ما يجوز دستورياً ولا يجوز واقعيا في العملية السياسية !

 

طارق حرب

 

توزيع المناصب السيادية        

اذا كان الدستور قد رسم سبيل انتخاب المناصب السيادية بحيث يكون هنالك فاصل زمني وتسلسل قانوني في انتخاب كل منصب من هذه المناصب. فأن الواقع يشير الى ان انتخاب من سيشغل هذه المناصب سيتم في زمن واحد وبصفقة واحدة.

على الاقل في الفترة الحالية التي تضغط فيها عوامل داخلية واخرى خارجية على اعطاء بعض هذه المناصب لكيانات سياسية لاتحتاج نصوص الدستور الى تأييدهم او حصول موافقتهم لتشكيل السلطة السياسية الجديدة. والواقع ان هذا الامر قد طغى بشكل واضح بعد الانتخابات الجديدة.

بسبب التأثير الخارجي والدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية او شراكة وطنية عن طريق ضم ممثلين عن كيانات اخرى، نعم حصل ذلك في تشكيل السلطة السياسية بعد الانتخابات السابقة في 2005/1/30 ولكنه استغرق فترة زمنية قليلة بسبب ان تشكل السلطة آنذاك كان بين كيانين سياسيين فقط هما الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الكوردستاني فقط. وكان بالامكان السير في العملية السياسية وبسرعة تماثل ما حصل بعد الانتخابات السابقة ولكن وجود كيانات سياسية اخرى كالتوافق والقائمة العراقية والحوار الوطني ممن حصل الاتجاه على اشراكهم في العملية السياسية والمناصب على الرغم من ان السير في العملية على وفق الدستور لايحتاج الى الحصول على اصواتهم وموافقتهم. اذ ان اصوات قائمة الائتلاف مع ثمانية اصوات اخرى كافية للسير في العملية السياسية دون حاجة اصوات اخرى. واعطاء هذه الكيانات الجديدة مناصب سيادية يترتب عليه التأخير في تشكيلة هذه المناصب بحيث يترتب على ذلك أمران اولهما تعقيد هذه العملية وثانيهما انه لابد من الاتفاق على توزيع هذه المناصب جميعها صفقة واحدة ومن المحال تجزئتها. بمعنى اخر ان الدستور الجديد نظم موضوع انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه في المادة 55 وقرر الدستور ان يكون ذلك سابقا لانتخاب مجلس الرئاسة. لان تلك المادة قررت انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه في الجلسة الاولى لهذا المجلس ولا يمكن انتخاب مجلس الرئاسة او انتخاب رئيس مجلس الوزراء قبل اكمال المرحلة الاولى وهي رئاسة مجلس النواب. فاذا تم انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه وتخلى رئيس مجلس النواب الأسن والاكبر سناً لرئاسة مجلس النواب الاصيل تبدأ المرحلة الثانية وهي انتخاب مجلس الرئاسة اي انتخاب رئيس الدولة ونائبيه من قبل مجلس النواب ولا يمكن انتخاب رئيس مجلس الوزراء قبل انتخاب مجلس الرئاسة وذلك لان المادة 76 من الدستور قررت ان مجلس الرئاسة هو الجهة التي تتولى تكليف مرشح الكتلة الاكثر عدداً في مجلس النواب لتشكيل مجلس الوزراء. وتحديد هذا المرشح يعني انه سيشغل منصب رئيس الوزراء.

ومن كل ماسلف نلاحظ ان المرحلة الاولى رئاسة مجلس النواب والمرحلة الثانية مجلس الرئاسة والمرحلة الثالثة رئيس الوزراء وحتماً لابد ان يكون هنالك فاصل زمني بين كل مرحلة من هذه المراحل وطبيعة الامور تقتضي على وفق الدستور ان الكيانات السياسية او بعضها تتولى الاتفاق على كل مرحلة. اي الاتفاق على الانتهاء من رئاسة مجلس النواب وبعد ذلك يتم الاتفاق على رئاسة الدولة ثم يتم الاتفاق على شخص رئيس الوزراء.

من الناحية الحقيقية

غير ان هذا الامر يكون من الناحية النظرية والدستورية ولكن من الناحية الحقيقية والواقعية الامر يختلف كلياً اذ ان نصوص الدستور شيء والواقع العملي شيء اخر. وهذا الامر لا يخالف الدستور وانما يوافقه. فالحقيقة تقول ان الاتفاق على مرحلة واحدة من هذه المراحل يبقى شاذاً وغير معقول مالم يتم الاتفاق على المراحل الثلاث جميعاً في آن واحد. اذ ما الذي يضمن للكيان الذي وافق على ممثل الكيان الاخر لاشغال منصب رئيس مجلس النواب مثلاً ان يوافقه هذا الكيان على ممثله ومن يرشحه لاشغال منصب رئيس الجمهورية او من يرشحه لاشغال منصب رئيس الوزراء لا سيما وان الكيانات السياسية تعاني من ازمة الثقة، يؤكد ذلك ان منصب رئيس الوزراء من اختصاص الكيان السياسي الاكثر عددا في مجلس النواب وهو قائمة الائتلاف العراقي الموحد. اي ما هو الضمان المقرر لهذه القائمة مثلا في موافقة جبهة التوافق على مشرحها لمنصب رئيس الوزراء الذي سيطرح على مجلس النواب بعد فترة من تصويت قائمة الائتلاف لصالح مرشح جبهة التوافق لرئاسة مجلس النواب. ومن ذا الذي يضمن لقائمة الائتلاف التصويت لصالح مرشحها لرئاسة الوزراء من قائمة التحالف الكوردستاني بعد ان صوت الائتلاف لصالح مرشح التحالف لرئاسة الدولة اذا كان ذلك يتم بعد فترة من الزمن. لابل من يضمن لقائمة الائتلاف التي توافق على مرشح قائمة التوافق لاشغال منصب نائب رئيس الدولة لاسيما اذا علمنا ان تكليف مرشح قائمة الائتلاف لمنصب رئيس الوزراء. اذا علمنا ان هذا التكليف يجب ان يتم من رئيس الجمهورية ونائبيه باتفاقهم و اجماعهم على ذلك اي ان التكليف الذي يصدر من رئيس الجمهورية وأحد نوابه فقط لايعول عليه قانونا طالما ان الدستور في المادة (138) منه اشترط ان تصدر قرارات مجلس الرئاسة بالاجماع اي بموافقة رئيس الجمهورية ونائبيه معا. وهذا يعني ان عدم موافقة ممثل جبهة التوافق على مرشح الائتلاف العراقي لمنصب رئيس الوزراء سيؤدي حتما الى الاضرار بقائمة الائتلاف اذ من غير المقبول ولا المعقول ان يوافق الائتلاف على مرشحي التحالف الكوردستاني وجبهة التوافق لاشغال المناصب السيادية في رئاسة مجلس النواب وفي رئاسة الدولة. ثم لايوافق التحالف الكوردستاني وجبهة التوافق على مرشح الائتلاف لمنصب رئيس الوزراء.

ومن هنا كان من اللازم اتفاق هذه الكيانات على من سيشغل المناصب المذكورة في جلسة واحدة وقبل اجراء التصويت تحت قبة البرلمان اي في مجلس النواب فلا تصويت على من سيشغل منصب رئيس مجلس النواب. ومن سيكون نائبا له مالم يتم الاتفاق على من سيشغل منصب رئيس الجمهورية ومن سيكون نائبا له  وعلى من سيشغل منصب رئيس الوزراء وهذا امر مقبول عادة لكي يضمن كل كيان سياسي استحقاقه الدستوري ولكي لا يكون الكيان السياسي الذي سيختص بآخر المناصب السيادية وهو منصب رئيس الوزراء نحو ما قرره الدستور تحت رحمة الكيانات السياسية الاخرى ممن اعطاها صوت الترجيح والافضلية في اشغال المناصب التي تسبق منصب رئيس الوزراء ونعني بذلك رئاسة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية. وبالتالي فان الامر هو بهذا الوجه ولا وجه اخر له، والقول بخلافه يعني الطيران فوق الواقع والبعد عن الحقيقة فضلا عن ان الاخذ بخلافه سيؤدي الى جعل العملية السياسية عسيرة وليست يسيرة بحيث يزداد الامر سوءا ويستغرق وقتا اطول وهو ما لا نريده ولاضير في ذلك لانه لا يكون خروجا عن احكام الدستور وانما يسير على وفق احكامه ولكن في الاطالة التي تصطبغ بها مفاوضات الكيانات السياسية بشكل يفوق ما مطلوب سيرتب ضررا كبيرا للوطن العراق وشررا مستطيرا للمواطن العراقي. فحكومة الوحدة الوطنية التي تتضمن اشراك جميع الكيانات والتسلسل الخاص بالمناصب السيادية والتأثير الخارجي وطبيعة المرحلة والظروف كانت وراء التأخير في تشكيل السلطة السياسية الجديد.

طارق حرب: رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية

وكل ذلك بحسب راي المحامي طارق حرب في المصدر المذكور .

المصدر : الصباح – 25-4-2006