من يملك أمريكا؟ المهاجرون أم المهاجرون

 

عادل الدقاقي

 

بنيت الدولة الأمريكية على فكرة الهجرة، ولعقود طويلة لم تمثل سياسة الأبواب الأمريكية المفتوحة مشكلة حقيقة للمجتمع الأمريكي، إلا أن للهجرة وقضاياها وضعية خاصة في الولايات المتحدة. ويرى الكثيرون في الولايات المتحدة أنه لا يوجد حل لمشكلة الهجرة غير الشرعية للولايات المتحدة طالما بقيت الولايات المتحدة دولة تنعم برخاء اقتصادي وحرية سياسية، يقابلها عدم تمتع مجتمعات قريبة أو بعيدة بما تتمتع به أمريكا.

في عام 1996 قدم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون تشريعا عرف بـ "عفو كلينتون" تم بمقتضاه منح ملايين المهاجرين غير الشرعيين عفوا كبيرا، وتصحيح أوضاعهم القانونية.

واليوم وبعد مرور عشر سنوات كاملة تدور الساعة مرة أخرى ويبحث الكونغرس والبيت الأبيض والإعلام والكنائس الأمريكية نفس القضية التي تسيطر على المجتمع الأمريكي وإن زاد عليها وجود ما يقرب من 12 مليونا من المهاجرين غير الشرعيين.

خيمت قضية تعديل قوانين الهجرة هذا الأسبوع على أعمال مجلس الشيوخ الأمريكي وسط اختلاف كبير في الرؤى ليس بين الديمقراطيين والجمهوريين فحسب، بل حتى بين الجمهوريين أنفسهم بشأن إيجاد الوسائل الناجحة للتعامل مع الهجرة غير الشرعية وتحديد مصير حوالي 12 مليونا من المقيمين في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. يأتي ذلك بعد خروج مظاهرات حاشدة في العديد من المدن الأمريكية احتجاجا على القانون الصارم الذي أجازه مجلس النواب في ديسمبر الماضي ويقضي بجعل التواجد داخل الولايات المتحدة بشكل غير شرعي جريمة فيدرالية يعاقب عليها القانون. وكانت أكبر مظاهرة تلك التي شهدتها مدينة لوس أنجلوس بكاليفورنيا وقدرت الشرطة عدد المشاركين فيها بنحو نصف مليون شخص.

عدد المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة

تشير تقديرات مركز بيو للأبحاث إلى أن عدد المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة يقدر بما بين 11 مليونا وخمسمائة ألف و12 مليونا خلال شهر مارس الحالي. وتأتي تلك التقديرات بناء على إحصاءات أجراها المركز العام الماضي وأظهرت أن عددهم تجاوز أحد عشر مليونا.

كما أظهرت الإحصاءات أن عدد الرجال هو خمسة ملايين وأربعمائة ألف أي نسبة 49 في المائة من مجموع المهاجرين غير الشرعيين، فيما يقدر عدد النساء منهم بثلاثة ملايين وتسعمائة ألف أي نسبة 35 في المائة، أما عدد الأطفال فيقدر بمليون وثمانمائة ألف أي 16 في المائة. 

وتظهر تلك الإحصاءات التي أجريت في مارس من عام 2005 أن نسبة 66 في المائة من أولئك المهاجرين تعيش في الولايات المتحدة لفترة عشرة أعوام أو أقل، بينما نسبة 40 في المائة منهم تعيش في الولايات المتحدة لخمسة أعوام أو أقل. 

جدل سياسي خلال عام الانتخابات

انقسم أعضاء الحزب الجمهوري بشكل كبير بسبب الخلاف على طبيعة التعديلات الخاصة بقوانين الهجرة التي يتعين تبنيها، ففي الوقت الذي يُجمع فيه الكل على ضرورة تعديل قوانين الهجرة الحالية يختلفون بشكل كبير حول طبيعة التعديلات التي يتعين تبينها مما أسفر عن اقتراح عدد من مشاريع القوانين. 

مجلس النواب

تمكن الجمهوريون داخل مجلس النواب الأمريكي في ديسمبر الماضي بزعامة النائب توم تانكريدو من ولاية كولورادو من إقرار مشروع قانون صارم لوضع حد لظاهرة الهجرة غير الشرعية. وينص المشروع على تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك أكثر مما هو الحال عليه الآن، وإقامة جدار حدودي عليها بطول سبعمائة ميل لوضع حد لتسلل المهاجرين غير الشرعيين.  كما ينص على فرض غرامات مالية جديدة وباهظة على الشركات والمقاولات التي تقوم بتوظيف مهاجرين بدون وثائق هجرة رسمية. وذلك فضلا عن تجريم التواجد ذلك الولايات المتحدة من دون وثائق هجرة وجعلها جريمة فيدرالية بدلا من مجرد الاكتفاء بترحيل المهاجرين غير الشرعيين. كما يمنع ذلك المشروع الأشخاص والكنائس والمؤسسات الإنسانية من تقديم أي مساعدات للمهاجرين غير الشرعيين سواء الطعام أو الرعاية الصحية أو التعليم. وهو الأمر الذي أثار حفيظة عدد من القساوسة الذين يقولون إنه من غير الممكن لا من الناحية الإنسانية ولا من الناحية العملية الطلب من شخص ما إظهار وثائقه القانونية قبل تقديم الصدقات الغذائية إليه أو تقديم العلاج له.

موقف البيت الأبيض

جدد الرئيس بوش التأكيد على ضرورة تبني إستراتيجيته الخاصة بالقضاء على الهجرة غير الشرعية والتي يقول إنها إستراتيجية شاملة وناجعة. وتعتمد تلك الإستراتيجية على ثلاثة محاور أساسية:

أولا: حماية الحدود الأمريكية مع المكسيك من خلال زيادة عدد رجال الأمن وحرس الحدود واستخدام التكنولوجيا الحديثة كأجهزة التصوير والطائرات غير المأهولة للمساعدة في مراقبة تلك الحدود بالإضافة إلى بناء سياجات حديدية في بعض المناطق الحضرية لمنع التسلل عبرها.

ثانيا: وضع حد لسياسة اعتقال المهاجرين غير الشرعيين والإفراج عنهم Catch and Release  المعمول بها منذ عقود لأن المعتقلات الخاصة لا تتسع لاحتجازهم جميعا. وبالتالي يتعين توسيع تلك المعتقلات الخاصة لاستيعاب أكبر عدد ممكن وبالتالي ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية.

ثالثا: المحور هنا ذو شقين:

 الأول يهدف إلى زيادة الميزانية الخاصة بضباط مصلحة الهجرة والمحققين لملاحقة العصابات وشبكات تهريب البشر.

أما الثاني فهو إنشاء برنامج خاص بالعمال الأجانب وهو عبارة عن وسائل قانونية تؤدي إلى الجمع بين حاجات قطاعات اقتصادية هامة مثل قطاع المقاولات التي هي بحاجة إلى عمال وبين العمال الأجانب لشغل الوظائف التي لا يرغب المواطنون الأمريكيون في القيام بها وذلك لمدة ستة أعوام، يعود بعدها أولئك الأشخاص إلى دولهم الأصلية.

ولدحض الانتقادات الموجه لتلك الإستراتيجية يشدد الرئيس بوش على أن إنشاء برنامج العمال الأجانب لا يعتبر عفوا عمن انتهكوا قوانين الهجرة المعمول بها حاليا، ويقول إنه يعارض تماما العفو عنهم لأنه أمر خاطئ، غير أنه يشدد في الوقت ذاته على أن تسوية وضعية عمال يعملون بجد ويقومون بوظائف لا يرغب فيها الأمريكيون هو أمر سيساعد الاقتصاد الأمريكي.

مجلس الشيوخ

ناقشت اللجنة التشريعية في مجلس الشيوخ  تفاصيل عدد من مشاريع القوانين التي تقدم بها بعض أعضائها بشأن تعديل قوانين الهجرة. وقد تباينت تلك المقترحات بشكل كبير حيث أعرب الأعضاء الثمانية عشر عن مواقف مختلفة ومتباعدة في بعض الأحيان، غير أن اللجنة صوتت في نهاية المطاف بموافقة اثني عشر عضوا ومعارضة ستة على مشروع قانون يسوي وضعية جميع المهاجرين غير الشرعيين المتواجدين حاليا داخل الولايات المتحدة (ما بين 11 مليونا وخمسمائة ألف و12  مليونا) ويفسح المجال أمامهم للحصول على الجنسية الأمريكية في نهاية المطاف، أي بعد حوالي أحد عشر عاما، شريطة أن تكون لهم وظيفة يزاولونها وأن يكون سجلهم الجنائي خاليا من ارتكاب أية جريمة بالإضافة إلى دفع غرامات مالية بسبب مخالفتهم حاليا لقوانين الهجرة ودفع الضرائب المستحقة عليهم خلال الأعوام التي قضوها في الولايات المتحدة. 

