انهيار الأسهم يصبح واقعا لا محالة، كما أن ركود قطاع العقارات ولو بعد حين يكون بدوره أمرا مرجحا. وقد تضاعفت أسعار السهم في الكثير من البورصات العربية في البلدان المصدرة للنفط بالفعل ثم انهارت هذه الأسعار في العديد من بورصات تلك البلدان. والغريب حقا أن البحث حول أسباب هذه الانهيارات والحلول التي قدمت لمواجهتها، كانت غالبا في الطريق الخطأ. ففي بعض البلدان بدا الأمر وكأن الأزمة تكمن في توفير المزيد من الطلب على الأسهم، مما استدعى السماح للمقيمين من غير أبناء البلد الأصليين للاستثمار في الأسهم في بلد كبير مثل السعودية، وخفض الضرائب على الأرباح المحققة في البورصة من 45% إلى 20% لإتاحة المزيد من السيولة للمستثمرين ولتشجيع المزيد من المستثمرين على استثمار أموالهم في البورصة، رغم أن الأزمة عكسية تماما وتتمثل في وفرة الأموال التي أدت لارتفاع أسعار الأسهم بصورة مبالغ فيها مما أدى لانهيار الأسعار بعد موجات من الصعود غير المنطقي، وعادت الأسعار لمستوياتها قبل عامين، ثم حدثت حالة من التذبذب العنيف لأسعار الأسهم بسبب انعدام الثقة واليقين بشأن المستقبل.

كما تعامل الجميع تقريبا على أن رؤساء هيئات سوق المال هم المسئولون عن أزمة البورصات العربية، وفي بلدان أخرى تمت مساءلة وزراء المالية. والحقيقة أن الأمر يتجاوزهم جميعا، لأنه ببساطة يتعلق بالاستراتيجية الاقتصادية للدولة والمجتمع، هذا إذا كانت هناك استراتيجية اقتصادية فعليا تتمثل في خطة لتوظيف الإيرادات النفطية والمدخرات العامة والخاصة في مشروعات صناعية وزراعية وخدمية ضرورية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتطوير قدرة الاقتصاد على النمو الذاتي المتواصل بغض النظر عن حركة أسعار النفط التي لاتزال حاكمة في تحديد اتجاه غالبية الاقتصادات العربية. إن مثل هذه الاستراتيجية تعني في الواقع أن المدخرات سيتم توظيفها في تمويل الاستثمارات الجديدة التي ستستوعب التدفقات المالية للبورصة بدون مشاكل جوهرية.

لكن لو نظرنا إلى معدلات الادخار ومعدلات الاستثمار في الدول العربية المصدرة للنفط سنجد فجوة مذهلة نتيجتها الطبيعية هي نزوح الأموال للخارج، أو المضاربة على الأسهم والعقارات والوصول بأسعارها لمستويات مبالغ فيها تجعلها مرشحة للانهيار في أي لحظة.

ولو تأملنا ما فعله العرب بالزيادة في إيراداتهم النفطية وآثار ما فعلوه، سنجد أنهم كرروا نفس الأخطاء التي ارتكبوها بعد ما سمي بـ ثورة تصحيح أسعار النفط الأولى بعد حرب 1973، وما فعلوه بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط في أعقاب انتصار الثورة الإيرانية واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية. ويبدو الأمر وكأنه قدر إغريقي معلق في رقبة البلدان العربية ولا فكاك لها منه، أو أنه مسيرة الغباء، لكنه في الحقيقة مسيرة عجز النظم الحاكمة عن تمثل أحلام شعوبها، ونتيجة طبيعية لسوء توزيع الدخل واكتفاء الطبقة العليا بريع النفط وتسييدها حالة من الخمول والاعتماد على ريع المواطنة. باختصار إذا لم يكن هناك تغيير اقتصادي-اجتماعي-سياسي حقيقي نحو المزيد من العدالة في توزيع الدخل ونحو إعلاء شأن قيمة العمل كأساس لتحقيق الثروة بالتضافر مع العلم، ونحو تطوير ثقافة الادخار والاستثمار في الاقتصاد العيني الصناعي والزراعي، فإن التركيز على الاقتصاد الرمزي سوف يولد دائما أزمات اقتصادية ويبقي الاقتصاد ضعيفا ومنكشفا وتابعا في حركته لأسعار النفط وعرضة للأزمات والتذبذب المستمر.

