التضــــخم و الدور الذي يمكن يلعبه البنـك المركـزي العراقي فـي الحـد منه

  

 

 

د. هادي حسن عليوي

 

 

شكل التضخم في العراق حالة كارثية لاقتصاد البلد ومن ثم تدمير لامكانات المواطنين الاقتصادية، حتى دخل العراق نفقاً مظلماً منذ فترة الحصار الاقتصادي، ولم يعد المواطن يستطيع توفير الحد الادنى من غذائه ومشربه فقد قدرت معدلات التضخم في عقد التسعينيات من القرن الماضي بحوالي 50% سنوياً، ويشير احد الاقتصاديين

الى ان مستوى التضخم الاقتصادي في عام 1995 بالمقارنة مع عام 1982 بلغ” مليون بالمائة “ وهي اعلى نسبة تضخم في العالم، وربما لم يحدث لها مثيل...

وعلى الرغم من ان اقتصاد البلد كان اقتصاداً موجهاً فلم تستطع الدولة الحد من التضخم المتسارع والمتصاعد بنسب فلكية، فقد شكلت السياسات غير الاقتصادية والحصار الشامل على العراق، والحروب عوامل ايقاف تام لاي اصلاح اقتصادي او تحريك للتنمية المتوقفة منذ بدايات الحرب العراقية - الايرانية...

الحد من التضخم   

 يمكن ان نسجل ابرز اجراءات الحد من التضخم لاسيما بالدول المتقدمة التي تعتمد السياستين المالية والنقدية في هذا الصدد :

ا - السياسة المالية :

اولاً :تحدد وزارات المالية مصادر الايرادات واستخداماتها والفائض في الموازنة، بهدف التقليل من حجم السيولة المتاحة كل هذه تؤدي الى خفض معدل التضخم ..

ثانياً : قيام هذه الوزارات ببيع حجم الدين الى الجمهور، وبالتالي سحب النقد الفائض من السوق، مما يؤدي الى الحد من عرض النقد ..

ثالثاً :زيادة الضرائب على السلع الكمالية، التي تتداولها القلة من السكان من اصحاب الدخول المرتفعة ..

رابعاً : خفض الانفاق الحكومي : يعد الانفاق الحكومي احد الاسباب المؤدية الى زيادة المتداول من النقد في السوق، وبالتالي الحد من هذا والانفاق وتقليصه يؤدي الى خفض كمية النقد المتداول في الاسواق .

ب- السياسة النقدية :

تتولى البنوك المركزية في الدول وضع وتنفيذ السياسات النقدية باعتماد مجموعة من الادوات الكمية والنوعية :

أولاً :الأدوات الكمية :

1- زيادة سعر اعادة الخصم: ومنها الخصم الخاص بالاوراق التجارية للاقراض، الخاص بالمصارف التجارية، ومجالات اخرى تقوم هذه المصارف باعادة خصمها لدى البنك المركزي وبدوره فان البنك المركزي يرفع سعر اعادة الخصم بهدف التأثير في القدرة الائتمانية للمصارف لتقليل حجم السيولة المتداولة في السوق .

2- دخول البنوك الى الاسواق البائعة للاوراق المالية، من اجل سحب جزء من السيول المتداولة في السوق، أو مايسمى بدخول السوق المفتوحة..

3- زيادة نسبة الاحتياط القانوني: تحتفظ المصارف التجارية بجزء من الودائع لدى البنوك المركزية وكلما ارتفعت هذه النسبة انخفضت القدرة الائتمانية لدى المصارف ..

ثانياًَ : الأدوات النوعية :

وتتلخص بطريقة الاقناع مديري المصارف التجارية والمسؤولين فيها عن الائتمان المصرفي بسياسة الدولة الهادفة الى خفض السيولة المتداولة في الاسواق، ومثل هذه السياسة فعالة في الدول النامية عن الدول الاخرى ..

ثالثاً : معدلات الفائدة :

تتفاوت اسعار الفائدة حسب آجال الاقتراض ففي حين تكون الفوائد على القروض قصيرة الاجل قليلة، تكون اسعار الفائدة على القروض طويلة الاجل مرتفعة، وتزداد اسعار الفائدة عند تزايد الطلب على القروض، خاصة على القروض قصيرة الاجل ما يؤدي الى زيادة في اسعار الفائدة على هذه القروض بشكل يفوق الفائدة على القروض طويلة الاجل، خلافاً للقاعدة اعلاه، وتتأثر اسعار الفائدة بعدة عوامل ابرزها :

1- معدل التضخم، 2- العرض والطلب ، 3 - اسعار الصرف ..