وقد صوت لصالح المشروع جميع الأعضاء الديمقراطيين في اللجنة وهم ثمانية بالإضافة إلى أربعة أعضاء جمهوريين ومعارضة ستة أعضاء جمهوريين آخرين، وهو ما يبرز مدى عمق الشرخ الحاصل في صفوف الحزب الجمهوري بشأن موضوع الهجرة غير الشرعية. وهو أمر يدركه الجمهوريون ذاتهم كما يدركون مدى حساسيته وتأثيره على الناخبين خلال عام الانتخابات الجزئية. فمن جهة لا يريد الجمهوريون خسارة أصوات الناخبين الأمريكيين المنحدرين من دول أمريكا اللاتينية خاصة وأن الحزب الجمهوري والرئيس بوش بالتحديد حاول وعلى مدى السنوات الماضية استمالة تلك الشريحة من الناخبين التي عادة ما تصوت لصالح الديمقراطيين. ومن جهة أخرى لا يرغب الجمهوريون في خسارة أصوات الناخبين الأمريكيين البيض وأتباع بعض الكنائس التي تعارض الهجرة غير الشرعية أو التسامح بشأنها وتدعو لترحيل جميع المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدانهم الأصلية. وهو الأمر الذي يحاول بعض الأعضاء الديمقراطيين استغلاله لاستقطاب الناخبين من أصول أمريكية لاتينية وتلطيخ صورة الجمهوريين من خلال إظهارهم بأنهم معادون للمهاجرين، حيث قال السيناتور الديمقراطي تشارل شومر عن ولاية نيويورك إنها فرصة أمام الديمقراطيين لكي يظهروا للأمريكيين اللاتينيين من هم أصدقاؤهم الحقيقيون.

يقول السيناتور الجمهوري المحافظ جيف سيشنز Jeff Sessions عن ولاية ألباما إن إقامة جدار فاصل على طول الحدود الأمريكية المكسيكية لتفادي تسلل المهاجرين غير الشرعيين تعتبر اقتراحا جيدا، مستشهدا بالمثل الأمريكي"Good fences make good neighbors" أي الجدران الجيدة تسفر عن ربط علاقات طيبة بين الجيران. وشدد على أن مقترح العمال الأجانب الذي أجازته اللجنة التشريعية في مجلس الشيوخ يرقى إلى مستوى عفو شامل لأنه يعفى المهاجرين غير الشرعيين من أية عواقب على انتهاكهم لقوانين الهجرة المعمول بها، بل ويكافئهم من خلال فسح المجال أمامهم للحصول على الجنسية الأمريكية.

أفاق إيجاد تسوية سياسية

تسوية وضع المهاجرين غير الشرعيين وإبقاؤهم داخل الولايات المتحدة أم طردهم وإعادتهم إلى دولهم الأصلية، سؤال يناقشه مجلس الشيوخ الأمريكي خلال الجلسات التي بدأها يوم الأربعاء الماضي وقد تستمر لأسبوعين. ففي الوقت الذي يؤيد فيه معظم أعضاء مجلس الشيوخ منح المهاجرين غير الشرعيين حق البقاء والعمل في الولايات المتحدة ولو لمرحلة مؤقتة، تحتد المواجهة حول ما إذا كان يتعين السماح لهم بالبقاء بعد مرور ستة أعوام أو إرغامهم على المغادرة. فحتى الأعضاء الذين يرفضون إفساح المجال لأولئك المهاجرين للحصول على الجنسية الأمريكية في نهاية المطاف يؤيدون تسوية وضعيتهم القانونية مرحليا طالما يقومون بتسجيل أنفسهم لدى السلطات ودفع الغرامات المالية والمغادرة في نهاية المطاف.

تراجع زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السناتور بل فريست، الذي يسعى لترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة ويحاول استخدام معارضته للهجرة غير الشرعية لتلميع صورته لدى الناخبين، قليلا عن موقفه السابق وقال إن أولوية الكونغرس الآن هي إخراج أولئك المهاجرين من الظل وتسجيل أسمائهم لمعرفة من هم وأين يتواجدون وما هو السبب في وجودهم داخل الولايات المتحدة، وإصدار بطاقات تعريف لهم، وبعد مرور المرحلة الانتقالية أي ما بين ثلاثة وستة أعوام من العمل داخل الولايات المتحدة يبدأ الحديث عما إذا كان يتعين السماح لهم بالبقاء أو المغادرة.

أما دينيس هاسترد رئيس مجلس النواب، وهو من أبرز القادة الجمهوريين، فقد أقر بأن هناك حاجة لتبني برنامج خاص بالعمال الأجانب، وقال إن الجمهوريين في مجلس النواب سيبحثون جميع البدائل المطروحة، علما بأن حماية حدود الولايات المتحدة توجد على رأس قائمة الأولويات وذلك في الوقت الذي يدرك فيه البعض داخل الحزب الجمهوري بأن هناك حاجة لبرنامج العمال الأجانب في بعض القطاعات الاقتصادية الأمريكية. وتعتبر تصريحات هاسترد تلك التي أدلى بها خلال مؤتمر صحفي الأربعاء الماضي إشارة إلى احتمال التوصل إلى حل توافقي بشأن الجدل الساخن حول التعديلات المقترحة في قوانين الهجرة، واستعداد أعضاء مجلس النواب تعديل موقفهم السابق والسماح بتبني برنامج يسمح للمهاجرين غير الشرعيين بالبقاء في الولايات المتحدة لفترة من الوقت في حال أجاز مجلس الشيوخ ذلك.

غير أن كثير من المراقبين يستبعدون توصل المجلسين إلى صيغة توافقية قبل شهر نوفمبر القادم وهو موعد إجراء الانتخابات الجزئية. 

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-1-4-2006