مـع الذكرى الأليمة لرحيل الرسول الأكـرم محمد صلى الله عليه واله :

                                                                              حقوق الإنسان من مكة الى كربلاء

 

المهندس فـؤاد الصـادق

 

 

صـورتان مكيّـتان متناقضتان وفي عصر الرسول الأكـرم محمد صلى الله عليه واله

صـورتان متناقضتان لعصرين مختلفين بينهما قرابة النصف قرن

مـاهي صـورتنا المـرجعيـة بين تلك الصور؟

يتصور البعض أن اللوائـح والوثائق المرتبطة بحقوق الإنسان ، اوحقوق الطفل ، اوحقوق المرأة هي من إنتاج ومستجدات القـرون الأخيرة ، ونفس النظرة نراها فيما يتعلق بالقوانين والأتفاقيات الدولية مثل قوانين الحرب ، أسرى الحرب ، حماية المدنيين في الحروب وماشابه ذلك من إتفاقيات ومواثيق مثل  :

- إتفاقيات جنيف 1929 م التي نصت : أنّ على الآسر أن يعامل الأسرى كما يعامل جنده ، وأن لايقوم الأسرى بعمل إلا وفق إرادتهم ومقابل أجر ...... الـخ .

- إتفاقية جنيف 1949 م وما نصت عليه من قواعد لحماية المدنيين في الحروب منها : تحرم الإتفاقية صراحة إرتكاب أي من الأعمال الأتية ضد المدنيين :

1- الإعتداء على حياة الأشخاص وسلامتهم الجسمانية بأية صورة من الصور .

2- أخـذ الـرهـائـن .

3- الإعتداء على حياة الأشخاص اومعاملتهم معاملة مهددة لإعتبارهـم .

4- فرض عقوبات عليهم وتنفيذها دون محاكمات سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا نظاميا ومحاطة بالضمانات القضائية الضرورية التي تقررها الشعوب المتمدينة ، وذلك كما في المادتين 12و13 من الإتفاقية المذكورة .

وهذا التصور ليس بصحيح ، ولايعكس الإ القصور اوالتقصير في البحث والتحقيق، الى جانب النظرة الدونيّة لتاريخ البشرية والأديان التي محورها الإنسان والكرامة الإنسانية ومكارم الأخلاق ، لنستعرض مثالا واحدا من التاريخ الإٍسلامي ، ومن صدر الإسلام حيث كان الرسول الأكـرم ( صلى الله عليه واله وسلم ) يقود الأمة كي نتلمس دقتـة اللامتناهية في رعاية ومراعاة ونشر وتكريس حقوق الإنسان ، وحدود تلك الحقوق العريضة كما خطّتها الرحمة الألهية العالمية في الممارسة المنقطعة النظير ، والتي تفوق بمرات ومرات كماً وكيفاً ما أقرته الحقوق والمواثيق الدولية المعاصرة بعد قرون وقرون من الألام والمحن والمأساة ، فلنستعرض ذلك قبل الإنتقال الى الإنقلاب الأموي الكبيرعلى حقـوق الإنسان الـمُـحمديّـة :

في معرض بحثه حول النظافـة السياسيّة (1) يقول الإمام السيد محمد الشيرازي الراحل - ر- وبعنوان : موقف الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) من فعل خالد : 

في البحار(2) وغيره(3) من المصادر الأخرى :

(( أن رسول الله (ص) بعث خالد بن الوليد مع جماعة إلي بني جذيمة ، وهم من بني مصطلق ليدعوهم إلي الإسلام،فأوقع بهم خالد، وقتل منهم جماعة لترة كانت بينه و بينهم، فبلغ الخبر رسول الله (ص) فبكي (ص) وقام وصعد المنبر، ورفع يديه إلى السماء وقال ثلاثا:

 ( اللهم أني أبرء إليك مما صنعَ الخالد بن وليد )   ))

هلْ اكتـفى الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) بإدانة الأفعال والتصرفات الفردية لخالد بن الوليد في ذلك الخطاب العلني الشفاف والصريح مع الجماهير ؟

ابدا ، بل ولم يكتفِ بمجرد البكاء ورفع اليد الى السماء وإعلان البراءة من أنتهاكات خالد لحقوق الإنسان ، لنرجع الى تتمة الرواية للوقوف على الإجراءات العملية الفورية  الأخرى :

ثم دعا النبي (ص) علي بن أبي طالب(ع) فدفع اليه سفطاً ( صندوقاً ) من الذهب و أمره أن يذهب إلى بني جذيمة ويدفع اليهم ديات الرقاب ، وما ذهب من اموالهم، فجاء علي(ع) و قسم المال كما يلي:

1: دفع أولاً ديات المقتولين ظلماً إلي ورثتهم عن كل واحد منهم ألف دينارذهب ( 4).

2: و دفع اليهم ثانياً ثمن كل جنين غرة ( يعني عبداً أوأمة).

3: و دفع اليهم ثالثاً ثمن ما فقدوه من المبالغ والعقل ( 5) .

4: و دفع اليهم رابعاً ثمن ما ربما فقدوه ولم يعلموا بفقده، مما يمكن أن أخذه خالد أو من كان معه أومما تلف أثناء القتال.

5: ودفع إليهم خامساً ثمناً لروعة النساء وفزع صبيانهم.

6: و دفع إليهم سادساً مقابل كل مال فقدوه مثله من المال.

7: و دفع اليهم سابعاً بقيّة المال ليرضوا عن رسول الله (ص).

8: و دفع اليهم ثامناً ما يفرح به عيالهم وخدمهم بقدرما حزنوا.

ثم رجع علي(ع) إلي النبي (ص) وأخبره بما فعل من توزيع الذهب عليهم بثمانية أقسام قائلاً :

يا رسول الله عمدت فأعطيت لكل جنين غرة ، ولكل مال مالا، و فضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم وحبلة رعاتهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم و فزع صبيانهم ، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لما يعلمون وما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله، فتهلل وجه النبي (ص) وضحك حتي بدت نواجذه ، وقال :

 يا علي أعطيتهم ليرضوا عني رضي الله عنك ، فقال (ع):

 يا علي: إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي.))

مـاذا نسـتـنـتج من الرواية التاريخية المتـقـدمـة ؟

1- لاحصانـة لأحد في السلم والحرب حيال إنتهاك حقوق الإنسان .

2- الشفافية والمصارحة مع الأمة الى جانب التصحيح الميداني الشامل ركن أساسي من أركان الحكم الصالح .

3- إحترام حقوق الإنسان في السلم والحرب ، وبالمفهوم الكبير الذي صاغه الإسلام خط أحمر لايجوز تجاوزه في حال من الأحوال ، كما لايجوز السكوت على ذلك التجاوز ، حيث نرى قائد الأمة : الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) بنفسه يرتقي المنبر ليخطب في الملأ ويعترف بالأخطاء والخروقات الكبيرة التي صدرت من خالد بن الوليد ، ويبكي هذا القائد العظيم وهوعلى المنبر ، وأمام الجماهير مخاطباً ربه ثلاثاً :

 ( اللهم أني أبرء إليك مما صنعَ الخالد بن وليد )

 ( اللهم أني أبرء إليك مما صنعَ الخالد بن وليد )  

 ( اللهم أني أبرء إليك مما صنعَ الخالد بن وليد )

4- الإعـتراف بالخروقات والإنتهاكات والبكاء لذلك والبراءة من إنتهاكات حقوق الإنسان ليس كافياً ، وكما هو الحال فيما يرتبط بحقوق الناس الأخرى ، بل لابد من إجراءات وخطوات تعويضية شاملة تتكفل بالمعالجة والوقاية معاً .

5- انّ حقوق الإنسان التي رسمها وحددها الإسلام للإنسان هي عامة تشمل الإنسان بغض النظر عن دينه ولونه ومانحو ذلك بقرينة أن تعويضات الرسول شملت بني جذيمة حين بعث رسول الله (ص) خالد بن الوليد مع جماعة إليهم ليدعوهم إلى الإسلام، فوقع ما وقع من خروقات كما تقدم ، فهم لم يكونوا من المسلمين قبل ذلك،

ومن المستبعد أن يكونوا قد أسلموا جميعا ، مع ماصدر من خالد بن الوليد عند دعوتهم الى الإسلام .

