لماذا فشلت "عملية أوسلو"؟ رؤية من واشنطن

 

 

 

أصدر معهد السلام الدولي US Institute of Peace دراسة حديثة تتناول أسباب انهيار عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين المعروفة "بعملية أوسلو". ومؤلف الدراسة هو أستاذ الدراسات الدولية بجامعة كولغيت الأمريكية روبيرت روثستين، وقد عمل روثستين في الماضي في مركز وودرو ويلسون للباحثين ومؤسسة كارنيغي بواشنطن. وهذا تلخيصا لأهم ما ورد في الدراسة.

الطرفان تخليا عن إالتزاماتهما... ولكن ما السبب؟

يقول الكاتب إن معظم التعليلات التي طرحها المحللون في السنوات السابقة لتبرير فشل "عملية أوسلو" لا تسلط الضوء على العوامل الحقيقية التي تسببت في انهيار محادثات السلام. ويقول البعض إن عملية السلام كانت حتميتها الفشل لأنها لم تبرز من البداية المكاسب التي سيحصل عليها الجانب الفلسطيني في حالة تمسكه بالالتزامات التي وضعتها الاتفاقيات الموقعة. ولكن روثستين يشير إلى أن الإصرار على تحديد تفاصيل التسوية النهائية منذ البداية كان سيؤدي إلى انهيار المحادثات، مضيفا أن "عملية أوسلو" لم تكن حلا نهائيا للصراع بل كان بمثابة "هدنة استكشافية" Exploratory Truce تهدف لبناء ثقة بين الجانبين وخلق مناخ مناسب للتفاوض وللحصول على التنازلات الصعبة. كما يرفض الكاتب المقولة السائدة بأن عملية السلام انهارت بسبب فشل الجانبين في تطبيق بنود الاتفاقيات المعلنة بينهم. حيث أن مثل هذه التعليلات توصف ولا تشرح، أي أنها لا تقدم الأسباب التي دفعت الجانبين للتخلي عن التزاماتهما تجاه عملية السلام. وبعبارة أخرى، ان استمرار "عمليات الإرهاب" على حد تعبير الكاتب وتوسيع المستوطنات ساعدا على انهيار مباحثات السلام، إذا ما هي العوامل التي جعلت طرفي النزاع يقومان بهذه المخالفات الخطيرة؟

يرد كاتب التقرير على المزاعم بأن رفض الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرافات لما يسمى بـ "العرض الكريم" الذي تقدم به الجانب الإسرائيلي للشعب الفلسطيني هو سبب موت عملية السلام، كما زعمت الحكومة الأمريكية والإسرائيلية بعد فشل محاولات السلام في كامب ديفيد عام 2000، متسائلا إذا كان هذا التعليل صحيحا، وإذا كان عرفات هو "العقبة التي تعرقل السلام" إذا لماذا لم تظهر علامات الحياة على عملية السلام بعد وفاة عرفات؟

ومن هذا المنطلق تقدم الدراسة شرحا بديلا لتعليل وفاة عملية السلام التي انبثقت من مفاوضات أوسلو في بداية التسعينيات.

"عقدة النزاع" وغياب الثقة

الإجابة التي يطرحها روثستين تتمثل في فكرة "عقدة النزاع" Conflict Syndrome. ويقول المؤلف إن مشكلة "عقدة النزاع" هي الافتراضات والمواقف الخفية التي يتبناها الطرفان بخصوص طبيعة النزاع وبخصوص الطرف الآخر. وينتج هذا المنظور المتشائم عن عهود طويلة من الحرب والعداء بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويتسبب هذا العداء في غياب عامل الثقة بين الطرفين ويخلق شكوكا كبيرة حول عملية السلام ونجاحها. وفي هذا المناخ السلبي يعتقد كل من الطرفين أن الطرف الأخر لن يحترم أية وعود أو اتفاقيات، وبالتالي يشعر كل طرف أنه إذا لم يبادر بانتهاك الاتفاقيات فسيصبح فريسة خصمه عندما يقوم الأخير بمخالفة الوعود والالتزامات.

وفي شرحه المفصل لفكرة "عقدة النزاع" يشير روثستين إلى أن الشعور بالمخاطر وبالقلق في المفاوضات المعنية بمثل هذه النزاعات عادة تكون عاليا للغاية، وينتج عن ذلك:

- لا يشعر الطرف بالحاجة للمجازفة بتقديم تنازلات كبيرة للطرف الأخر في المفاوضات.

- لا يقوم أي من أطراف النزاع بتقديم تعهدات ملزمة افتراضا أن عملية المفاوضات ستنهار في أية لحظة.

- يشعر الطرفان بعدم الارتياح تجاه أي مشروع اتفاق، ودائما يحاول أحدهما إعادة التفاوض حول القضايا التي سبق الاتفاق عليها.

- محاولة كلا الطرفين استغلال عملية المفاوضات لخدمة مصالح سياسية أخرى غير متعلقة بتحقيق السلام.

