الهوية في مواجهة العولمة

 

السيد يسين

 

لم يكن من قبيل الصدفة أن يخصص عالم الاجتماع السياسي الأميركي "مانويل كاستلز" جزءاً خاصاً من مؤلفه الجامع "العصر المعلوماتي: الاقتصاد والمجتمع والثقافة"، لموضوع الهوية في مواجهة العولمة. وهذا الكتاب الذي نشره مؤلفه عام 1996 يعد أهم مرجع صدر حتى الآن عن مجتمع المعلومات العالمي ذلك أن "كاستلز" هو الوحيد الذي استطاع أن يصوغ نظرية عامة تأليفية عن قوانين عمل مجتمع المعلومات العالمي.

وكتاب "كاستلز" يتكون من ثلاثة أجزاء منفصلة، وإن كانت مترابطة ترابطاً وثيقاً. الجزء الأول عنوانه "المجتمع الشبكي" The Network Society، ويعرض فيه الملامح الأساسية للمجتمع العالمي الجديد من زاوية بنيته السياسية والاقتصادية والاتصالية. أما الجزء الثاني فعنوانه "قوة الهوية" ويعرض فيه لمختلف أنواع الهويات Identites التي عبرت عن نفسها في مواجهة العولمة، والجزء الثالث والأخير عنوانه "نهاية الألفية"، وتحدث فيه عن أزمة الدولة الصناعية الجامدة وسقوط الاتحاد السوفييتي، وما ترتب على هذا الحدث التاريخي المهم من تداعيات سياسية واقتصادية وثقافية، وأهمها صعود "العالم الرابع" وبروز الرأسمالية المعلوماتية.

ونقطة البداية عند "كاستلز" أن عالمنا وحيواتنا تشكلهما في الوقت الراهن الاتجاهات المتصارعة للعولمة والهوية. وذلك على أساس أن ثورة تكنولوجيا المعلومات، أدت إلى بروز صيغة جديدة للمجتمع العالمي هي ما يطلق عليه "المجتمع الشبكي". وثقافة هذا المجتمع تستمد سماتها من عالم افتراضي Virtuel خلال نسق إعلامي يتسم بنفاذه إلى كل أرجاء الكون، ويتسم بأن وحداته المكونة متصلة ببعضها بعضاً اتصالاً وثيقاً، ورسائله بالغة التنوع في نفس الوقت.

وقد أدت العولمة بتجلياتها المختلفة إلى تغيير الأسس المادية للحياة مما أدى إلى تغيير مفاهيم المكان والزمان، وذلك نتيجة تشكيل فضاء للتدفقات Flows في مجال السياسة والاقتصاد والثقافة، مما غير من مفهوم الزمن ذاته، وذلك كله تعبيراً عن الأنشطة السائدة التي تسيطر عليها نخبة عالمية مسيطرة.

وهذا التنظيم الاجتماعي في صورته الجديدة، والذي تولد عن العولمة، انتشرت ملامحه في مختلف البلاد، تماماً مثلما انتشرت الرأسمالية الصناعية في القرن العشرين، التي غيرت من سمات المؤسسات، وطبعت الثقافات المتنوعة بطابعها المتميز.

غير أن التاريخ المعاصر وخصوصاً في فترة الربع قرن الأخيرة، وبعد تدفق موجات العولمة، ظهرت فيه تعبيرات شتى عن الهويات الجماعية والتي تسعى لتحدى العولمة والنزعة إلى الكوسموبوليتانية (العالمية) وذلك باسم التفرد الثقافي أو ما يطلق عليه عادة "الخصوصية الثقافية"، في محاولة من الجماهير العريضة للسيطرة على حيواتها وبيئاتها.

وتضم هذه الحركات تيارات ثقافية تهدف إلى تغيير طبيعة العلاقات بين البشر مثل التيارات النسوية، أو الاتجاهات البيئية، التي تريد إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهو موضوع بالغ الأهمية بالنسبة لبقاء الجنس البشرى ذاته. وهذا الموضوع له أبعاد شتى صناعية وتكنولوجية وثقافية وقبل ذلك أبعاد سياسية تتعلق بصميم العلاقات الدولية في عالم اليوم. ويشهد على ذلك الصراع الحاد بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية حول حتمية ضبط المناخ العالمي وحماية الكون من التلوث، وهو ما صيغت بشأنه "معاهدة كيوتو".

