قرار مجلس النواب بتشكيل اللجان البرلمانية ونظرة الفقه الدستوري للجان

 

المحامي طارق حرب 

 

رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية .

في 3/ 5/ 2006 قرر مجلس النواب تشكيل عدد من اللجان البرلمانية التي تتخصص في كل موضوع من المواضيع التي تكون مجلس اهتمام المجلس واللجنة البرلمانية هي مجلس نواب مصغر اقتصر عملها على نوع من انواع المهام البرلمانية  او هي مطبخ دستوري وقانوني واداري يتولى طبخ الموضوع البرلماني وعرضه على مجلس النواب كي يتولى المجلس التصرف به وكذلك هي جهة رأي وفتوى واستشارة الموضوع ذا العلاقة قبل عرضه على المجلس. فبالنسبة لمشاريع القوانين التي يرسلها مجلس الوزراء ومشاريع القوانين التي يقترحها اعضاء مجلس النواب يتولى رئاسة المجلس ايداعها الى اللجنة المختصة لدراسة المشروع وبيان الرأي فيه فان وافقت تلك اللجنة على المشروع تتولى تدقيقه من الناحية القانونية والدستورية وتعديله ان كان يحتاج الى تعديل ثم ترسله الى رئاسة مجلس النواب حيث تتولى الرئاسة توزيعه على اعضاء المجلس لمناقشة والتصويت عليه قبولا او رفضا. اذ ان مجلس النواب لا يكون ملزما بقرار اللجنة وان كان الاغلب موافقة اعضاء المجلس على مقترح اللجنة طالما ان تشكيل اللجنة يمثل لكتل السياسية الموجودة في المجلس والتي تمثل الاكثرية المطلوبة من الوجه الدستوري للموافقة على هذا المشروع بحيث يتحول المشروع الى قانون.

ولا يشترط في قرارات اللجان البرلمانية صدور قراراتها بالاجماع وانما تصدر بالاغلبية البسيطة من عدد اعضائها 50%+1لأن الموضوع رهين سلطة مجلس النواب كما رأينا.

وما سلف من احكام تنبسط ليس على مشروعات القوانين فقط وانما تشمل جميع اختصاصات مجلس النواب المقررة في الدستور نحو مشروع النظام الداخلي للمجلس والبت في صحة عضوية الاعضاء والموافقة على التعيين في المناصب نحو منصب رئيس واعضاء محكمة التمييز ورئيس الادعاء العام والسفراء ورئيس اركان الجيش ورئيس جهاز المخابرات واعضاء رئيس الجمهورية ونوابه وسحب الثقة من رئيس الوزراء والوزراء واعلان الحرب والطوارئ ورفع الحصانة عن عضو مجلس النواب وقبول استقالة رئيس الجمهورية وتتولى اللجان بيان الرأي وتقديم توصيات ومقترحات بشأن السياسة الخارجية والمعاهدات والاتفاقيات والسياسة الاقتصادية والتجارية والأمن الوطني والقوات المسلحة والسياسة المالية والكمركية والنقدية وامور الجنسية والتجنس والاقامة واللجوء السياسي والمصادر المائية والثروات الطبيعية وغير ذلك من الامور. ان الدستور الجديد قضى بوجوب تشكيل لجنة واحدة فقط هي لجنة تعديل الدستور حيث نصت المادة 142  على (يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من اعضائه.. مهمتها تقديم تقرير الى مجلس النواب... يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور وتحل اللجنة بعد البت في مقترحاتها وهذه اللجنة مؤقتة تنتهي بانتهاء تقديم التوصية بالتعديلات الدستورية.. ولكن احكام الدستور منحت مجلس النواب في المادة 57 اصدار نظام داخلي وبالتالي تشكيل لجان متعددة وقد اتضح من جلسة مجلس النواب في 3/ 5/ 2006 ان الاتجاه لدى المجلس في تشكيل 27 لجنة وان لم يتول مجلس النواب تحديد اعضاء لجنة التعديلات الدستورية غير ان مجلس النواب والحق يقال شكل لجنة اعداد النظام الداخلي بالوجه المقرر في برلمانات الدول المختلفة بحيث شكلتا على وفق الاغلبية التي حصلت عليها كل كتلة سياسية في مجلس النواب الى حد ما. اذ تم تشكيلها بشكل يراعي الوزن البرلماني للكتل السياسية فقد تم تشكيل اللجنة من 11 عضواً حصلت قائمة الائتلاف على خمسة اعضاء وتوزع الباقي بين الكتل السياسية الاخرى ولا غرو في ان الوزن البرلماني اي الاغلبية التي حصلت عليها الكتل السياسية في مجلس النواب لابد من مراعاته في تشكيل اللجان الاخرى بما فيها لجنة التعديلات الدستورية.