- في الكثير من الأحيان يشعر أطراف النزاع بأنه ليس هناك حل سلمي للصراع، لذا تتسم عمليات التفاوض باليأس والتشاؤم.

- حتى في فترات المفاوضات لا يحترم الطرفان بعضهما البعض وتتسم علاقتهما في نطاق المباحثات بغياب التعاطف المتبادل. ولذا يلاحظ في كثير من الأحيان تردد أحد الطرفين في اتخاذ موقف لوقف قتل الأبرياء والمدنيين.

- يدعم تاريخ النزاع بين الطرفين الشعور بالذل والعار مما يصعب من مهمة استخراج التنازلات والمبادرات السلمية.

- مخاوف الزعماء من الظهور في موقف ضعف أمام شعبهم يخلق عوائق أخرى لعملية بناء السلام حيث أن كل زعيم سيرفض مبدأ التنازل للطرف الأخر لا بسبب قناعة، بل حرصا على تجنب غضب رعاياهم.

 "عقدة النزاع" وفشل عملية السلام

في ضوء ما سبق، يقول روثستين إن فشل أوسلو لم ينتج عن عيوب في القيادات الفلسطينية أو الإسرائيلية وكذلك لم تفشل عن طريق الصدفة، بل كان هذا الفشل نتيجة حالة عدم الاستقرار في المباحثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين نتيجة "عقدة النزاع" أي الرؤية التشاؤمية التي اتخذها الطرفان. ويضيف المؤلف أنه بالرغم من أن الطرفين تقبلا مبدأ المفاوضات ولكنهما لم يغيرا من نظرتهما للعدو، بالتالي لم يجدا دافعا للتعامل بجدية مع فكرة السلام. وبدلا من استخدام المباحثات كجسر للتوصل إلى تسوية نهائية لهذا الصراع، كان الطرفان أكثر حرصا على تجنب تقديم أو قبول أي من التنازلات التي ستهدد وحدة شعبهم وصلابة حكمهم. وبعبارة أخرى المفاوضات من منظور الزعماء لم تكن أكثر من "لعبة سياسية" بدلا من طريقة لتسوية النزاع ورفع المعاناة عن الشعوب المتورطة.

وفي هذا السياق، يمكن استنتاج أن رفض عرفات للتوصل لحل نهائي في كامب ديفيد كان نتيجة "أعراض النزاع". ويوضح الكاتب أنه في بداية التسعينيات عندما قبل عرفات اتفاق أوسلو كان الزعيم الفلسطيني في موقف حرج، وتصور أن الاتفاق سيجلب مكاسب كثيرة مثل المساعدات الخارجية والاعتراف الدولي بمركزه كزعيم الشعب الفلسطيني، إضافة إلى علاقات وطيدة بالبيت الأبيض. وأهم من ذلك لم تكن مواد الاتفاق ملزمة، بعكس الحال في كامب ديفيد حينما واجه عرفات مفترق الطريق: هل يعطي إسرائيل تنازلات كبيرة في سياق معاهدة نهائية؟ وكانت إجابة عرفات "لا" حيث أن فكره كان لازال محكوم "بعقدة النزاع" ولذلك لم يكن على استعداد لتقديم تنازلات بهذا الحجم لخصم لا يثق به. ويقول روثستين أن ليس من المتوقع أن يتخلص الطرفان من "عقدة النزاع" حتى بعد رحيل عرافات مما يدل على أن اللوم لفشل عملية السلام لا يجوز أن يضع على أكتاف عرفات وحده مثلما زعم العديد من المعلقين في الإعلام الأمريكي بالماضي.

ماذا بعد أوسلو؟ توصيات للمستقبل

ويطرح المؤلف خطة لإعادة أحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وتهدف هذه الخطة لتغيير رؤية طرفي النزاع تجاه عملية السلام ومكاسبها. وكما تحاول الخطة تحسين مستوى المعيشة على الجانب الفلسطيني أملا أن يزيد ذلك من دعمه لعملية السلام بعدما يشعر الشعب بمكاسب استئناف عملية السلام. وتتلخص أهم توصيات روثستين في النقاط التالية:

- وضع عدة وعود سرية بين الجانبين لوقف فوري لعمليات العنف من الجانب الفلسطيني ولوقف فوري لبناء المستوطنات من الجانب الإسرائيلي، حتى لا يتقلص دعم الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي لعملية السلام. ولا يبدأ الطرفان التفاوض إلا عند تطبيق هذه الالتزامات بالكامل، ويجوز وقف المباحثات في حالة فشل أحد الأطراف في تلبية هذه الوعود الأساسية.

- يقوم الطرفان بالإتفاق على عدة أهداف مشتركة لعملية السلام.

- بناء مجتمعات مساندة لفكر السلام، وذلك لن يتحقق بدون تحسين الوضع الاقتصادي داخل المناطق الفلسطينية، مما يتطلب عون ومساعدات  كبيرة من المجتمع الدولي.

- إنهاء الفساد داخل السلطة الفلسطينية وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الفلسطيني في أقرب فرصة.

 

وكل ذلك بحسب المصدرالمذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد79