الأبعاد السياسية لتصريحات الرئيس مبارك حول ولاء الشيعة لإيران وليس لأوطانهم

 

 

حرية التعبير عن الرأي سمة بارزة من سمات الديمقراطية الحديثة في أي بلد من البلدان، وهذه الحرية تختلف من شخص بسيط إلى شخص آخر مسؤول في دولة ما .

الأول: تحكمه ظروف وبيئة معينة وليس بالضرورة أن يكون رأيه مهماً أو مؤثراً، أما الثاني: فرأيه يمثل توجهات ورؤى وأفكار دولة وبالتأكيد سيكون حجم تأثيره اكبر، لان هذه الآراء والتصريحات هي التي توجه سير العلاقات الدولية باتجاه السلب والإيجاب، والتصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس مبارك أمام إحدى القنوات الفضائية حول ولاء شيعة العراق خاصةً وشيعة العالم عامةً لإيران وليس لأوطانهم، يمكن عدها تصريحات غير مسؤولة وغير متوازنة في الوقت ذاته، وللأسف الشديد لا تصب في مصلحة العراق خاصةًً والمنطقة بشكل عام.

نحن نعلم إن مصر لعبت دوراً عربياً وإقليمياً متميزاً، فكان لها الوجود في تخفيف حدة كثير من الأزمات سواء على الصعيد العربي أو الإقليمي، لكن اليوم نجدها بتصريحات الرئيس مبارك تتخلى عن هذا الدور بل تعمل على العكس منه تماما أي تعمل على تأجيج الأزمات بدلا من تخفيفها.

هنا نود الإشارة قبل التطرق إلى أبعاد هذه التصريحات إلى مسألة مهمة جدا ألا وهي إن التشيع لآل البيت عليهم السلام لم ينطلق من إيران، بل كان مركزه الأساس هو العراق وبعض الأمصار العربية منذ أكثر من 1390 سنة تقريبا فضلا عن إن إيران لم تتشيع لآل البيت (عليهم السلام) إلا قبل مدة ليست بطويلة نسبيا مقارنة بالتشيع العراقي، أضف إلى ذلك إن مقر القيادة الشيعية على مر التاريخ هو العراق( النجف الاشرف) وليس إيران، وبالتالي فان أصل الشيعة هم العرب، ومن غير المنطقي أن يلحق الأصل بالفرع أو الكل بالجزء.

والتساؤل هنا هل إن إيران فقط الآن موجودة ومؤثرة في العراق؟ لو تفحصنا الواقع العراقي وقرأناه قراءة حقيقية مجردة و تتبعنا تصريحات السادة المسؤولين  في العراق لتبين لنا إن العراق أصبح مسرحا لقوى دولية وإقليمية أما من يشيع أن إيران تقدم الدعم لبعض القوى السياسية الشيعية فنتساءل هنا : ألم تقدم الدول العربية أمثال سوريا وبلدان الخليج والولايات المتحدة الأمريكية الدعم لقوى أخرى؟ إذن لماذا إيران تبرز بهذا الشكل وبهذه الصورة؟ على الرغم من إن جميع الذين يتحدثون عن هذا الموضوع لهم وجود وتأثير اكبر من دور وتأثير إيران في العراق.

أضف لكل ما تقدم اتهام الشيعة بشكل عام وشيعة العراق بشكل خاص، بأنهم أناس ليس لديهم روح المواطنة وليس لديهم ولاء لبلدانهم بل ولاؤهم لإيران حسب، وهنا يمكن القول، إن الشيعة في جميع بلدان العالم ضربوا مثلا رائعا بولائهم للإسلام أولاً ولبلدانهم ثانياً، على سبيل المثال لا الحصر الشيعة في لبنان، قدموا تضحيات جسام في مقاومتهم الاحتلال الإسرائيلي حتى تمكنوا على إجباره على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، واليوم هو احد الأركان الأساسية المساهمة في تعزيز أمن واستقرار لبنان، ان الشيعة في العراق منذ بداية تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ولحد يومنا هذا فهم في مقدمة المناضلين والمجاهدين والمدافعين عن هذا البلد بدأً من ثورة العشرين، وتشكيل الأحزاب السياسية، والاشتراك في التظاهرات الشعبية والمساهمة في الدفاع عن البلدان العربية... .

الخ، إذ إن الشيعة تحملوا أعباء ومآسي حرب الثمان سنوات مع إيران، وحرب الخليج الأولى والثانية، ولو رجعنا إلى الخلف قليلا لوجدنا إن المحافظات الشيعية قد واجهت الدخول الأمريكي في البصرة والناصرية والنجف، بالمقابل نجد دخول القوات الأمريكية دون مواجهة في الموصل وصلاح الدين والانبار، لان أهالي هذه المناطق عقدوا اتفاقات مع هذه القوات بدخول المدن دون مواجهة أو ضرب لمدنهم(وهنا لابد من التاكيد ان ذلك لايعني ان اخواننا في هذه المحافظات لم يكونوا بمستوى الوطنية الحقة في الدفاع عن العراق وانما كانوا مقتنعين بعدم جدية المواجهة حين ذاك)، واليوم الشيعة يساهمون مع الآخرين وبكل نكران للذات في بناء البلد على أسس ديمقراطية جديدة، وعلى الرغم من ذلك نجد إن الشيعة الذين يشكلون الأغلبية من السكان (أكثر من 65% ) قد ترفعوا حتى على مبادئ الديمقراطية فاعتمدوا نظام التوافقات ومعنى ذلك تنازلوا عن الكثير من استحقاقاتهم من اجل الخروج بالبلد إلى حافة السلام، وعلى الرغم من استهدافهم بالقتل والتهجير والترهيب وتهديم اعز ما يملكون من مقدساتهم الطاهرة إلا أنهم نأو بأنفسهم أن يكونوا وسيلة أو أداة لتمزيق العراق أو إحداث شرخ في وحدته الوطنية، وبناءً على ذلك ، لابد من توجيه السؤال التالي للرئيس مبارك، أبعد كل هذا والشيعة لا يملكون روحاً وطنية؟، إذن ما هي المعايير لديكم التي يمكن من خلالها قياس المواطنة في بلد ما ؟ حتى يمكن ان يتسنى لنا معرفة ولاء الشيعة لبلدانهم أم لإيران .

ومن هنا نستطيع القول إن تصريحات الرئيس مبارك كان خلفها مجموعة من الأبعاد أو الانعكاسات سواء على الصعيد الداخلي العراقي أو على الصعيد العربي اوالإقليمي غير العربي أو على الصعيد الدولي وكما يأتي :

أولا / الأبعاد والانعكاسات الداخلية على العراق

1.تضفي هذه التصريحات الشرعية على أعمال العنف الموجهة ضد شيعة العراق على اعتبار إن الشيعة لا يهمهم مصلحة العراق بقدر مصلحة دولة أخرى هي إيران.

2.تساهم هذه التصريحات بتأجيج وتأزيم الوضع في العراق إلى درجة قد تؤدي إلى إذكاء نار الحرب الطائفية في العراق .

3.تعزز هذه التصريحات حالة عدم الثقة الموجودة بين القوى السياسية العراقية، الأمر الذي سيؤدي بالنتيجة إلى تلكؤ العملية السياسية في العراق، وبالتالي إلى فشل الأنموذج العراقي في المنطقة، إذ إن نجاح العراق في بناء نموذج ديمقراطي يحتذى به في المنطقة يثير مخاوف مصر خاصةً وبلدان المنطقة عامةً

4.يتبين من طرح الرئيس المصري انه يريد أن يبين للعالم بان السنة العرب هم الوطنيون الحقيقيون في العراق أما الشيعة فليس لهم علاقة بالبلد لان ارتباطهم الأساسي مع إيران

5.قد تكون الغاية من طرح الرئيس المصري في هذا الوقت تحديدا ًيدخل ضمن نقاط الضغط على القوى السياسية الشيعية في تقديم المزيد من التنازلات للسنة العرب  ومنحهم موطئ قدم في السلطة .

