حذار الحـرب الأهليــة مقدمة للتقسيم فالحل في :

                                                              إنقاذ الديمقراطية من التشويه والشلل

 

 

 ترجمة عادل حمود

 

التقسـيم أم الحـرب الأهليــة

في حين يناضل الجيش الأميركي لمواجهة العنف الطائفي المزمن في العراق يجد ضباط الجيش والخبراء الأمنيون انفسهم في خضم جدل قوي حول الفكرة التي كانت مرفوضة على نطاق واسع قبل أشهر باعتبارها فكرة متطرفة .

هذه الفكرة تقول أن الطريقة الاكثر ثباتاً، بل وربما كانت الوحيدة لجلب الاستقرار الى العراق، هي تقسيم هذا البلد الى ثلاثة أقسام . الذين يرون ان فكرة تقسيم العراق باتت اكثر قبولاً يبنون فكرتهم على ان فصل الشيعة والسنة والاكراد يمكن ان يكون الحل الوحيد لمجابهة العنف الذي اخذ يداني في مستوياته الحرب الاهلية، في حين يجادل آخرون بأن ذلك قد يقود الى ظهور تحديات جديدة وخطيرة بالنسبة للولايات المتحدة ليس اقلها ان تجد القاعدة بان الامر امسى اسهل لها لبناء مقر عملياتي جديد في العراق المجزأ .

في كتابه الجديد يقول احمد هاشم، وهو احد خبراء التمرد العراقي وأستاذ في الكلية البحرية الحربية الأميركية سبق له أن خدم لفترتين في العراق بصفة جندي احتياط، أن خيارات الحكومة الأميركية في العراق تبقى تتقلص إلى أن تنتهي إلى أحد خيارين هما :

السماح بحدوث الحرب الأهلية، او تفادي هذه النهاية المحزنة من خلال إجراء شيء من التقسيم . وإجراء تقسيم مثل هذا  للبلد هو " الخيار الذي يمكن ان يسمح لنا بالمغادرة بشرف " على حد قول الكاتب في كتابه " التمرد والرد على التمرد في العراق ".

وكان المسؤولون في ادارة بوش قد عبروا عن الارتياح والتفاؤل منذ ان انهى الساسة العراقيون مأزق الاربعة اشهر باختيارهم في الشهر الماضي السيد جواد المالكي رئيساً للوزراء . فهذه العلامة السياسية الفارقة بالتلازم مع التدريب المستمر للقوات الامنية العراقية هما حجر الزاوية في سياسة الولايات المتحدة وهما مفتاح بناء عراق موحد ومستقر .

في ذات الوقت اقنع العنف المستمر في البلد بعض المحللين بان خيارات الولايات المتحدة في العراق تضيق ، بينما يتضاءل تأثير الولايات المتحدة داخل البلد وصبر الجمهور في الولايات المتحدة حول الحرب .

والحقيقة الجوهرية في العراق هي ان هجمات المتمردين التي تطال الشرطة العراقية وقطعات الجيش مستمرة على حالها، حسبما يقول جيفري وايت المحلل السابق في وكالة الاستخبارات في وزارة الدفاع الأميركية لقضايا الامن في الشرق الاوسط . وهو يضيف : " هنالك قمم ووديان . والعملية تمضي صعوداً ونزولاً ، ولكن الذي يبدو هو أنها تتنامى مع الوقت " . ويقول وايت ان الفترة الأخيرة شهدت انفجاراً مفاجئاً لهجمات مباشرة واسعة النطاق مثيرة للقلق على مراكز الشرطة العراقية ومخافر الجيش حيث ضم بعضها 50 مقاتلاً . ويقول السفير السابق جيمس دوبنز والخبير في شؤون حفظ السلام أن هدف السياسة الأميركية في الوقت الحالي يجب ان يكون منع البلد من الانزلاق الى حرب اهلية شاملة واسعة النطاق . ويواصل قائلاً : " لقد ذهب امتيازنا الاقتصادي بالفعل ، وامتيازنا العسكري آخذ بالضعف ." لذلك فهو يدعو الى حملة من الدبلوماسية الاقليمية اكثر تكثيفاً من قبل المسؤولين الامريكيين .

وهناك اخرون يقولون أن الوقت قد فات على طلب المساعدة في منطقة تتسم حكوماتها بوجه عام بالعداء للاهداف الأميركية في العراق .

ويقول الكولونيل المتقاعد تي اكس هامس الخبير في شؤون مجابهة التمرد والذي عمل في تدريب القوات الامنية في العراق: " إنني اتفق مع احمد فيما قاله، فالعراقيون يأخذون مواضعهم استعداداً لحرب اهلية . لذلك كان على الولايات المتحدة أن تفكر في " تقسيم سلس " للبلد من خلال عملية منظمة ومدروسة بدل أن يحدث ذلك من خلال العنف . والحرب الأهلية الشاملة لا تعرض القطعات الأميركية لمزيد من الخطر فحسب ولكنها قد تنتشر االى البلدان المجاورة لتشيع الفوضى في سوق النفط العالمية . وعلى الضفة الاخرى من الجدل هنالك مطلعون في الشأن العسكري يعتقدون ان تقدماً مضطرداً يتم احرازه في العراق على الرغم من كل أعمال العنف والمعوقات .

