الدين والسياسة الخارجية الأمريكية

 

 

خليل العناني 

 

كثيرا ما لعب الدين دورا مؤثرا في صياغة ملامح الحياة السياسية في الولايات المتحدة، كما أنه يعد أحد مصادر الهوية وتشكيل الثقافة، حيث يسهم في صياغة تصورات الأمريكيين عن أنفسهم وعن العالم الخارجي، بل إنه الذي يمنح الأمريكيين الشعور برسالتهم العالمية، ويفسر سعيهم إلي نشر قيمهم في أرجاء الكون.

وقد مارست العديد من المذاهب الدينية في الولايات المتحدة تأثيرا قويا علي صنع السياسة الخارجية، وقد تفاوت هذا التأثير عبر الزمن، وحظيت البروتستانتية الأمريكية بدور مؤثر في هذا الصدد، حيث جزء كبير من هوية الشعب الأمريكي أكثر مما فعلته الكاثوليكية.

بيد أن البروتستانتية ذاتها ليست فصيلا واحدا، ولكن تضم بداخلها ثلاثة تيارات رئيسية، هي التيار البروتستانتي الأصولي، والتيار الليبرالي المسيحي، والتيار الإنجيلي، ولكل منها رؤية مختلفة حول كيفية تعاطي الولايات المتحدة مع العالم الخارجي. وتكمن الاختلافات الأساسية بينها فيما يخص الأدوات اللازمة لصنع السلام والاستقرار في العالم.

1 - الأصولية البروتستانتية:

يعتبر هذا التيار أكثر التيارات البروتستانتية انغلاقا وعزلة بسبب تمسكه بالتفسير الحرفي لنصوص الإنجيل، بغض النظر عن مدي تطابق هذه النصوص مع الواقع، فضلا عن موقفه المتشدد تجاه الطوائف الدينية الأخري، بما في ذلك الطوائف المسيحية المختلفة عنها كالكاثوليكية.

ويحتوي هذا التيار علي مجموعات متنوعة من الاتجاهات، وذلك نظرا للاختلاف حول تحديد معني الأصولية ذاته، ويمكن القول إن هناك ثلاث سمات مميزة لهذا التيار، هي:

- النظرة المقدسة لتعاليم الإنجيل.

- الإيمان الشديد بضرورة الدفاع عن الإيمان التاريخي للبروتستانتية مقابل الكاثوليكية الرومانية، والعلمانية، والتيارات غير المسيحية.

- تأكيد ضرورة الانعزال عن العالم الخارجي.

وينظر البعض للأصولية البروتستانتية باعتبارها معادية للحركة الثقافية الرومانسية. ولعل الفارق الأساسي بين هذا التيار والتيار الإنجيلي هو أن الأصولية البروتستانتية تصر علي اتباع رؤاها الأيديولوجية، كما أنها أكثر اهتماما من الإنجيليين بتطوير صياغات متوافقة حول الرؤية المسيحية للعالم. بيد أن الأصولية البروتستانتية تتفق مع الإنجيليين في الموقف الرافض للنظرية الدارونية. لذا، تسعي إلي تطوير أنموذج علمي يمكن من خلاله دراسة علم النشوء والارتقاء، وتحاول فرضه علي طلابها في المدارس الخاصة بها.

ونتيجة للهزائم الثقافية التي تلقتها الأصولية البروتستانتية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، فقد آثرت الانعزال والانطواء. لذلك، يري أنصارها أنه من الضروري أن تسير السياسة الخارجية الأمريكية علي نهج الانعزالية وعدم الاهتمام بالنظام العالمي.

2 - الليبرالية المسيحية:

يعد التيار الليبرالي المسيحي من أكثر التيارات البروتستانتية مكانة في التاريخ الأمريكي، ويؤمن أنصاره بالنظرة المرنة للدين، فهم يؤمنون بكافة الأناجيل والقصص الإلهية، مثل نشأة الكون في سبعة أيام، وجنة عدن، وسفينة نوح.

ويعتبر هذا التيار أكثر انفتاحا علي التيارات الأخري، حيث يقوم علي الفصل بين المسيحية كنظام أخلاقي، وكنصوص تطبق حرفيا علي الواقع. كما يري أتباع هذا التيار أن الأديان المختلفة تحض علي الأخلاق بشكل أو بآخر، كما يتبنون نظرة أكثر قبولا بفكرة أن الرب سوف يتقبل الطوائف غير المسيحية ويغفر لهم في الآخرة. وينظر أصحاب هذا التيار بشكل عام نظرة متسامحة تجاه الأديان الأخري، مع الحرص علي التعاون معها، كما ينظرون نظرة إيجابية لمستقبل العالم وإلي قدرة بلدان العالم علي التعاون مع بعضها بعضا، وبناء نظام دولي يحقق العدالة والسلام.