وبذا يمكن القول ان ارتفاع او انخفاض معدل التضخم يؤدي الى ارتفاع معدلات اسعار الفائدة، وهذا الارتفاع يقلل من اقبال المستثمرين ورجال الاعمال لذا تعمل الدول على :

ا- تقليص الانفاق الحكومي بكل اشكاله.

ب - تفعيل دور وزارات المالية في ممارسة السياسة المالية للتأثير في حجم السيولة المتداولة في السوق .

ج- تفعيل دور البنك المركزي في ممارسة السياسة النقدية باتجاه التأثير في حجم السيولة المتداولة في السوق .

ء- اتاحة البيانات امام الباحثين عن معدلات التضخم واسعار الفائدة واسعار الصرف الرسمية والموازية تحديداً .

هـ- تنشيط دور المؤسسات الانتاجية لزيادة الانتاج وتحسين الاداء .

دور البنك المركزي العراقي في معالجة التضخم

بعد سقوط النظام السابق صدر قانون جديد للبنك المركزي ذو الرقم 56 لسنة 2004 حدد فيه اهداف البنك وسياسته وواجباته وبادر البنك في ضوء اهدافه الى وضع سياسة جديدة لمكافحة التضخم والسعي لاستقرار سعر صرف الدينار العراقي عن طريق المزاد اليومي لبيع وشراء الدولار، الذي بوشر به في عام 2004 ، وادى الى توفير العملة الاجنبية في السوق المحلية، وثبات سعرها في السوق المحلية حيث يتراوح سعر الدولار الاميركي بين 1490 - 1475 دينار .

اعتمدت خطة البنك المركزي التي اعلنها في اواسط اذار 2004 لمعالجة التضخم على وسيلتين تعتمدها اغلب الدول في معالجتها للتضخم، وهما :

1- الوسائل الكمية : وتعني معالجة معدلات التضخم من خلال التحكم بكمية النقد المتداول في الاسواق المحلية ..

2- الوسائل السعرية : اي تناسب سعر صرف الدينار العراقي مع العملات الاجنبية وخاصة الدولار الاميركي ..

وكان البنك المركزي يأمل ان يساهم تنفيذ هذه الخطة بتخفيض 25% من نسبة التضخم خلال سنة واحدة .

ويبدو ان جملة من الاسباب والعوامل الداخلية والخارجية عرقلت تحقيق هذه النسبة من التخفيض، بل ان التضخم ازداد بشكل كبير واستمر خلال السنتين والنيف المنصرمة وكل التوقعات تشير الى استمرار تصاعد معدلات التضخم .

ومن جملة الاسباب في استمرار ارتفاع معدلات التضخم تردي الوضع الامني تعطلت حركة الاعمار بسبب هذا التردي للوضع الامني، تدني معدلات انتاجية القطاع الانتاجي والخدمي” العام والخاص “ ارتفاع كبير في الانفاق الحكومي، التهرب الضريبي، الفساد المالي والاداري، سوء الادارة وانعدام القانون واعمال التخريب المستمرة خاصة ضد المنشآت النفطية ..

لقد توقع البنك ان يحقق هدفه الرامي لخفض معدل التضخم في عام 2005 بنسبة 20 % مدعوماً باستقرار سعر الصرف والعملة ..وذكر الدكتور سنان الشبيبي محافظ البنك المركزي على هامش مؤتمر مصرفي عربي في بيروت عقد اواخر عام 2005 ان نسبة التضخم حالياً تتراوح مابين 18و19 % وستحقق بحلول نهاية العام” 2005 “ النسبة المستهدفة وهي 20% وكانت نسبة التضخم في عام 2004 قد وصلت الى نحو 40 % بسبب سوء الادارة، وفق تصريحات الشبيبي، واضاف : كما ان انعدام القانون والهجمات ضد مصافي النفط وخطوط الامداد ورفع اسعار الوقود والكهرباء ادت الى زيادة في جميع الاسعار واسعار التأمين، ولكن عليها ان تخفض من تكلفة الاقتراض البالغة حالياً نحو 15% حتى يتسنى لها ان تحرز تقدماً، وقال” ان هناك فجوة كبيرة بين هذا المعدل ومعدلات الفائدة على الودائع التي تتراوح بين 6و7% لكن الذي حدث عكس ذلك، فتشير الاحصائيات المنشورة الى ان الرقم القياسي لاسعار المستهلك كمؤشر للتضخم بلغ في شهر آيار الماضي حوالي 53 %مقارنة بشهر ايار العام الماضي” 2005 “، وقد نجم عن هذه الظاهرة التاثير المتزايد في تقلب اوضاع القطاع الحقيقي في الاقتصاد الكلي، وخاصة قطاع النقل والمواصلات والطاقة نتيجة لتدني مرونة القطاع المذكور في الاستجابة للطلب الكلي . وانعكست هذه الظاهرة بصورة تدريجية على تدني القوة الشرائية للدخل، اضافة الى تدهور مستوى الادخار، خاصة لدى شرائح الموظفين والعمال واصحاب الدخول الثابتة ..