ويقول الكولونيل جيمس اي غافريلس ضابط القوات الخاصة الذي شارك في اجتياح العراق والذي يعمل الان على المسألة العراقية في هيئة الاركان الأميركية : " أنا لا أتفق في أن هنالك خيارين لا غير، وخصوصاً الخيارين المذكورين : الحرب الاهلية او تقسيم البلد . ويضيف أن السماح بحدوث حرب اهلية او تقسيم العراق سيكون اقراراً بالفشل وهو امر غير مطلوب في الوقت الحالي . ويقول غافرليز وهو يشير إلى انه إنما يعبر عن رأيه الشخصي : " ان احتمال نشوب حرب اهلية قائم ولكنه ليست بالعمق الذي يزعمه البعض، فنحن لم نر مؤشرات على حرب اهلية شاملة او هجرة جماعية او انهيار سياسي ." ويجادل غافرليز بوجوب الاستمرار في التشديد على الثورة الديمقراطية والتي يعتقد انها تغير العراق .  ويشاطر غافرليز الرأي غاري اندرسون الكولونيل المتقاعد الذي كان مستشاراً للبنتاغون في شؤون التمرد في العراق والذي يعتقد ان على الادارة الأميركية البقاء ضمن المسار الذي تسير فيه مضيفاً : " اعتقد ان تقليل مساهمتنا مع الاستمرار في زيادة القوات الامنية التي تدين بالولاء للحكومة المركزية بدلاً من الطوائف هو الطريق الذي يجب ان نسلكه . ولكن هذا اسهل قولاً منه فعلاً ."

وقد رفضت القيادة المركزية الأميركية التي تشرف على العمليات العسكرية في العراق والشرق الاوسط تعيين ضابط ليتم اخذ رأيه حول القضايا المطروحة في هذا المقال .

ان تنفيذ تقسيم مخطط له في العراق يمكن ان يكون اصعب مما يبدو كما يقول ضابط يخدم الان في العراق، وهو يقول : " انها طريقة سهلة وغير متعبة لمنع العنف الطائفي . وعلى اي حال فإنها لن توقف أعمال التسلل والعنف ومن الممكن أن تنتج عنها ببساطة معسكرات مسلحة قد تسهم في نهاية الامر في اندلاع حرب تقسيم شاملة ."

ان منع مذابح عرقية وطائفية من قبيل تلك التي حدثت في عام 1947 لدى تقسيم الهند وباكستان قد يتطلب استثمارات ضخمة على صعيد الوقت والمال من الصعب الحصول عليها في غضون اربع سنين من الحرب ، كما يقول هامس الذي يضيف : " سوف يتوجب علينا ان نطور ونوجد وكالة استبدال لنقل العوائل واعادة توطينها وهو امر مستنزف للقوة البشرية والخبرات المدنية ."

ويواصل هامس بيان وجهة نظره فيقول انه يتوقع بسبب هذه العوائق ألا تكون الحكومة الاميركية قادرة على تدبر أمر انفصال ما عن العراق ويرى ان المحتمل اكثر هو حدوث انقسام " قاس " للعراق يأتي من خلال الحرب الاهلية حيث يقول : " ان ذلك سينشر الاضطراب الى السعودية وبلدان الخليج الاخرى ."

ويرى اخرون ان تقسيم العراق بحد ذاته اضغاث احلام لانه لن يحل المشاكل الجوهرية التي تعصف بالبلد .

ويقول الكولونيل جوي رايس معبراً عن رأيه الشخصي : " ليس هنالك من سبيل في ان ينجح تقسيم العراق " ، مشيراً الى ان بغداد مدينة مختلطة وأن " اكبر المدن الكردية في العراق هي بغداد واكبر المدن الشيعية هي بغداد واكبر المدن السنية هي بغداد " . ويضيف بانه سيكون من الصعب تقسيم الكنز العراقي الاكبر - أي النفط - بطريقة تجدها المجموعات الثلاث الرئيسية مقبولة . علاوة على ذلك فإنه في حالة حدوث التقسيم قد يكون هنالك العديد من العواقب غير المرغوب فيها من قبيل نشوء دولة سنية مصغرة معادية للأميركان تنتهج خطاً متشدداً وتمنح القاعدة ملاذاً امناً جديداً ، بحسب ما يقوله مايكل غويغلي الخبير السابق في شؤون الارهاب في وكالة الاستخبارات في وزارة الدفاع الأميركية .

أما اكثر وجهات النظر تطرفاً، والتي يبدو الان ان ليس لها سوى قلة من المناصرين في المؤسسة العسكرية الامريكية، فهي تلك التي تقول أن على الولايات المتحدة أن تتراجع وتسمح بحدوث حرب اهلية . وترى وجهة النظر هذه ان الولايات المتحدة قد خلقت وضعاً ثورياً عندما اجتاحت العراق وجلبت بذلك انتقالاً كاملاً للسلطة من سنة البلد الى شيعته !!!. لذلك فان الحرب الأهلية أمر لن يمكن تفاديه وفقاً لوجهة النظر هذه، بل أنها عوضاً عن ذلك جزء ضروري من عملية تغيير العراق .

وقد كان احد الضباط الذين عبروا عن وجهة النظر هذه جهاراً هو الميجور اسياه ويلسون  الذي تسأل في مقال نشر على الانترنت في الشهر الماضي قائلاً : " هل نعطي الحرب الاهلية فرصة في العراق ؟ " وكان جوابه : " نعم، ربما ، إذ ربما يكون صراع مثل هذا هو ما نحتاج إليه لإنقاذ البلد. " ويواصل مضيفاً : " بالنسبة للعراق، بكل ما فيه من مفارقات وبعد عن المنطق، فإن المستقبل الحقيقي والمقبول قد يتأتى من تداعيات حرب اهلية مبنية على اساس طائفي نكون قد بذلنا جهدنا في ســبيل منع وقوعها.

وكل ذلك بحسب المصدر نصا ودون تعليق.

المصدر: الصباح نقلا عن واشنطن بوست-6-5-2006