هلْ سنشهـد إنهيارات أخرى في أسواق المال الخليجية والعربية ؟

- 2-

 

 

المـهنـدس جـمال حـيـدر

 

هناك ملاحظات حول أسواق المال والبورصة منها :

1- بعض المنظرين الإقتصاديين يعتقد بأن تلك الأسواق يمكن أن تكون ايضا وسيلة من وسائل إعادة توزيع الثروة غيرالمباشرة فى المجتمع او تنظيم إعادة التوزيع هذه حتى ضمن أليات السوق ، وذلك على طريق إعادة هيكلة الإقتصاد والتي تؤثر في السياسة لا محالة إن لم تكن هدفاً سابقاً والإنهيارات المتعددة المتكررة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ 24 أكتوبر 1929 و ما تبعها تؤكد ذلك الى حد ما.

2- هناك خلاف  بين بعض اخصائي الإقتصاد السياسي من جهة ونظراءهم في السياسة من جهة ثانية ولا سيما المهتمين بالديمقراطية ( سيادة الشعب ) حيث يزعمون بان الطبقة الوسطى إقتصادياً هى أكثر الطبقات التي تنعش الديمقراطية والإصلاح تأسيساً وإستمراراً لوعيها و تحررها من هموم لقمة الخبز وشظف العيش وعدم إنغماسها في المساوئ غيرالذاتية للرأسمال الكبيروعاداته وتقاليده وتطلعاته، ولذلك يصرون هؤلاء الاخصائين على إيجاد وخلق الطبقة الوسطى والمحافظة عليها لتدعيم الديمقراطية ويؤكدون على تطعيم اسواق رأس المال والبورصة و بحوافز وموانع متوافقة مع اليات السوق تضمن عدم إنجرار الطبقة الوسطى الى اسواق المال والبورصة لعدم إنشغالها بذلك  لتحاشي تأكلها عند ما تخسر فتتراجع لتصبح ضمن الطبقة دون الوسطى اوالفقيرة ، و الحيلولة دون قفزها الى الطبقات فوق المتوسطة التي لا تهتم كثيراً بالديمقراطية بصورة جدية لتعارض مصالحها مع الديمقراطية .

وفي نفس الإتجاه يؤكدون على مسائل اخرى فيما يخص الطبقات دون الوسطى الذين يشكلون النسبة العظمى من صغار المشتمرين في اسواق المال والبورصة وهم الذين يخسرون عادة اكثر من غيرهم في التقلبات و الإنهيارات الخاصة تبلك الأسواق ، و مما يؤكدون عليه يصب في عدم تحفيزالطبقة دون المتوسطة على الإستثمار في هذه الأسواق إلا في ظل تشريعات و قوانين متوائمة مع اليات السوق تضمن حمايتهم لأنهم لو ربحوا يمكن أن يشقو الطريق الى الطبقة الوسطى فيتم تدعيم الديمقراطية لما سبق وهو المطلوب لهؤلاء ولان الطبقة الوسطى تموت وتنقرض مع إنعدام مواليد جدد ينضمون إليها ، و لو خسروا يحدث العكس ربما وينتشر الفقر الذي يضرب الديمقراطية و سيادة الشعب و ربما يمهد لمسّ السيادة الوطنية أيضاً ، هذا وربما يكون الدافع لحماية الطبقة دون المتوسطة عند مشاركتها في الأسواق المذكورة يتمثل عند اخرين في الدفاع عن العدالة والإنصاف وتكريس حلية المعاملات وما نحو ذلك ، ولضمان تلك الحماية ولدت هيئة المستثمرين المستقلة في اسواق المال المذكورة كما تأسست الشركات الحاضنة وما شابه ذلك لحماية و تدعيم أداء المستثمرين الصغار الذين يصرون لسبب او لأخر على المشاركة و الدخول في اسواق المال والبورصة الخطرة بالنسبة اليهم مقارنة مع الغير .