ولقد كان هذا التيار هو السائد بالولايات المتحدة خلال معظم التاريخ الأمريكي، خاصة أن الحركات الفكرية العلمانية التي مرت بها أمريكا ساندت هذا التيار ودعمته. وقد حقق هذا التيار انتشارا واسعا في عقد الستينيات بصفة خاصة، والذي شهد انتشارا للحركات الليبرالية بالمجتمع الأمريكي، ولكن التيار نفسه بدأ في التراجع منذ ذلك الحين لعدة أسباب، علي رأسها طبيعته المتسامحة مع الفكر العلماني، مما يجعله يفقد الكثير من أتباعه للفكر العلماني ذاته، هذا إضافة إلي ميل أتباع هذا التيار إلي عدم التركيز علي القضايا الدينية في أجندتهم العامة، مما أفقدهم تدريجيا مساندة المتدينين بالمجتمع الأمريكي. والتي تفقدهم مساندة التيارات الدينية المحافظة داخل الديانات الأمريكية المختلفة، كالطوائف الكاثوليكية واليهودية المحافظة.

ويواجه هذا التيار حاليا مجموعة من التحديات، لعل أهمها:

- عدم اهتمام هذا التيار بالمسائل الدينية ومسبباتها، وما قد ينجم عنها من تداعيات، ولكنهم أكثر اهتماما بشئون البيئة وحقوق الإنسان.

-لا توجد علاقة قوية مع الكنيسة الكاثوليكية، نظرا لموقف التيار من قضايا الإجهاض و...، فضلا عن علاقة أتباعه الضعيفة بحقوق اليهود وعدم تحمسهم لتأييد إسرائيل.

- يعاني التيار من ضعف التأثير في المجتمع الأمريكي نظرا لتركيزه علي قضايا هامشية.

3 - التيار الإنجيلي:

يحتل هذا التيار مكانة وسطا بين التيارين الأخيرين، حيث يجمع صفات مشتركة من كليهما. وبالرغم من وجود تباينات داخل هذا التيار، إلا أنه تقريبا يحتل مكانة مؤثرة في المجتمع الأمريكي، ويبلغ عدد المنتمين إليه ما يقرب من 16.3 مليون أمريكي.

ويؤمن هذا التيار، شأنه في ذلك شأن التيار الأصولي، بعدة مبادئ، منها علي سبيل المثال:

- الإيمان الكبير بمبادئ المسيحية وأخلاقها، ويعتقد أتباعه بأن تطبيق القانون هو الطريق المؤدية إلي الله.

- الإيمان بأن ثمة رسالة كونية إلهية يجب العمل علي تبليغها لجميع العالم.

- معظم الإنجيليين يعتقدون في نهاية العالم ويوم الحساب.

- يؤمنون بأن جهود البشر في إحلال السلام سوف تمني بالفشل، وستكون نهاية العالم قريبة.

ورغم ذلك، إلا أن هناك بعض الاختلافات بين الإنجيليين والأصوليين، لعل أهمها:

- يهتم الإنجيليون أكثر بالتعاليم الكالفينية، وأنه من الصعب أن يحظي جميع المسيحيين بحق الخلاص الإلهي.

- يركز الإنجيليون في أنشطتهم علي التبشير الديني والعمل الخيري كأسلوب لجذب قلوب غير المسيحيين للمسيحية، وهي أفكار تجعلهم منفتحين علي التعاون مع التيارات الأخري داخل وخارج أمريكا، بعكس الأصوليين الذين يميلون للانغلاق علي أنفسهم والعزلة.

- كما يتميز الإنجيليون بتفاؤلهم بخصوص إمكانية إحداث تغيير أمريكا والعالم بشكل يخدم أهدافهم في نشر المسيحية، وذلك علي عكس الأصوليين.

التوازن بين التيارات الثلاثة:

لقد شهدت العقود الأربعة الأخيرة بعض التغيرات في ترتيب قوة وأهمية هذه التيارات الثلاثة، فقد انخفضت أعداد المسيحيين الليبراليين، وذلك منذ عقد الستينيات. ووفقا لإحصاءات هيئة المسيحية اليوم، فقد تضاءل عدد هؤلاء بنسبة 24 بالمائة خلال الفترة من 1960 وحتي عام 2003، حيث انخفض عددهم من 29 مليون شخص إلي 22 مليونا، في حين ارتفع عدد الإنجيليين من 41 إلي 54 بالمائة.