6- أن كل ما تمَّّ التعويض عليه من قبل الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) وعلى يد الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ربما يمكن عدّه ضمن حقوق الإنسان الثابتة المُلـزِمة وفي حالات السلم والحرب معاً ، حيث نرى ومن خلال هذه الرواية التاريخية فقط أنّ التعويضات شملت التعويض على الأنفس التي أُزهقت (وذلك تأسيساً وتكريساً لمبدأ حق الإنسان في الحياة ) من الأحراروالعبيد من الكباروالصغاروالأطفال والرجال والنساء والأجنة التي لم تولد بعد (وذلك لمبدأ حق الحياة وحماية هذا الحق للطفل قبل مولده وبعده ) ، والأموال المنقولة وغيرالمنقولة ( وذلك لحق الإنسان في الملكية ) من المال والوسائل والأمكانات والحيوانات وأجنتها ، دُفِع اليهم أيضا ثمن ما ربما فقدوه ولم يعلموا بفقده !! ، مما يمكن أن أخذه خالد أو منْ كان معه أومما تلف أثناء القتال!!

وليس هذا فحسب بل هناك حقوق أخرى .. وأخرى للإنسان في الإسلام المحمدي ، منها وما في هذه الرواية فقط : حق الإنسان في الأمن والأمان ، وحقه في الفرح اوعدم الحزن ، ويدل على ذلك ما تمَّ دفعه كجزء من التعويض لروعة النساء وفزع صبيانهم ، وما دُفِعَ اليهم لما يفرح به عيالهم وحتى خدمهم بقدرما حزنوا ، وفوق كل تلك التعويضات هناك ماهو أكبر، وأعظم ويتلخص في أن جميع تلك التعويضات لاتساوي شيئا مقابل خرق حقوق الإنسان ، وبعبارة أخرى أنّ كرامة الإنسان لايمكن أن تُقدّر بثمن ، فللإنسان الذي تُخترق حقوقه أن يرضى ، اولا يرضى عن المتجاوز، اوالمتسبب في ذلك حتى بعد دفع كل التعويضات وإستلامه لها ، وذلك واضح في دفع الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بقيّة المال ليرضوا عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم).

أجل هذا هو مفهوم حقوق الإنسان الذي صاغه الله ونشره والتزم به في كل الظروف والأحوال رسوله الأكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) ، وهذه هي حدوده العريضة التي رسمها بكل دقة لتسيرالأمة وقادتها وفقا لها ، وتستنير البشرية بها ، فبعد أن عاد الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) من المهمة وأخبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) عن تفاصيل معالجته الشاملة والدقيقة للخروقات المتقدمة مختتماً :

((... فأعطيتهم لما يعلمون وما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله ... ))

عنـدهـا :

تهلل وجه النبي (صلى الله عليه واله وسلم ) وضحك حتي بدت نواجذه ، وقال :

 (( يا علي أعطيتهم ليرضوا عني رضي الله عنك ، فقال (صلى الله عليه واله وسلم ):

 يا علي: إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي.))

ومن الجدير بالذكر ان هذه الخروقات لحقوق الإنسان من قبل خالد بن الوليد ،وتلك

المعالجات الحاسمة الشاملة اللامتناهية في الدقة كانت بعد فتح مكة المكرمة حيث يذكر ابن الأثير في الكامل:

( وفي هذه السنة يعني سنة ثمان بعد الفتح كانت غزاة خالد بن الوليد بني جذيمة ، وكان رسول الله – صلى الله عليه وأله – قد بعث السرايا بعد الفتح فيما حول مكة يدعون الناس الى الله ، ولم يأمرهم بقتال وكان ممن بعث خالد بن الوليد بعثه داعيا ولم يبعثه مقاتلا فنزل على الغميضاء : ماء من مياه بني جذيمة بن عامر ، وكانت جذيمة أصابت في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن ، والفاكه بن المغيرة عمّ خالد ، وأخذوا ما معهما، فلما نزل خالد ذلك الماء أخذ بنو جذيمة السلاح ، فقال خالد : اخاعوا السلاح فإنّ الناس قد أسلموا ، فوضعوا  فأمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثمّ عرضهم على السيف ، فقتل منْ قتلَ منهم ، فلما انتهى الخبر الى النبي – صلى الله عليه واله وسلم – رفع يديه ثم قال ..... الـخ الخبر )) ( 6 )