6.الضغط على القوى السياسية الشيعية التي قد تستلم السلطة قريباً بقطع أو تحديد علاقاتها مع إيران، الأمر الذي سيحد من دور إيران الإقليمي داخل المنطقة العربية.

7.تعد هذه التصريحات تدخلاً واضحا في الشؤون الداخلية العراقية وهذا الأمر مرفوض في العلاقات الدولية.

8.تعطي تصريحات وتشكل غطاء سياسيا وشرعيا للجرائم الكبرى التي تقترف بحق الشعب العراقي والشيعة تحديدا مما ينعكس سلبا على حالة الاستقرار والامن في العراق وبالتالي وضع العصا في دواليب العملية السياسية الجارية في العراق او عرقلة جهود الحكومة القادمة في عملية بناء واعمار العراق .

ثانيا/ الأبعاد العربية والإقليمية .

1.باعتبار أن مصر هي اكبر دولة عربية وهي حاضنة الجامعة العربية فان راي رئيسها مهم جدا بالنسبة للبلدان العربية وبالتالي سوف ينعكس ذلك بشكل اوباخر على راي الانظمة العربية الاخرى بالضد من الشيعة في كل البلدان العربية.

2.سوف يشكل ذلك الموقف غطاء لتدفق الشباب العرب الارهابيين من البلدان العربية تحت غطاء المحافظة على عروبة العراق والدفاع عن الاسلام ضد ما يطلق عليه بالتشيع الفارسي وبالتالي انعكاسات ذلك الخطيرة على المنطقة باسرها .

3.عبرت تصريحات مبارك بصدقية كاملة عن مدى تمسك النظام السياسي العربي بأسره بالطواغيت وإعمالهم وكذلك بالدكتوتاريات والتسلط على الشعوب كامتداد تاريخي لما ال اليه الاسلام بعد انهيار دولة الرسول الاعظم (ص) .

4.تجسد تلك التصريحات مدى عمق النظرة التصارعية والشعور بالضعف امام كل ماهو اصيل في العراق وبالتالي فان التشكيك بولاء اهل العراق الاصليين يعني تشكيك بكل الحضارة العراقية التي توجت بالاسلام وباتباع اهل البيت عليهم السلام

5.انها تعبر عن عميق الانهيار النفسي لكثير من الانظمة السياسية العربية وقلقها حيال مايجري بالعراق من ممارسة ديمقراطية واشاعة للحريات وان كانت منقوصة بوجود الاحتلال وتدخله المستمر فيها.

6.تنطلق حقيقة تلك التصريحات من حقيقة  مهمة ومترسخة في الموروث الفكري العربي للاسف الا وهي ان التمسك بالمذهب كسياسة ضد الاخرين والغائهم هي مسلمة موغلة في التاريخ دون النظر الى مدى اشاعة مبادئ الاسلام النقية او تطبيقها ، بل ان استخدام الاسلام يمكن ان يكون ضروريا لاتهام الاخرين باي صنف من صنوف الخيانة والعمالة وعدم الولاء.

7.تنطلق تلك التصريحات من تلك النظرة العنصرية والشوفينية للفكر القومي العربي الذي كان من نتاج المفكرين غير المسلمين نصا وروحا  والذين انحرفو بالقومية العربية بعيدا عن مسؤولياتها التاريخية في حمل راية الاسلام الى الاقوام الاخرى ، تلك المسؤولية الي حباها بها الله سبحانه وتعالى لها، وتلك للاسف في ذاتها غاية هودية.

8.تعطي هذه التصريحات اشارة الى باقي الدول العربية في المساهمة بتاجيج الوضع الطائفي بالعراق ومن ثم تدفق المساعدات المادية التي تديم ذلك الوضع.