لقد تولت الجمعية الوطنية تشكيل عدد من اللجان اجتهدت ما وسعها الجهد واكمال المهام المناطة بها ولابد ان نتذكر في ذلك لجنة اعداد الدستور برئاسة الدكتور همام حمودي ولجنة الامن والقوات المسلحة برئاسة الاستاذ جواد المالكي ولجنة النزاهة برئاسة الاستاذ هادي العامري واللجنة القانونية برئاسة الاستاذ حسين سعدون وسواها من اللجان ولا غرو في ان الجمعية الوطنية التي جاءت بعد انتخابات 30/ 1/ 2005 ولم تستمر الا عدة اشهر فقط وقد اكملت الدستور واعدت قوانين عديدة من اهمها قانون الموازنة لسنة 2006 وقانون التقاعد الموحد وقانون المحكمة الجنائية العراقية العليا وقانون الانتخاب وقانون الاستفتاء وقانون المفقودين السياسيين وقانون المقابر الجماعية وسوى ذلك من القوانين.

كما ان المجلس الوطني الذي تم تعيين اعضائه في حزيران 2004 وعقد اول جلسة في شهر آب من السنة ذاتها شكل العديد من اللجان على الرغم من ان السلطة التشريعية كانت مخولة بموجب ملحق قانون ادارة الدولة للسيد رئيس الوزراء الدكتور اياد علاوي وكانت صلاحية المجلس الوطني الرأي والمشورة والمقترح والتوصية فقط الى مجلس الوزراء.

يذكر الدكتور عبدالرحمن البزاز في كتابه اصول القانون بطبعته سنة 1958 ان مجلس الامة العراقي (النواب والاعيان) شكل تسع لجان اولها لجنة المراجعات والمعاريض (العرائض) ولجان للشؤون الداخلية والقانون والخارجية والعسكرية والاقتصادية والمالية والمعارف (التربية والتعليم) ولجنة تدقيق حسابات الحكومة النهائية (الموازنة).

ولو رجعنا الى قانون المجلس الوطني رقم 26 لسنة 1995 لوجدنا ان اخر المواد (82- 86) للجان اذ اجاز القانون تشكيل لجان دائمة او مؤقتة  ولايجوز ان تزيد العضوية في اللجنة على سنتين ومنحت اللجان صلاحية وقائمة دوائر الدولة لتزويدها بالمعلومات ولها الاستعانة بالخبراء وتتولى تقديم توصيات الى المجلس ولكن القانون اشترط موافقة المرجع الاعلى لحضور موظفي الدولة امام تلك اللجان!؟.

أما في النظام الدستوري الانكليزي فان مرحلة اللجنة stage commite مرحلة مهمة من مراحل مشاريع القوانين ويوجد في البرلمان البريطاني العديد من اللجان منها لجنة (اسكتلندا) ولجنة (ويلز).