فالخروقات والمعالجات كانت بعد فتح مكة المكرمة ، في عهد الإقتدار والقوة ، فالموقف ليس تكيتيكيا اوإضطراريا بل مبدئيا راسخا واضحا لايقبل التأويل والتفسيروالحصانة والتحصين والتقديس العشوائي غير المبرر وما شابه ذلك من الذي ابتليت بها الأمة منذ رحيل الرسول الأكرم ( صلى الله عليه واله وسلم ) وأخذ ينمو وينمو حتى بلغ الإنقلاب الأسود الأعمى على المفاهيم والقيم الحيوية للرسالة المحمدية أوجه في عهد معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد الذي أصبح الحكم ورسمياً ملكيا وراثيا مع البيعة القسرية ، وقصم ظهر الإقتصاد الإسلامي ، وحورت بنيته الأساسية ، وسحقت حقوق الإنسان التي زرعها وحماها الرسول الأكرم ( صلى الله عليه واله وسلم ) في جميع الظروف والأحوال بتلك الصورة الدقيقة المتقدمة في قصة خالد بن الوليد لتبدأ ماكنة إنتاج الطغاة إنتاجها الواسع المتواصل لتغذية الإنحدار والتقهقر والتقدم الى الوراء وتستمر في تسويق منتوجاتها حتى في عصر مابعد الحداثة الحالي نعم ذلك الأنقلاب الشمولي الأسود هو الذي حدد المسار والمسيرة لسبط الرسول الأكرم : الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) فكان ما كان في يوم عاشوراء من إنتهاكات لحرمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وذرية الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) ، وإنتهاكات لجميع قوانين الحرب ، وحقوق الطفل ، وحقوق المرأة ، وحقوق حماية المدنيين والأسرى ، فالكل يعرف حجم وخطر تلك الخروقات حيث انقلب الحاكم الأموي وعلنا على كل شيء ومارس البطش والقتل والتعذيب والأسر، ولم يسلمْ من التذبيح حتى الطفل الرضيع للإمام الحسين (عليهما السلام) إبن الستة أشهر الذي ذُبِحَ من الوريد إلى الوريد، وبقسوة ووحشية لَم يسبق لها مثيل في التاريخ الإسلامي أو البشري...

لـمـاذا كلّ ذلك البطش قبل الحرب وبعدها ؟

 لـمـاذا كلّ ذلك التذبيح والتشريد والتعذيب والتهجييروالسلب والنهب ودون تمييز بين الأطفال والكبار، وبين المدنيين وغيرهم ؟

إنّه الإنقلاب الشمولي الأسود الذي أراد شرعنة العودة الى الجاهلية ، وماقبلها من ظلام وظلمات، فرفع الإمام الحسين (عليه السلام) لواء الإصلاح والتصحيح ، وصَمَدَ وجَاهَدَ بالحوار حتى آخر رمق وآخر نفس رافضا تنفيذ البيعة القسرية ليزيد بن معاوية في نظام ملكي وراثي فاسد، لكن الطاغية أبى إلاّ القتل والتذبيح والحرق والأسر وقطع الرؤوس الشريفة، ورفعها على الأسِنة والمشي بها أمام أُسر وأطفال وذوي الأسرى التي قِيدت بعد كلِّ ذلك مِن كربلاء إلى الكوفةِ في العراق ، ومِن العراق إلى الشام حيث العاصمة آنذاك، ومن الشام الى المدينة المنورة للإستقرار  فيها بعد المرورا بكربلاء المقدسة ... لكن ذلك الظلم والتعسف أستمر حتى بعد إنتهاءالحرب التي أبى وابى الإمام أن يبدأها هو ، فبعد رحلة الأسر الطويلة لآل البيت ( عليهم السلام ) ومعاناتها ومأسيها ، وعودة حفيدة الرسول الأكرم العقيلة زينب بنت علي بن أبي طالب ( عليهم السلام  ) ضمن البقية الباقية حكم الطاغية عليها بالنفي من المدينة المنورة الى الشام ،وكانت في المنفى حتى لحوقها بالرفيق الأعلى.

إذن هنالك في التاريخ ، وفي عصر واحد ، هو عصر دولة الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) صورتان لحقوق الإنسان والإلتزام بتلك الحقوق :

الأولى : تلك الصورة القاتمة السوداء التي تصرّف بها الصحابي خالد بن الوليد مع بني جذيمة ، والتي رفضها الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) جملة وتفصيلا ، وعلى رؤوس الأشهاد ، وبكى لذلك ، وتبرأ من فعلة خالد المذكورة ثلاثا أمام الله عزوجل والأمة .

الثانية : تلك الصورة البيضاء الناصعة المشرقة التي حفرها الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) في جبين التاريخ في كل خطوة من خطواته بعد وصول خبر فعلة خالد اليه ، حيث دعا الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام ) لردّ الإعتبار الى كل الذين انتهكت حقوقهم وإرضاءهم وبشكل منقطع النظير في التاريخ البشري .