9.تسعى مصر دائماً أن تلعب دوراً إقليميا متميزاً لذلك نجدها في اغلب الأزمات التي تحصل في المنطقة مثال ذلك وساطاتها بين الحركات الفلسطينية من جانب وإسرائيل من جانب آخر، أزمة سوريا ولبنان، أزمة دارفور .....الخ. وبما إن إيران تحاول أن تلعب نفس الدور، فأن هذا الأمر خلق نوعاً من المنافسة بين الاثنين، لذلك مصر عبر تصريحات رئيسها تريد أن تحد من دور إيران الإقليمي، وهذا واضح بالنسبة للسياسة المصرية، إذ نجدها عام 1991 كانت من أكثر الدول العربية  تحمساً إلى تقديم المساعدات والتسهيلات للقوات الأجنبية  التي ضربت العراق لأن الأخير لعب دوراً  إقليميا قد غطى على  الدور المصري في بعض الأوقات، وبذلك تمكنت بعد تحجيم دور العراق إن  تعود مرة أخرى للصدارة الإقليمية  

10.اتهام الشيعة بالولاء لإيران ليس المقصود به توجيه ضربه لشيعة العراق حسب بل توجيه ضربة للشيعة في كل مكان، ومن أهم هذه المواطن حزب الله في لبنان، شيعة الاحساء والقطيف في السعودية، الشيعة في بلدان الخليج  وحتى الشيعة في مصر ذاتها، وبذلك هذه التصريحات تعد بمثابة رسالة للقيادات السياسية العربية خاصةًً والإقليمية والعالمية عامةًً بالعمل على إضعاف دور الشيعة السياسي إلى ابعد حد ممكن .

11.تحرص مصر وغيرها من بلدان المنطقة على حصر القيادات السياسية بالطائفة السنية فقط حتى في البلدان ذات الأغلبية الشيعية كالعراق والبحرين....الخ.

12. باعتبار ان مصر هي اكبر دولة عربية وهي حاضنة الجامعة العربية فان راي رئيسها مهم جدا بالنسبة للبلدان العربية وبالتالي سوف ينعكس ذلك بشكل أو بأخر على رأي الأنظمة العربية الأخرى بالضد من الشيعة في كل البلدان العربية.

13.لم يغيب على أحدكم التجربة في العراق وبالتالي انتقال رياح الديمقراطية إلى معظم الدول العربية وأول هذه الدول هي مصر وقد رأينا الانتخابات المصرية على الرغم من كونها لم تتعدى نسبة 23% إلا أنها أفرزت نتائج كانت تسري بما لا يشتهي حسني مبارك.

ثالثا/ الأبعاد الدولية

1-قد تحاول مصر بطرحها هذا أن توصل رسالة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بأن تمنح السنة العرب في العراق مناصب مهمة لان ولائهم لبلدهم وليس لأي بلد آخر، وهذه المناصب المهمة إذا منحت فقط للشيعة تحت مبررات الديمقراطية سيكون في غير صالح الولايات المتحدة خاصة إذ علمنا إن الولايات المتحدة لها تقاطع استراتيجي مع إيران، ولهذا أراد الرئيس المصري أن يوصل رسالة للأمريكان بان ولاء الشيعة لإيران وهم يعملون على تحقيق مصلحتها، وبما إن مصالح الولايات المتحدة متضاربة مع إيران فان ذلك سيؤدي بالنتيجة إلى اصطفاف الشيعة مع إيران ضد أمريكا، فيجب عليها أن لا تمنحهم جميع المناصب .

2-قد تكون تصريحات الرئيس مبارك ما هي إلا رسالة محمل بها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك فهو يقوم بدور الوسيط بنقلها، الغاية منها هو الضغط على إيران وتحجيم دورها في العراق من جانب، والضغط على القوى السياسية الشيعية للاستجابة للمطالب الأمريكية من جانب آخر .

3-أصبح الدور الإيراني وقضيته المعلنة مع الولايات المتحدة الأمريكية تمس بظلالها على المنطقة وخصوصا قدرة الإيرانيين(الشيعة) على إنتاج أو تخصيب اليورانيوم وعملية الربط بين هذه التصريحات لا تأخذ حيز في نفسي لأني يئست من العرب منذ زمن ليس بالقصير فهي في شبك، ولا أتوقع خيرا منهم لا في هذا الوقت ولا مستقبلا وعلينا التفكير بعمق.

*مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

http://fcdrs.com

fcdrs@fcdrs.com