بناءا على ما تقدم ولأن الثورة المضادة ضد الديمقراطية والإصلاح في الشرق الوسط اخذت طريقها الى الذورة مؤخراً بعد التجربة العراقية وغيرها ، ولأن الصراع على المصالح اصبح مريراً وخطيراً وكبيراً و هو مرشح للمزيد من الخطورة والإشتباك والتداخل فيجب ان لا نغفل إنعكاسات ذلك على اسواق المال والبورصة ولا ننسى إحتمال إرتفاع المغامرة فيها لأنها مرشحة و بقوة كي تكون وسيلة لذبح الدمقرطة والاصلاح عند البعض المعارض لهما كما يمكن ان تستخدم وسيلة لفرض الدمقرطة والاصلاح لتحقيق المصالح  الكبيرة المتشابكة التي تغذي وتشعل الصراع الدولي ، فهذه الأسواق يمكن ان تكون ايضا سلاحاً بيد المعارضين للدمقرطة والاصلاح ولا سيما بعد ارتفاع اسعار البترول للنيل من سيادة الشعب كما يمكن ان تكون سلاحاً بيد منْ  يدافع عن الدمقرطة والإصلاح للدفاع عن مصالحة وخططة واهدافه وربما على حساب السيادة الوطنية المتأثرة اصلا بالعولمة ونتائجها ولا سيما بعد وضوح إشكاليات الخيار العسكري البحت ، والخلاصة ان العاملين المتقدمين في النقطة الأولى والثانية تؤكد على توخي الحذر في الدخول في هذه الأسواق على الأقل على المدى القصير .

3- إرتفاع اسعار البترول ومقاربتها لسقف الـ ( 75 ) دولاراً و تكهنات البعض ببلوغها المائة دولار وربما المائتين ( ! ) مع التصعيد القائم في الملف النووي الإيراني ة هذا من شأنه أن يوفر سيولة كبيرة يمكن ان ترفع الطلب على الأسهم ولما كان العرض محدوداً فأسعار الأسهم سترتفع دون خلفية إقتصادية وإقتصاد متنامي سليم قادرعلى استيعاب تلك السيولة .... اي يخلق قيم سوقية كاذبة للأسهم لابد لها ان تتراجع وتصحح مستقبلاً ، وهذا الخطر لا يمكن تجاوزه إلا بأستثمار السيولة الجديدة في مشاريع إقتصادية مثمرة وعرض سهامها في الاسواق لخلق توازن بين العرض و الطلب ، وهذا الحل حتى لو كانت تريده الدول  التي حصلت على المزيد من السيولة فهو ليس متاحاً على المدى القصير ، وهذا يقود ايضاً الى التحوط من اسواق المال و البورصة .

طبعاً ارتفاع السيولة الكبيرالمفاجئ يوفر فرصة وإمكانات لمعارضي الديمقراطية والإصلاح من انظمة واجنحة داخل الانظمة لتصعيد الهجوم على الدمقرطة والإصلاح عبر ما تقدم في النقطة الأولى والثانية إضافة الى توفير الميزانيات والأموال الكبيرة المطلوبة لممارسة صراع المصالح على حافة الهاوية والمعروف بسياسة حافة الهاوية وحتى مع غض النظر عن تمويل الإرهاب ، وإحتدام صراع المصالح المذكور وإستقواءه بالسيولة النفطية فان ارتفاع السيولة لارتفاع اسعار النفط يدفع الخصم المقابل للتفنن على طريق إمتصاص السيولة هذه لانها يمكن أن تقصم الظهر فى الصراع علاوة على انها مؤذية ومضرة باقتصادياته ويمكن ان تكون اسواق المال والبورصة هي المدخل مستقبلاً ولذلك تصاعدت الصرخات لوضع خطط لخفض اسعار النفط لضمان الإنتصار في الصراع الدولي المحتدم الأخير بل اكثر من ذلك يجب أن لا نستبعد فكرة اللجوء الى اسواق المال والبورصة لخلق الفوضى الخلاقة التي يراهن عليها ويعمل البعض طبقاً لها فالإنهيارات الكبيرة في تلك الاسواق يمكن ان تخلق فوضى اكثر من خلاقه ( ! ) ودون حاجة الى الرهان على الخيارات العسكرية المكلفة التي يعارضها الرأي العام . وذلك يكون ميسراً بعد إمتصاص نسبي لفائض السيولة وأثارها عبر طرق عديدة منها الإستمرار في خفض قيمة الدولار، و لجوء السعودية هذا اليوم بعد الإنهيارات والخسائر التي وقعت في أسواقها المالية الى خفض اسعارالبنزين والمشتقات النفطية للمستهلك السعودي الى اكثر من ( 30 ) في المائة  يعكس الخطورة والمحاولة لإمتصاص النقمة . 