وقد اتضح تأثير هذه الأرقام خلال الأعوام الأخيرة، حيث صوت ما يقرب من 40 بالمائة من الإنجيليين للرئيس الأمريكي جورج بوش في انتخابات الرئاسة عام 4002، في حين لم تطرأ زيادة كبيرة علي أعداد الأصوليين خلال الفترة نفسها.

تأثير الإنجيليين علي السياسة الخارجية الأمريكية:

يمكن قياس تأثير الإنجيليين علي السياسة الخارجية الأمريكية من خلال طريقتين:

الأولي: من خلال تأثيرهم علي سياسات حقوق الإنسان، حيث تحتل أولوية مطلقة في اهتماماتهم. لذا، فهم يدافعون بشكل قوي عن حقوق الإنسان حول العالم، ويهتمون كثيرا بمسألة المساعدات الخارجية. والثانية: هي إسرائيل، حيث ساهم صعود الإنجيليين في زيادة الدعم للدولة اليهودية.

فيما يخص القضية الأولي، فقد قامت الإدارة الأمريكية الحالية برفع المساعدات المقدمة للقارة الإفريقية بنحو 67 بالمائة، تتضمن 15 مليار دولار فقط لمكافحة مرض نقص المناعة المكتسب الإيدز. كما احتلت قضايا النوع والنساء والأطفال اهتمامات كبيرة في سلم أولويات إدارة بوش. كما اهتمت الإدارة بمسألة الحريات حول العالم، وقامت بتفعيل قانون الحريات الدينية حول العالم الذي أصدره الكونجرس عام 1998، وأنشأت مكتبا لمتابعة سجل هذه الحريات.

أما بخصوص إسرائيل، فقد زاد الدعم الأمريكي المقدم إليها خلال الإدارة الأمريكية الحالية. وينبع جزء كبير من هذا الدعم من الإيمان الإنجيلي بنبوءة إقامة الدولة اليهودية من أجل عودة المسيح إلي الأرض وتخليص الأرض من الشرور، وبالتالي فإن دعم إسرائيل هو واجب ديني مقدس يجب الالتزام به والعمل علي تذليل العقبات التي تحول دون تحقيق ذلك.

ولا يعبأ الإنجيليون كثيرا بالانتقادات التي توجه إليهم، بل يعتبرون هذه الانتقادات جزءا من تحقق نبوءة عودة المسيح إلي الأرض، ذلك أن شعارهم هو أن الله سيظل بجوار أمريكا، مادامت بجوار إسرائيل.

الصحوة الكبري:

يمكن اعتبار هذا الوضع بمثابة اللحظة الإنجيلية في الولايات المتحدة، وستظل هذه اللحظة لفترة ليست بالقصيرة، ذلك أن نمو التيارات العلمانية والليبرالية، ناهيك عن الديانات الأخري كالإسلام والبوذية والهندوسية، لا يزال ضعيفا.

وقد يختلف الليبراليون، حتي أولئك العلمانيون، مع الإنجيليين في سياساتهم الداخلية، ولكن يبدو الخلاف الأعظم في السياسة الخارجية، خصوصا أن الإنجيليين قد فزعوا من أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لذا، فإن هناك مخاوف من أن تتحول سياستهم الخارجية إلي حرب مقدسة ضد الإسلام.

وبوسع الإنجيليين أن يديروا علاقات مع مختلف الاتجاهات. فمن جهة، يمكنهم إقامة علاقة مع الكاثوليك ضد مسألة الإجهاض، كما أن بوسعهم الحصول علي دعم الليبراليين والعلمانية لحشد الدعم لإسرائيل.

وخلاصة القول إن الإنجيليين يشعرون بمغزي الاستثنائية الأمريكية أكثر من الليبراليين، كما يشعرون بعالمية القيم الأمريكية وضرورة فرضها من خلال السياسة الخارجية.

عرض لمقال:

* Gods Country?، Walter Russell Mead، Foreign Affairs، September/October، 2006.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: http://www.siyassa.org.eg/asiyassa/Index.asp?CurFN=roaa3.htm&DID=8991

 

مواضيع ذات علاقة:

 

أمريكا بين علمانية الدولة و تدين المجتمع