غير أنه بالإضافة إلى هذه التيارات الثقافية مثل النسوية والبيئية. هناك تشكيلة كاملة من التعبيرات عن الهويات كرد فعل للعولمة. التي تريد أن تفرض مقاييس موحدة على العالم، وبغض النظر عن التواريخ الاجتماعية المتعددة للبلاد، أو بتجاهل الثقافات المختلفة. وهذه التعبيرات الثقافية عن الهويات الجماعية قد ترفع شعار الدفاع عن الدين، أو الدفاع عن الأمة، أو عن عرق من الأعراق.

بعبارة أخرى هناك حركات دينية وحركات قومية وحركات عرقية، انطلقت جميعاً للدفاع عن ذاتيتها ضد التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية التي خلقتها العولمة.

وفي خضم هذا الصراع العنيف بين هذه التيارات المتعارضة فإن الدولة القومية nation State تجد نفسها في مأزق. وهذه الدولة قامت على أساس فكرة "السيادة" التي تهددها بشدة العولمة بمؤسساتها الاقتصادية المتنوعة، وعلى رأسها الشركات العابرة للقارات، ومنظمة التجارة العالمية.

ولا ينبغي أن يغيب عن البال أنه مما يزيد من حدة الصراع "الميديا" العالمية التي تستخدمها مختلف التيارات السياسية والثقافية المتصارعة. ولعل مما يدل على ذلك أن "الإنترنت" أصبحت الآن أداة فعالة في أيدي مختلف الحركات السياسية المعارضة، ما كان منها معارضاً للدولة القومية من خلال الدعوة إلى إعادة صياغة توجهاتها حتى تلبى حاجات الجماهير في هذا العصر العولمي الجديد، وما كان منها يتبنى الثورة العنيفة بشكل صريح كأسلوب وحيد للخلاص من هذه الدول القومية العتيقة التي مازالت أسيرة تقاليد العصر الصناعي، وذلك لإقامة دول جديدة عصرية تستطيع أن تحل بشكل خلاق مشكلات الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والحفاظ على الهوية الثقافية في نفس الوقت.

ولو أضفنا إلى ذلك ظهور ما يطلق عليه حرب الشبكات Network wars ونعني ذلك استخدام عصابات المافيا وتجار السلاح وشبكات الإرهاب المختلفة للإنترنت كأداة للاتصال، لأدركنا أننا أمام تغير بنيوي في شكل الجريمة والتي أصبحت معولمة Globalized في العصر الراهن.

كل ما سبق كان مجرد مقدمات حاولت أن ترسم بإيجاز شديد ملامح عصر المعلومات العالمي، من زاوية بروز نمط اقتصادي جديد هو الرأسمالية المعلوماتية، وتشكل بنية اجتماعية مستحدثة للمجتمع العالمي، وبروز تيارات ثقافية على اتساع الكوكب تسعى إلى الدفاع عن هويات جماعية متعددة.

في ضوء ذلك يمكن القول إن موضوع الهوية هو من بين الموضوعات الكبرى التي تحتاج إلى تحليل نقدي. غير أن هناك مشكلات نظرية ومنهجية متعددة تواجه الباحث في تصديه لهذا الموضوع، ولعل أهمها جميعاً تعدد أنماط الهويات، سواء داخل الدول الصناعية المتقدمة أو داخل الدول النامية.

ويكفي أن نشير إلى أنه في أوروبا في الوقت الراهن هناك أزمة هوية حادة، لأن الاتحاد الأوروبي وإن كان قد نجح في المجال الاقتصادي والسياسي إلا أنه فشل في فرض دستور واحد على كل الدول الأوروبية. ومعنى ذلك أن الهوية الأوروبية مازالت منقسمة.

ومن ناحية أخرى بعد سقوط استراتيجية بوتقة الصهر melting pot الأميركية التي سعت إلى صهر كل الأعراق في وعاء ثقافي واحد، أصبحت الهوية الأميركية اليوم "مشتتة" difusud، وأخيراً لدينا في العالم العربي والإسلامي مشكلة "الهوية المتخيلة" التي تسعى لتجميع البلاد المختلفة في أمة إسلامية واحدة، تسعى بعض الحركات الإسلامية إلى صبها في نظام سياسي جامع، قد يكون استعادة لنظام الخلافة القديم، أو ابتداعاً لنظام سياسي جديد.

وهكذا نكون قد دخلنا إلى غابة إشكاليات الهوية التي تحتاج إلى معالجات أخرى أكثر تفصيلاً.

و كل ذلك بحسب راي السيد يسين في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الاماراتيه – 8-6-2006