لقد واصل التضخم ارتفاعه حيث سجل نهاية شهر تموز الماضي حوالي 70% مقارنة بشهر تموز من العام الماضي” 2005  في حين اعلن محافظ البنك المركزي لوكالة رويترز في اواخر تموز عام 2006 ان الاوضاع الامنية السيئة تدفع معدل التضخم للارتفاع وتحد من النمو، وحذر من ان ارتفاع الاسعار قد يدفع الى رفع جديد لاسعار الفائدة الرسمية ..

وقال الشبيبي : ان اعادة هيكلة المصرفين”الرافدين والرشيد“ المملوكين للدولة مسألة ملحة وتحظى بالاولوية، وتم الاتفاق عليها مع وزارة المالية لكنه لم يورد تفاصيل عن توقيت القيام بذلك” هذان البنكان المثقلان بالديون من عهد صدام يحتاجان اعادة تنظيم“. واكد الشبيبي ان الهدف الاول للبنك المركزي هو الحفاظ على استقرار الاسعار، ولهذا السبب فانه يشعر بالقلق ويتخذ بعض الاجراءات المتعلقة بالسياسة النقدية ..

واضاف انه يريد من الحكومة والسطات المالية تحمل نصيبها من العبء .

وقال: ان التضخم عامل يتعلق بالقطاع الحقيقي ، وليس بالقطاع النقدي، والامن يؤثر في الاجور واقساط التأمين وسهولة انتقال السلع،مؤكداً انه عامل مهم للغاية

ويلقي الشبيبي باللوم على الفقر والبطالة في زيادة المنخرطين في صفوف التخريب والارهاب، في حين ان الفساد وعدم كفاءة الادارة في الشركات الحكومية يمنعان من انتقال فوائد ارتفاع اسعار النفط الى المواطن العراقي العادي، بعد ثلاث سنوات من سقوط النظام السابق ..

واضاف ان طاقة المرافق في القطاع الحقيقي مازالت ضعيفة، وما يحتاجه العراق هو التمويل لزيادة طاقة المرافق والحصول على استثمارات جديدة، لكنه اشار الى ان ذلك لايحدث ولا يوفر فرص عمل ولا يحقق نمواً مؤكداً ان المشكلة الاساسية هي الامن قائلاً: ان الناس يشعرون بالخوف ..

امام كل هذه التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي، وضعف الجهاز المصرفي للاستجابة لاجراءات البنك خاصة تفعيل الفائدة المصرفية تبنى البنك تفعيل سياسته النقدية، حيث باشر منذ 21 آب الماضي بطرح حوالات جديدة خاصة به وباجال تمتد الى ستة اشهر من تاريخ اصدارها وبمعدل مرتين شهرياً، وبمقدار” 100 “ مليار دينار لكل اصدارية ، الى جانب مزادات حوالات الخزينة التي بدأ العمل بها منذ عام 2004 .

مع ذلك فان تأثير اجراءات البنك هذه في سحب السيولة النقدية المتداولة في الاسواق مازال متواضعاً جداً، رغم عشرات المليارات من الدنانير العراقية التي تباع للجهاز المصرفي في العراق في كل مزاد .

يبدو من كل ماتقدم ان معدلات التضخم ستستمر في التصاعد،على الرغم من كل الاجراءات التي تتخذها الاجهزة الرسمية المالية والنقدية في العراق،ولن تكون هذه الاجراءات مجدية بدون وضع امني مستقر وسيادة القانون ..

 

المصادر : 

1- خليل محمد حسن الشماع. الادارة المالية.” بغداد ، 1992 “.

2- بيانات وخطب محافظ البنك المركزي / موقع البنك على الانترنت .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-15-10-2006

 

مواضيع ذات علاقة:

 

أثر التضخم ومعدلات الفائدة في أسعار الصرف

الانكماش العالمي .. الأسباب والعلاج ؛ روئية صينية

دل التضخم مؤشر هام للاستثمار!!

ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم

عن التضخم باختصار

ما هو التضخم