ولم يخطأ من قال ان الكونغرس الاميركي يتألف من عدد من اللجان وسبب ذلك تاريخي يكمن في ان نصوص الاتحاد الكونفدرالي وهو الدستور الذي كان نافذا قبل صدور الدستور الاميركي سنة 1787 تعطي للجان الكونغرس السلطة التنفيذية بالاضافة الى السلطة التشريعية على ان لجان الكونغرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) الحالية عبارة عن مجالس تشريعية مصغرة حيث يمكن توزيع العدد الهائل من مقترحات القوانين على هذه اللجان. وقد وصل عدد هذه المقترحات إلى عشرين الف مقترح كما يذكر (لاري ألويتز) في كتابه نظام الحكم في الولايات المتحدة الاميركية الصادر سنة 1992 وهنالك اللجان الدائمة standing commite وهنالك لجنة القواعد والاوامر Rules Commite التي تعمل كشرطي مرور كما يصفها في الكونغرس لجدولة مشاريع القوانين للتصويت عليها وتحديد الفترات الزمنية وتقرير ما اذا كان بالامكان ادخال تعديلات على المشاريع وهنالك لجنة الشؤون الخارجية ولجنة القوات المسلحة والكثير من اللجان ويحدد عدد اعضاء اللجنة على وفق تمثيل الحزب في الكونغرس الاميركي فاذا كان للحزب الجمهوري نسبة 60% في الكونغرس يكون للحزب نفس هذه النسبة في اللجنة وقد جرى العرف في الكونغرس ان يكون رئيس اللجنة من كانت له خدمة اكثر في اللجنة ولرئيس اللجنة تأثير كبير في ترويج المشروع لدى الكونغرس او تأخيره.

تتفاوت درجة الشفافية في اللجان التي تشكلها السلطان التشريعية ففي السويد تكون اجتماعات سرية وتعترف السلطة التشريعية. في (نيكاراغوا) بان الكثير من عملها يعود الى اللجان. وكان للجان في (نامبيا) التأثير الكبير في السياسة الاقتصادية وكان للجان في جنوب افريقيا الدور المهم في الاعمال الخاصة بالسياسيين وكان للجنة الزراعية في (جورجيا) الدور الكبير في خصخصة الاراضي بعد ان استمعت الى شكاوى بعض المواطنين من المزارعين. ويظهر في دولة (النيبال) الدور الفعال للجنة الحسابات حيث يشرف البرلمان على نزاهة الادارة الحكومية. ان اللجان البرلمانية تمثل ما يطلق عليه بالمطبخ السياسي Policy Kitchenلان الاصل ان البرلمان يقدم على ما طبخته له اللجنة البرلمانية. وبالاضافة الى اللجان الدائمة قد يشكل لجان خاصة او عامة Adhoc اما لجان الاستماع فهي لجان خاصة للاستماع الى اقوال اطراف متعددة وآرائها في موضوع معين.

واذا كانت اللجان ملزمة بتقديم تقرير الى مجلس النواب (السلطة التشريعية) فانها احيانا تقدم تقريرا للرأي العام. وتتنوع البرلمانات في سلطة اللجان التي تشكلها فهي قد تكون واسعة نحو ما رأيناه في الكونغرس الاميركي فانها قد تكون ذات سلطة محدود كما هو حال اللجان التي تشكلها الجمعية الوطنية الفرنسية وفي عدد اللجان فان السائد ان تكون من (13- 25) لجنة واذا كان عدد اللجان في الكونغرس الاميركي هو (22) لجنة دائمة فهنالك (118) لجنة فرعية. واذا كان الاصل ان اجتماعات اللجان تتم اثناء الفصل التشريعي وقد حدده الدستور الجديد بثمانية الشهر في كل سنة. فان اللجان الموجودة في اكثر البرلمانات تقرر جواز عقد اجتماعات اللجان خارج الفصل التشريعي ايضا كما هو حاصل في انكلترا واميركا وايرلندا وفرنسا والبرتغال ومصر وفلسطين. واذا كانت الاكثرية من اللجان تعقد اجتماعاتها بجلسات خاصة فان القليل من اللجان يعقد جلسات مفتوحة يحضر فيها الجمهور كما هو حاصل في اميركا والمجر و(كوستاريكا) والسائد في الدول الاخرى هو تزويد اللجان بالوسائل التي تمكنها من القيام بواجبها بشكل كامل ربما يؤدي الى اثراء عملها عن طريق تزويدها بالمعلومات والوثائق والدراسات والابحاث والبيانات الخاصة بالموضوع الذي تتولى اللجنة دراسته. واذا كان ذلك ما جرى عليه العمل في الدول التي سبقتنا في العمل الديمقراطي فالاولى بمجلس النواب العراقي اعتمادها لاسيما انه يوافق احكام الدستور الجديد وبما يحقق الهدف وهو العراق الوطن والعراقي المواطن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-11-5-2006