البناء العلمي وأهمية مراكز الدراسات والبحوث

 

 

د. كاظم أحمد البطّاط*

 

 

مقدمة :

ارتبطت نشأت مراكز البحوث والدراسات بتطور الثورة العلمية التي كانت إحدى نتاجات الثورة الصناعية الحديثة، بينما تكاملت هذه المراكز في بدء نشأتها بمراكز المؤسسات العلمية والجامعات فقد أُخِذت بمرور الزمن نحو الصناعة في ضوء اندماج المؤسسات العلمية بالصناعة، ووصلت ذروته حالياً إلى احتضان الشركات لتلك المؤسسات العلمية وتمويلها ورسم سياساتها، في حين تتولى تلك المراكز إجراء البحوث والدراسات لاستنباط منتجات جديدة للشركات أو تقوم بمهمة تطوير المنتجات القائمة .

أنواع مراكز الدراسات والأبحاث:

تتنوع مراكز البحوث والدراسات وفقاً إلى طبيعتها وإلى المساحة العلمية التي تتعامل معها، حيث توجد هناك مراكز بحث صناعية أو زراعية أو مراكز بحوث تربوية أو مراكز بحوث التاريخ... ويمكن أن نقسم هذه المراكز إلى مراكز بحوث متخصصة لحقل علمي واحد كمراكز بحوث الطاقة أو الليزر أو تكون مراكز بحوث متنوعة التخصص كمراكز بحوث التاريخ أو مراكز البحوث الاقتصادية لمختلف أشكالها أو مراكز البحوث الاجتماعية.

إن عمل هذه المراكز يمكن أن يكون محصوراً في إطار منطقة جغرافية معينة أو يمكن أن يمتد ليعبر الحدود الإقليمية. وقد اهتمت الدول الصناعية بالفرع الأخير وذلك لنقل آخر المستجدات في الحقل العلمي .

جهات ارتباط مراكز الأبحاث والدراسات:

تراوح جهات ارتباط مراكز الأبحاث والدراسات، بين الجهات الحكومية أو القطاع العام وعندما يكون ارتباطها بالجهات الحكومية فهي ستعمل وفق الرؤى الحكومية وضمن إطار التشريعات الحكومية الصادرة كما يمكن ارتباط هذه المراكز بالقطاع الخاص، حيث ستكتسب ميزة المرونة في التحرك وولوج مادة البحث العلمي.

كما و يمكن أن تكون جهات ارتباط هذه المراكز مختلطة بالقطاع الحكومي والخاص وذلك لتنظيم مزايا الملكية الحكومية والفردية، وتقليل آثار الطبقات التي تعترض عمل المراكز عند ارتباطها بالجهات الحكومية أو الفردية .

أهمية مراكز الأبحاث والدراسات:

أصبح لمراكز البحوث والدراسات دور ريادي في قيادة العالم وأصبحت هذه المراكز أداة لإنتاج العديد من المشاريع الاستراتيجية الفاعلة.

ولقد ازداد عدد هذه المراكز في دول العالم لاسيما في أوربا وأمريكا وتنوعت تخصصاتها في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والعلوم الأخرى .

ولقد كان الموطن الأول لهذه المراكز هو أوروبا ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة ومن بعدها الاتحاد السوفيتي السابق.

وقد أخذت البحوث التنموية والعسكرية جزءاً أساسياً من عمل هذه المراكز رغم أن الاهتمام الأخير في ظل الحرب الباردة المنصرمة بين المعسكرين الغربي والشرقي موجهاً نحو البحوث ذات الجوانب العسكرية، ولقد تطور عمل هذه المراكز في الدول المتقدمة بحيث أصبحت مصدراً مهماً يعتمد عليها في توفير المعلومات المطلوبة لاتخاذ القرارات من قبل السلطات العليا .

الدول النامية و مراكز الأبحاث والدراسات :

إن تخلف الدول النامية قد انعكس في تخلف الناحية العلمية والذي امتدت آثاره إلى محدودية وتخلف مراكز الدراسات والبحوث، فضلاّ عن انخفاض أعداد هذه المراكز وبذلك فإن ميدان عملها بقي محدوداً واقتصرت دراساتها على الجوانب الوصفية والعامة غالباً حيث إن الدخول في بحوث عميقة تحتاج إلى قاعدة بحثية تفتقر إليها الدول، فضلاً عن إن نتاجات هذه المراكز قد تجد طريقها إلى رفوف المكاتب دون أن تتاح الفرص الملائمة لاستثمارها .

وقد جاءت هذه المراكز مكررة لما هو موجود في الغرب أو لما هو قائم في الدول النامية، الأمر الذي جعل منها أقل فاعلية لأنها ستكون أقل تفاعلاً مع البيئة المحيطة بها وأقل اهتماماً بالمشاكل التي تحيط بها ومساهمتها في إيجاد الحلول المناسبة للمجتمعات التي تحتضنها، وبذلك بقيت مجرد هياكل معزولة عن بيئاتها وتضاءلت مساهمتها في حل المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا المتخلفة وهذا يأتي على خلاف مراكز البحوث والدراسات التي أقيمت في أوربا، حيث ارتبطت مباشرةً بالجامعات التي تمثل الشريحة الواعية في المجتمع أو أنها ارتبطت بالقطاعات ومراكز الإنتاج المهمة لتساهم في إيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتها .

إن إنشاء مراكز الأبحاث والدراسات في الدول النامية تعد حاجة ماسة لانتشال المجتمعات المتخلفة من حالة الفقر والجهل وهي ضرورة لأن الهوة تتزايد بين هذه الدول ومجموعة الدول الصناعية في المجالات العلمية كافة.

تفعيل مراكز البحوث والدراسات:

هناك خطوات عدة يجب اعتمادها إذا ما أريد لمراكز البحوث والدراسات مواكبة حركة البحث والتطور العلمي في العالم وهي كالتالي :

1- النضوج السياسي للدولة.

تعتمد مسيرة مراكز البحوث والدراسات على حالة النضوج السياسي للدولة، إذ كلما اتسم النظام السياسي بهذه الصفة كلما توفرت دفعة قوية لبناء وعمل المراكز البحثية، إذ إن توفر البيئة المناسبة لإقامة هذه المراكز تقتضي الإيمان بأولوية النضج الفكري وعلى حساب الاتجاه السياسي وعلى خلاف ما يطرح محاوره في البيئات المتخلفة من تغليب للوجهات السياسية على المسارات الفكرية والعلمية.

2- حرية العمل البحثي

إن توفر الجو للعمل الديمقراطي والتي تحيط بالمراكز البحثية سيوفر الحرية الكافية في تناول ما تراه مناسباً من حقول المعرفة أو في القدرة على الوصول إلى المعلومات التي يقتضيها عمل هذه المراكز.

أما في ظل غياب حرية العمل، فإن هذه المراكز تظل مقيدة الحركة والإمكانيات وتظل نتائجها هامشية وغير مجدية علمياً.

3- توفر البيانات

إن العمود الفقري في عمل مراكز البحوث والدراسات يتجسد في توفر قاعدة البيانات المتكاملة التي تقتضيها البحوث في الحقل المعرفي المطلوب وبخلافه ستكون النتائج مشوهة وبعيدة عن جوهر الموضوع المراد البحث عنه وغير قادرة على معالجة نقاط الضعف في المجتمع والتي تشكل صلب عملها ومبرر وجودها. كما يجب في هذا الشأن التحرر من قيود سرية المعلومات وعليه يجب إصدار تشريعات تحكم عمل مراكز البحث العلمي وتسهل عليها إمكانية الوصول إلى البيانات المطلوبة باعتبار إن ما ستنجزه هو لخدمة المجتمع ومتخذي القرار .

4- القناعة بدور مراكز البحوث والدراسات

إن قناعة المجتمع وطائفة العلماء وحقل العمل الذي يستثمر نتائج هذه المراكز يعد عاملاً أساسياً في استمرار عمل مراكز البحوث العلمية، إذ إن هذه الجهات تعد بمثابة مراكز التغذية العكسية لجميع النتائج العلمية التي وصلت إليها هذه المراكز.

5- استقلالية المراكز.

إن التوصل إلى الحلول السليمة لمجمل المشاكل المبحوثة النتائج وتوفر الأجواء المناسبة التي تحيطها الحرية بحيث تؤمن أوسع مساحة للتفكير العقلي، ولذلك لابد من التأكد من استقلالية المراكز في قراراتها ونتائج أبحاثها وعدم وجود غطاء ثقيل على عملها يتولى توجيه أبحاثها وفقاً لغايات معينة أو لإدارة جهات محددة.

6- التحويل الوطني

إن توفر التحويل المالي يعد عنصراً أساس في عمل هذه المراكز ويكون أكثر فاعلية عندما يتأصل بموارد عمل هذه المراكز أو بالجهات الوطنية التي تضطلع بتمويلها، حيث إن اعتماد هذه المراكز على مصادر أجنبية يجعلها أسيرة لتلك الجهات في طبيعة أبحاثها والنتائج التي تتوصل إليها، وهذه النقطة لها أهمية الآن في ظل العولمة وانفتاح الآفاق أمام الشركات الكبيرة المتعددة الجنسيات لممارسة تأثيراتها على تلك المراكز من أجل شراء ذممها، وبذلك فان هذه المراكز يجب أن تحافظ على هويتها العلمية والأكاديمية وأن يكون التمويل ذا طبيعة شفافة وأن تعلن نتائج البحوث إلى الجميع.

7- وجود الطلب على منتج هذه البرامج

إن المراكز العلمية والبحثية ينظر إليها كمؤسسات لها ميزانياتها، فهي بقدر ما تحصل عليه من موارد ناتجة عن تسويق إنجازات أبحاثها فهي تقوم بالإنفاق على عملها، ولذلك عندما يثاب الدعم المالي الشفاف لأعمالها وضعت إمكانيات تسويق نتائج أبحاثها فإنها ستصطدم بقيود مستلزمات استمرار العمل البحثي، وبذلك ستكون أمام مخاطر مغادرة ساحة البحث العلمي.

8- جودة الباحثي

تعتمد مراكز الأبحاث في عملها إضافة إلى التمويل المالي، على مدى قدرتها في احتضان الكفاءات العلمية البحثية، فبقدر امتلاكها للكفاءات العلمية يتحدد أفق البحث العلمي وطبيعة نتائجه. ولذلك يجب على هذه المراكز أن تعمل على استقطاب الكفاءات العلمية البحثية وتمد جسور التواصل مع حقل العمل.

 (*) باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: http://www.josor.net/article_details.php?thesid=683&catid=8

 

مواضيع ذات علاقة:

 

الدراسات والإعداد الذى لا يتوقف للمستقبل

البناء العلمي وأهمية مراكز الدراسات والبحوث