4- الخفض المستمر لقيمة الدولار لا ينحصر في السبب المذكور في البند الثالث بل له اثاره الكبيرة المتعددة على اسواق المال والبورصة في اميركا والعالم ، وهناك اكثر من حول هذا الموضوع في الموقع فراجع، وإستمرار الخفض في الدولار يؤكد ضرورة الحيطة و الحذر في الدخول في الاسواق المذكورة حالياً .

5- غياب التحليلات والدراسات والإحصاءات الشفافة وبالتالي المعالجات الجذرية لما وقع من خسائر تقدر بـ ( 300 ) مليار دولار و خلال شهرين في البورصة الخليجية نصفها في السعودية ، طبعاً الخسارة هي من القيمة السوقية  ، ذلك الغياب إضافة الى كل ما تقدم يدعم ضرورة التعامل الحذر مع هذه الأسواق لانه في ضوء ذلك لا نستبعد تكرار المأساة ولا سيما مع إصرارالبعض على إجراءات  تقود الى إغراق اكبر قطاع من المجتمع و بصورة مكشوفة غير محمية في لعبة أسواق المال والبورصة بهدف الإشغال والتلهية كمدمنين يخسرون منتظرين التعويض الطويل الأمد وغير المباشر مثل خفض اسعار البنزين الذي اشرنا اليه اوزيادة الرواتب  ... انها تصب ومهما كان القصد نبيلا في خلق جيش اخر مثل الموظفين لكنهم مدمنون على هذه الأسواق ويخرجون غالباً خاسرين منتظرين بعض التعويض من الحكومة ، و هذا يعني الإضعاف لهؤلاء و ربط مصيرهم بمصير الحكومات و إجراءتها بعد خسائر هؤلاء في أسواق المال و البورصة .

والخلاصة ان اسباب الخسائر والإنهيارات في اسواق المال و البورصة عديدة ومتنوعة وهي تختلف عن دولة واخرى فاحياناً ترجع الى البنية الإقتصادية اوالتخطيط الإقتصادي اوالى الحواضن المطلوبة لتلك الأسواق اوالى النوايا والأهداف الاقتصادية وغيرالاقتصادية مما ذكر ، ولهذا و للسبين المذكورين في البند الأول والثاني لابد من تحاشي الوقوع في فخ القياس بين إنهيارات اسواق المال والبورصة  المتعددة المتكررة في اميركا منذ 1929 م و لحد اليوم والأزمات المشابهة في اسيا واروبا وما شاهدناه من قبل  في سوق المناخ و مؤخراً في الأسواق العربية و الخليجية ، فالأسواق هذه سلاح ذو حدين و بيد الخصمين ومع تصاعد الصراع و إقترابه من الذوروة لابد من الإحتياط والحذر من التعامل مع هذه الاسواق على المدى القريب جداً للدخول فيها بحذر شديد فيما بعد إنجلاء الغبرة عن ساحة المعركة والتفكير في إرشاد الناس على كيفية دخولها لتقليل إحتمالات الخسارة والتخطيط والعمل والإستشارة للدخول فيها كشركات حاضنة اوعبرها . وهناك مجموعة من التوصيات قيد الإعداد للنشر في الموقع لترشيد اداء المستثمرين في هذه الأسواق لتقليل الخسائر والموضوع كله بحاجة الى المزيد من الدراسة .

 

 

هلْ سنشهـد إنهيارات أخرى في أسواق المال الخليجية والعربية ؟ -1-◄◄◄