د- نزيف الأموال للخارج يستنزف إيرادات الطفرة النفطية

يعد نزيف الأموال العربية للخارج في صورة استثمارات مباشرة وغير مباشرة وودائع مصرفية تخرج من البلدان العربية المصدرة للنفط إلى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ودول شرق وجنوب شرق آسيا، أسوأ نمط لاستغلال ريع الثروة النفطية أو بالأحرى إهدار إيرادات هذه الثروة الناضبة. وتقوم البلدان العربية المنتجة والمصدرة للنفط بتوظيف قسم مهم من الإيرادات النفطية في خارج الوطن العربي إجمالا، بما يخرجها من معادلة تحقيق التطور الاقتصادي وتوظيف العمالة في داخل الدولة العربية المصدرة للنفط، أو في أي دولة في المنطقة العربية. وتتفاوت التقديرات بشأن الأموال العربية العامة والخاصة المستثمرة في الخارج، وإن كانت أدنى التقديرات تشير إلى أنها بلغت نحو 1400 مليار دولار في بداية العقد الحالي، بينما تصل بعض التقديرات إلى أكثر من ضعف هذا الرقم المذهل. ولو افترضنا أن الدول العربية حصلت لمدة خمس سنوات متتالية على استثمارات مباشرة بقيمة الفائدة أو العائد فقط من هذه الأموال المستثمرة في الخارج، فإن مثل هذه الاستثمارات التي ستتراوح بين 350، و400 مليار دولار، يمكن أن تحدث تحولا هائلا في اقتصادات المنطقة العربية بأسرها، وفي مستوى تشغيل قوة العمل وفي مكافحة الفقر، وفي تحديث وتنويع هياكل الاقتصادات والصادرات العربية.

كما تقوم الدول العربية المصدرة للنفط بإخراج قسم آخر من إيرادات ثروتها النفطية من خلال الاعتماد على العمالة الأجنبية في إدارة القسم الأعظم من عجلة الاقتصاد المحلي، بصورة تنطوي على الكثير من السفه وتدني قيمة العمل في البلدان النفطية الغنية، التي وصل الأمر في البعض منها إلى أن مواطنيها أصبحوا أقلية ضئيلة للغاية، وهو ما يصل إلى ذروته في دولة الإمارات التي يوجد بها ثمانية أجانب، مقابل كل مواطن إماراتي واحد، وهو أمر خطير يهدد وجود الدولة ونظامها السياسي وهوية المجتمع الإماراتي وطبيعته إجمالا. والنتيجة الاقتصادية المباشرة لهذا الاعتماد المكثف من قبل الدول العربية المصدرة للنفط على العمالة الأجنبية، هي نزح قسم مهم من إيراداتها النفطية في صورة تحويلات العمالة الأجنبية للخارج. وإذا كانت العمالة القادمة من بلدان عربية فقيرة أو غير نفطية والتي تعمل في الدول العربية الغنية المصدرة للنفط، تقوم بتحويل قسم من دخولها إلى البلدان العربية التي قدمت منها، فإن العمالة الأجنبية التي تشكل الغالبية الساحقة من العمالة التي تعمل في البلدان العربية الغنية المصدرة للنفط، تحول قسما من دخولها إلى خارج الوطن العربي، بما يعني نزحا لقسم من إيرادات النفط والغاز للخارج، ويخرج هذا القسم من معادلة توظيف إيرادات تصدير النفط والغاز في القضاء على البطالة والفقر في المنطقة العربية.

خاتمة

بعد كل ما أوردناه آنفا عن حقيقة الطفرة النفطية الراهنة واحتمالات حدوث طفرة أعظم في المستقبل، وبعد كل ما أوردناه حول نمط توظيف البلدان العربية للأموال الناتجة عن هذه الطفرة، فإنه لابد أن تكون هناك وقفة عاقلة وحكيمة لتغيير هذا النمط، والتوجه نحو توظيف أموال الطفرة النفطية العربية الجديدة على أسس اقتصادية في الاستثمار الصناعي والزراعي والخدمي سواء في البلدان العربية المصدرة للنفط أو في البلدان العربية المستقبلة للاستثمارات لبناء نهضة اقتصادية إقليمية ترفع مستويات معيشة المواطنين العرب وتكافح الفقر وتقلص العوامل المؤدية لتصاعد العنف والتطرف، وتعود على أصحاب الأموال المستثمرة على أسس اقتصادية، بعوائد ضخمة لاتقل عما يحصلون عليه خارج أوطانهم العربية.

وهناك ضرورة موضوعية لتطوير مناخ الاستثمار في البلدان العربية على النحو الذي أشرنا إليه في متن هذه الدراسة حتى تكون عملية استبقاء الأموال العربية في المنطقة العربية قائمة على أسس اقتصادية وليس بناء على قرارات إدارية أو عواطف لا تعترف بها رؤوس الأموال. كما أن العمل بعزم حقيقي لبناء سوق عربية مشتركة تتحرك فيها رؤوس الأموال بحرية وضمانات كاملة في الفضاء الاقتصادي العربي الفسيح، يمكن أن يساعد على زيادة حصة المنطقة العربية من الفوائض النفطية.

كذلك فإنه لابد من توجيه الاهتمام إلى البحث والتطوير العلميين في مجال النفط والغاز والعمل على تطوير شركات نفطية عربية حقيقية معتمدة على العلماء والفنيين العرب، حتى لا تستمر البلدان العربية في دفع مقابل ضخم للشركات الأجنبية العاملة في التنقيب والاستكشاف في هذه البلدان. وللعالم فإن الإنفاق العالمي على البحث والتطوير العلميين يبلغ نحو 2.4% من الناتج العالمي، في حين أن الدول العربية تنفق ما يقل عن 0.2% من ناتجها المحلي الإجمالي في هذا المجال، وكأننا قانعون بمستوى التخلف العلمي والتقني الذي نقبع فيه ولا نجتهد حتى لتغييره.

كذلك فإن الدول العربية المصدرة للنفط مطالبة بالعمل بشكل دءوب لصياغة علاقة جديدة مع الدول المستوردة، يمكن على أساسها تخطيط حركة أسعار النفط بشكل لا ينطوي على التذبذبات التي تحدث في سوق النفط دائما والواضحة تماما من حركة الأسعار التي يتضمنها جدول رقم (2).

وعلى مدار الثلاثين عاما الماضية، كانت الحوارات والمفاوضات بين مصدري النفط ومستورديه تعكس مستوى مروعا من الانتهازية من قبل كبار المستوردين في الغرب، حيث يهتمون بهذه الحوارات عندما ترتفع أسعار النفط على أمل أن تؤدي إلى قيام الدول المصدرة بكبح الأسعار. أما عندما تنهار الأسعار وتهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الدول المعتمدة على تصدير النفط كما حدث في عامي 1986، 1998، فإن الدول المستوردة الكبرى لا تلقي بالا لذلك. وهذا السلوك لابد أن يتغير على ضوء المصلحة المشتركة للمجتمعات في الدول المصدرة للنفط وفي الدول المستوردة إلى وجود أسعار معتدلة وتتحرك على أسس وقواعد متفق عليها، بدلا من ترك السوق لعبث الشركات والمضاربين. ولأن التقديرات المستقبلية بشأن الطلب على النفط تشير كما ذكرنا سابقا، إلى أن الزيادات الكبرى في الطلب على النفط ستأتي من القارة الآسيوية، فإن هذه البلدان وعلى رأسها الصين لابد أن تكون في قلب الحوار مع الدول المصدرة للنفط بشأن مستقبل أسواق وأسعار النفط لصياغة علاقة استراتيجية قائمة على العدالة والتكافؤ تضمن للمنتجين أسعارا ملائمة ومستقرة لنفطهم، وتضمن لهم أن تتزايد هذه الأسعار بمعدلات معقولة ومتناسبة مع متوسط معدلات التضخم العالمية ولا تضر بالنمو الاقتصادي العالمي. وفي نفس الوقت فإن هذه العلاقة الاستراتيجية ستضمن للدول المستوردة إمدادات مستقرة وأسعارا معتدلة تتزايد بمعدلات تتناسب مع معدلات التضخم العالمية ويمكن قبولها. وقبل كل ذلك فإن هذه العلاقة الاستراتيجية ستنهي العبث والتلاعب الذي تقوم به شركات النفط في السوق العالمية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/SBOK50.HTM

 

 مواضيع ذات علاقة:

 

كي لا نحوِّ ل النعمة َإلى نقمة!!

هل أميركا مستعدة للصدمة النفطية القادمة؟

ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم

معوقات التنمية الاقتصادية في الدول العربية النفطية

الأسباب غير التقليدية لارتفاع أسعار النفط

متى سينضب النفط؟

مستقبل العالم مع النفط ومع انخفاضه

فنزويلا ما بعد "تسييس" النفط

وصفة سحرية لعلاج أميركا من إدمان النفط

ارتفاع أسعار النفط ... إحتياطاتـه

أين تذهب عوائد النفط الخليجي؟

الاستثمار في ظل معادلة النفط والذهب

هل يرسم النفط ملامح العلاقة بين واشنطن وبكين؟

عوائد النفط تقدم فرصة نادرة لإصلاح اقتصاديات الدول العربية

النفط والمياه: كلاهمامعركة حياة