الشفافية في مرحلة البناء الديمقراطي

 

 

عبد العظيم جبر حافظ

 

تناهى الى سمع المجتمع العراقي بشكل عام بعد انهيار النظام السياسي السابق، عدد من المفاهيم السياسية والاجتماعية والتي كانت غائبة او مغيبة عن المشهد السياسي والاجتماعي العراقي، مثل الديمقراطية، والنظام السياسي الديمقراطي، والمجلس النيابي، وغيرها ذات الصلة بموضوعة الديموقراطية. ويعود غياب تلك المفاهيم الى هيمنة النظام السياسي الشمولي الذي تميز بنظرته الحزب الواحد والايديولوجية الواحدة، والهيئة السياسية الواحدة التي تحتكر السلطة السياسية بيد واحدة بمعنى ان السلطة التنفيذية والتشريعية كانت بيد شخص رئيس الدولة فهو الذي يقوم بصنع القرار السياسي ويرسم السياسة العامة للدولة بدون مشاركة قطاع كبير من الشعب، بمعنى اخر غياب وتغييب دور الشعب.

ومن هذه المفاهيم الشفافية التي ترتبط بموضوعة الديمقراطية والنظام السياسي الديموقراطي.

فان مايميز الديموقراطية والنظام السياسي الديمقراطي عن النظام السياسي الشمولي هو ارتباطها بالشفافية.. فماهي الشفافية وما علاقتها بالديموقراطية ومن ثم بالنظام السياسي الديمقراطي؟؟

 الشفافية لغة من الفعل” شفف “ فنقول”شف عليه ثوبه، يشف، شفيفاً ، اي” رق “ حتى يرى ماتحته وثوب شف” بالكسر والفتح “ اي” ثوب رقيق “ اما الشفافية” اصطلاحاً “ هي عمل يتخذ بعدم احتجاز او كتم الاسرار، اي تصبح علنية.وعند الحديث عن الديموقراطية بالشفافية.

ولان الديمقراطية ترتكز فكريا على الحرية والفردية والعقلانية والطبيعية، فيصبح من المنطقي ان يلجأ النظام السياسي الديموقراطي الى تقرير واعتراف وكفالة وحماية الحقوق والحريات العامة والخاصة، مثل حرية الرأي والتعبير والتفكير والصحافة والاجتماع والمعارضة السلمية والتأليف والنشر “ وفي حق الاختلاف ضمن اطار دولة” المواطنة “ بغض النظر عن الانتماءات القومية والدينية والفكرية، في ظل من التنافس السلمي لادارة التعارضات والمصالح المتضاربة، بمعنى ان الديموقراطية هي حل لادارة الاختلاف وحل لاشكالية السلطة. بما ان النظام السياسي الذي يتبنى الديموقراطية منهجاً سيفرز حتماً حكومة منتخبة بطريقة الانتخابات ديموقراطيا بمعنى ان الشعب هو الذي سيقوم بعملية الاختيار” Choose “ لان الانتخابات هي الاختيار “ وان الحكومة بكونها السلطة التنفيذية، التي تقوم بادارة شؤون المجتمع والدولة، تولد من رحم المجلس النيابي الذي هو ممثل للشعب” نيابيا “ وكون الشعب دستوريا هو مصدر السلطات فيتوجب ان لايحجز ويكتم اي شأن من الشؤون عن الشعب “ ،سواء كان البلد في حالة الحرب او سلم، لان كل هذه الشؤون الداخلية والخارجية هي مرتبطة صميمياً بحياة الناس، فلا يجوز ان تنفرد السلطة السياسية بأي امر او قضية بدون المشاورة والمشاركة الواسعة واستحصال القرار الجمعي دستورياً وقانونياً بأتباع آليات ووسائل عقلانية متفق عليها ان هذه المقدمات العامة لاتنطبق على شأن خاص، بل تشمل كل شؤون  المجتمع عامة، لانها تهم بالصالح العام للمجتمع، لكونه الديموقراطية هي حكم الشعب .. وفقاً للمفهوم التقليدي، وبما ان السلطة التنفيذية” الحكومة “ هي التي تقوم بادارة شؤون المجتمع، فهي لم تأت ـ وفقاً للنظام الديموقراطي عن طريق القوة” العنف “ بل عن طريق الية الانتخابات سلمياً، التي ارتضاها وقبلها الشعب بالنيابة عنه للقيام بدور تصريف وادارة المجتمع فعليه ان لاتتصرف هذه السلطة بأي وجه من الوجوه في حالة من غياب الشعب، بل تعرض عليه اغلب القرارات والقوانين والاتفاقيات ذات الصلة بحياة الانسان المرتبطة بحاضره ومستقبله، وفي ماعدا ذلك سيكون الحديث عن نظام سياسي غير ديموقراطي.

 اذن الشفافية هنا، مهمة يقوم بها الحاكم السياسي والسلطة التنفيذية في النظام السياسي الديموقراطي، ليكونه الشعب على اطلاع مستمر وتزويده بالمعلومات الكافية لتسهيل مهمة المواطن في اختياراته ومعرفة شؤون مجتمعه وسلطته وعدم حجب المعلومات عنه.

