مردوداتها الاقتصادية كبيرة تنعش الاوضاع الاجتماعية

 

د. غزوان هادي

 

 

الصناعة السياحـة في العـراق رؤى مستقبلية

اصبحت السياحة مصدرا اقتصاديا مهما من مصادر الدخل القومي بل تعتبر المصدر الاساسي والاول  للعديد من الدول في العالم وسياسيا تنقل البلد من حالة العزلة الى آفاق العالم الرحب وما يترتب على هذا الامر من تأثيرات وانعكاسات على صناعة القرار السياسي في هذا البلد او ذاك وتحقق السياحة تلاقحا مهما للثقافات بين الشعوب والدول والحضارات مما يؤدي الى تمازج ثقافي فضلا عن رفع المستوى اللغوي واجتماعيا توفر السياحة حالة من الانفتاح على العادات والتقاليد الاجتماعية وسمات المجتمع ككل فتقدم لنا مجتمعا منتعشا اقتصاديا ومستقلاً (نسبيا) سياسيا وعلى قدر عال من الاطلاع على الثقافات مع اجادته لاكثر من لغة عالمية حية فضلا عن انفتاحه الاجتماعي فهو ليس بحبيس عاداته وتقاليده الاجتماعية التي قد تدفعه باتجاه لا يخدم تطوره ومن خلال ذلك يمكننا النظر الى السياحة كأفق مستقبلي. اقتصاديا تعد السياحة مصدرا مهما ومستمرا من مصادر الدخل القومي لخزينة الدولة يتجاوز في كثير من البلدان مجموع ما توفره مصادر الدخل الاخرى من نفط وتجارة وصناعة وثروة حيوانية...الخ، فالسياحة في العراق تتمتع بمؤهلات لم يمنحها الله (سبحانه وتعالى) لاي بلد اخر فالسياحة بأوجهها الثلاث (الدينية- الآثارية والجمالية) متوفرة في العراق بأبهى صورها واعلى درجات الجذب السياحي، فالعراق يوصف بانه بلد الانبياء والاولياء والعراق تروي كتب التاريخ بانه يضم بين جنباته مراقد ومقامات سبعين نبي وسبعين الف ولي وهذا ما لا يملكه اي بلد في العالم، والعراق مهد الحضارات الانسانية وهو من علم العالم اجمع الكتابة والتدوين وسن القوانين والبناء والعمران والفن والادب وشتى صنوف الثقافة وارض العراق زاخرة من شماله الى جنوبه بآثار الحضارات العديدة التي انشأها ابناء الرافدين فمن مدن سومر وبابل وآشور واكد الى مسلة حمورابي واحدى عجائب الدنيا السبع (الجنائن المعلقة) والزقورة وغيرها الكثير والعراق بتنوع اجوائه وبيئاته من الجبل والوادي الى السهل والنهر مركز جذب سياحي كبير لهواة التمتع بهبات الله (عز وجل) من الطبيعة الخلابة، فالمقبل الى العراق لا يرى جبلا وسفحا ووادياً فحسب، بل يرى سهلا ومرجا اخضر وساحلا وانهاراً وشطآناً وجزراً يعجز الكلام عن وصفها.

يتعرض صانع القرار السياسي في البلد الذي يعتمد في اقتصاده على مصدر واحد للدخل يكون عرضة الى ضغوطات وعوامل السوق والشركات المتعددة الجنسيات، ومن الدول التي تربطه واياها علاقات اقتصادية تتحول ومن ثم الى مركز ضاغط على اقتصاده وسياسته الخارجية وعلاقاته الدولية وحتى على صناعته للقرار السياسي، فقد يوصله الاعتماد على مصدر وحيد للدخل كالنفط إلى التأثير السلبي والابتزاز السياسي في سياسته الاقتصادية ورفاه شعبه واستقلاله السياسي وعلاقاته الدولية في مقابل ما تقدمه السياحة كونها مصدرا رئيسيا ثانيا للدخل القومي فانها بذلك تنقذ صناع القرار السياسي من تلك الضغوطات والابتزاز السياسي، فالسياحة غير مرتبطة بجهة ولا يحكمها سوق فهي مصدر دخل مستقل عن الضغوطات داخلي  التحكم والسيطرة بحركته ومدخولاته قابلا للتطوير والتوسيع بشكل مستمر (شبه دائمي).

تدخل السياحة الشعب في مرحلة متقدمة من التلاقح الثقافي تتجاوز حدود ما توفره وسائل الاتصال من تلفاز وقنوات فضائية (الستلايت) وشبكة المعلومات الدولية (الانترنت) لانها تجعل الشخص في تماس مباشر مع ابناء حضارات وثقافات متنوعة تربطهم علاقات اقتصادية وزمانية ومكانية تفرض عليهم التبادل الثقافي والحضاري التلقائي ففتح باب السياحة في بلد مثل العراق يدفع بحوالي 40% من الايدي العاملة فيه الى الخوض في غمار هذا القطاع الحيوي لما يدره من ارباح واجور كبيرة مما يدفع بالعاملين فيه الى الاختلاط بمختلف الاشخاص على تنوع حضاراتهم وثقافاتهم والذي يولد تلاقحا مهما للحضارات والثقافات يؤثر نسبيا على العاملين في هذا القطاع الذين قد يؤثرون على ما لا يقل عن اناس بعددهم في حجم التأثر مما يفتح الباب واسعا امام اعادة النظر بالعادات والتقاليد الاجتماعية المغلوطة الموروثة بسلبياتها واعادة النظر هذه قد تولد معها تطورا مهما في اوجه التعامل مع العادات والتقاليد الاجتماعية، كما وتوسع افق المواطن العراقي في نظرته الى حضارات وتاريخ دول العالم الذي ييسر بالتالي فهم سبل تطور هذه الشعوب ورقيها والحذو حذوها في هذا المضمار او ذاك، فضلا عما يوفره هذا الاختلاط من ارتفاع في المستوى اللغوي للمواطن العراقي بحجم التعلم للغات العالمية الحية، فالعراقي على  اختلاف مستواه الثقافي وتحصيله الدراسي يعاني ضعفا نسبيا في المعرفة والاتقان للغات العالمية الحية بسبب قلة الاهتمام التعليمي بها دراسيا واجتماعيا، ويؤدي هذا الاختلاط المتأتي من السياحة الى رفع مستوى العاملين في هذا المجال ومن ثم سعي الراغبين للعمل في قطاع السياحة الى تطوير مستواهم اللغوي، وهذا ما يعد قفزة تعليمية نوعية على المستوى العام.

كاتب ومحلل ستراتيجي

و كل ذلك بحسب رأي د.غزوان هادي في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-27-4-2006