من هنا، يمكن ان يثار سؤال. ما علاقة الشفافية بالديموقراطية؟

ان انفتاح الحكومة” السلطة التنفيذية “ قضية مهمة في النظام السياسي الديموقراطي لانه لايمكن الزام المواطنين ـ على اختلاف مراكزهم ومسؤولياتهم الوظيفية ـ بالمسؤولية، ولايمكن ان يكونوا خيارات مبنية على المعرفة سواء كانت في الانتخابات او غيرها اذا لم تتوفر لديهم معلومات دقيقة حول نشاط الحكومة ونتائج سياساتها، وبرامج الاحزاب السياسية، وتاريخ حياة الاشخاص القائمين عليها، وينبغي عد امكانية الحصول على تلك المعلومات حقاً للمواطنين ولاجهزة الاعلام ايضا. وبما ان المواطنين الناخبين الذين يدفعون ويتحملون ثمن استمرارية الحكومة في عملها لذلك يجب ان يعرف كيف تنفق الاموال وما يتخذ من سياسات عامة، وقد يكون تحقيق ذلك من الصعوبة بمكان غير ان هذا الامر ـ فضلاً عن كونه حقاً للمواطنين فهو يسهم في فعالية الحكومة وادائها بما يؤمن دور جديد لصالح المجتمع عبر ابداء واظهار النقد لها، ويتم ذلك من خلال كشف الهدر في المال العام وفي كشف الفساد الاداري وتقديم الحلول والبديل. وفي تحديد الاخطاء والاخفاقات على المستويات كافة قبل استفحالها ولحماية الحريات المدنية.

 اذن، اذا كانت الحكومة في النظام السياسي الديموقراطي تقوم بذلك الانفتاح والشفافية، فماهي مظاهر هذا الانفتاح والشفافية؟؟ ان للشفافية اربعة مظاهر.

الاولى هو ما توفره الحكومة نفسها من معلومات واقعية حول سياساتها ابتدأ من شرعيتها السياسية، ونتائج سياساتها التطبيقية وتكاليفها والاسس التي تحكم عملها.

والثاني: يتمثل في حرية وصول الافراد والصحافة، الى الوثائق الحكومية بصورة مباشرة او غير مباشرة من خلال المجلس النيابي، ويتضمن هذا امكانية وصول الافراد الى الملفات الشخصية التي تخصهم.

والثالثة: في علانية الاجتماعات للمواطنين والصحافة حيث يمكن لهذا الاتجاه ان يمتد من المجلس النيابي ولجانه الى محاضر جلسات الهيئات التي تمولها الجهات الرسمية، واجتماعات الحكومة المحلية.

والرابع : يتمثل في المشورة المنهجية التي تجريها الحكومة مع ادارة المصالح المختصة في صياغة السياسة وتنفيذها ونشر المعلومات والنصائح التي تقدم في هذا المجال.

غير ان لهذه الظواهر، ولتعقد الحياة السياسية الداخلية والخارجية، تطرأ عدة استثناءات على مظاهر الشفافية تتصل بموضوعة الامن الوطني الداخلي والخارجي، فقد تحجب معلومات من الممكن ان تكون” سرية “ مداولات مجلس الوزراء تهتم بأمن المواطن والوطن التي يقدر ان الاعلان عنها قد يعرض الدولة والمجتمع الى خطر، بما فيها سلامة النظام الديموقراطي، او التوصيات السياسية التي يقدمها المعنيين الاختصاصيين الى الوزراء. او ثمة اسرار تجارية وملفات شخصية قد لايجوز اعلانها، الا لافراد محددين معنيين بهذه المسألة او تلك اذن كيف يتم ضمان الشفافية واستمراريتها؟

 يمكن ضمان ذلك عن طريق تشريع يقضي بضرورة انفتاح الحكومة وشفافيتها بالحصول على المعلومات بحرية.

 ان الشفافية والانفتاح كمفهوم هو اوسع بكثير من مجرد حرية المعلومات، انه يشمل امكانية تقبل الوزراء المناقشة وتبرير سياستهم علانية، ودرجة التزام الحكومة باستشارة الشعب في رسم سياستها وتنفيذها. ان الالتزام بالمشورة والاستشارة يتطلب تشريعاً يغطي مسائل مثل المقاييس الزمنية اللازمة والاجراءات الاساسية للمشارة ونشر دليل عن الاحزاب السياسية. ان هذه العلانية تشكل استعداداً للاستماع، وتتيح حرية الوصول الى معلومات دقيقة.

وفي حالة العراق، وهو في خضم التحول الديموقراطي يفترض ان لايكفي الكلام عن الشفافية بدون فهم واضح وصريح، فالحق يقال إن شرائح من المجتمع العراقي سواء كان في السلطة او خارجها لايكون جيداً فحوى الشفافية،” وهذا ليس عيباً او نقداً جارحاً “ لان الشعب العراقي قد عاش عقوداً طويلة في ظل انظمة سياسية غير شرعية. عملت جاهدة على اخفاء وحجز كل المعلومات عن اي شأن من شؤون المجتمع ـ لان في كشفها للعلن يمثل بداية لانهيارها فقد اعلن النظام السياسي السابق الحرب على ايران وغزا الكويت فهل شارك المواطن العراقي في صنع هذا القرار؟ بالطبع” كلا “ !! وهل اشترك المواطن العراقي في مناقشة ميزانية الدولة وانفاقها وتخصيصاتها في عهد النظام السياسي السابق؟ بالطبع” كلا “ ايضا “ !! لقد كان النظام السياسي السابق يفكر ويقرر بديلاً عن الشعب ويريد من الاخرين اطاعته طاعة عمياء دون الكشف عن اية معلومات يستطيع الانسان العراقي من خلالها الوقوف على رأي معين، وعليه فان النظام السياسي السابق لايمتلك اي شفافية!!

وبما ان العراق وفي ظل التغيير السياسي الجديد يتوجب على المواطن والسلطة السياسية ان تعي جيداً موضوعة الشفافية وصلتها بالديموقراطية والنظام السياسي الديموقراطي، وان تضعها موضع العناية والتطبيق وان يسعى المواطن الى المطالبة بها كتشريع دستوري وبخلاف ذلك سيشكل تهديداً للديموقراطية والنظام السياسي الديموقراطي...

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور

المصدر: جريدة الصباح-3-5-2006