الأولى صورة مسجلة في التاريخ ، والثانية كذلك ، الأولى سوداء لقائد ميداني خالف فيها عهد الله ورسوله وأنزلق فعاد ليمارس سنّة الجاهلية ، بينما الثانية بيضاء تزداد إشراقاً مع الزمن ، وهي لقائد الأمة ونبيـها الذي أرسله الله رحمة للبشرية كلها :

فلمـاذا يرى البعض الصورة الأولى ، ولايرى الثانية ! ؟

فيتستر بالأولى لتنسيب وتسويق مايروق له ويميل إليه الى الإسلام .

ولماذا هذا التعـمـيم ! ؟

لماذا هذا الخلط بين تاريخ الإسلام من جهة ، وتاريخ المسلمين من جهة ثانية ! ؟

لماذا هذا الخلط بين تاريخ المسلمين من ناحية ، وتاريخ بعض القادة اوالحكام من المسلمين من ناحية ثانية؟

نعـم هناك تاريـخ للأديان ومنها الإسلام ، وتاريخ للشعوب اوالأمم ومنها الأمة الإسلامية ، وتاريخ عام للحكومات ، وتاريخ خاص بالمسؤولين الحكوميين والقياديين من ذوي الشخصيات المستقرة المطمئنة كسلمان المحمدي وأبي ذر الغفاري ( رضي الله عنهما) مثلاً ، وآخر خاص بالمسؤولين الحكوميين والقياديين من ذوي الشخصيات القلقة غيرالمستقرة مثل خالد بن الوليد وغيره ، فلابـد من الفرز المترابط بين كل من التواريـخ المذكورة لمقاربة الحقيقة التاريخية وتحاشي الخلط المهلك ، ولايُمثِل الإسلامَ وتاريخه الإ الرسول الأكرم وأوصياءه المعينين ، أما الأمة أو أكثريتها أوبعضها أوحكومتها أوحكوماتها أوبعض حكامها أوقادتها فلا تُمثِل الإسلامَ إلا بقدر إلتزامها بالإسلام وتشريعاته الثابتة بواسطة الرسول الأكرم وأوصياءه المعينين ( عليهم الصلاة والسلام ) ، ولذلك وغيره مازلت أتصورأن الأقرب للصواب هو إصطلاح الأمة المسلمة ، لا الأمة الإسلامية ، والفكر المسلم ، لا الفكر الإسلامي ، وما نحو ذلك كما تناولت ذلك في سلسلة بعنوان : لـمـاذا إعـادة كتابة التـاريـخ  ؟ ، وذلك في مطلع الثمانيات .

لنرجع الى البحث الأصلي لهذا المقال بطرح السؤال التالي :

متى وقعت الصورة السوادوية القاتمة الأولى  ؟

ونفس السؤال يفرض نفسه بالنسبة للصورة الثانية البيضاء المشرقة ، وللصورة  المأساوية الدموية الثالثة أعني ممارسات الطاغية يزيد قبل ومع وبعد واقعة عاشوراء الأليمة على قلوب المسلمين بل البشرية ، حيث سجل الطغيان أرقاما قياسية في خرق حقوق الإنسان التي وضعها وتفانى في نشرها والإلتزام بها الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) ، لنضع الأحداث أو الصور الثلاث في السياق الزمني ، لأنّ أي إنقلاب ومنه الإنقلاب الأموي الكامل على جميع القيم والمفاهيم المحمديّـة ، ومنها مايرتبط بحقوق الإنسان وقوانين الحرب والأسرى عملية تـراكميـة لاتأتي من فراغ في نفس الوقت الذي لايمكن تنقـيذ الإنقلاب إلا بعد التكريس التدريجـي ّللفراغ .

الصورة البشعة الأولـى لخرق حقوق الإنسان والتي أبكـت الرسول الأكـرم (صلى الله عليه واله وسلم ) وقعت كما في الرواية المتقدمة سنة ثمان ، وبعد فتح مكة المكرمة ، وهكذا الصورة الثانية المشرقة لإحتـرام حقوق الإنسان قولا وعملا وأمام الله والأمة يبدو أنها وقعت في العام نفسه .اما الإنقلاب الذي ركب قاربه الأمويون لاحقاً للإنفلات من المفاهيم والقيم المحمدية السمحاء فكانت بذوره متفرقة بصورة جزئية هنا وهناك ، ولا سيما في بعض الشخصيات القلقة ، لكنه لم يكن قادرا بحال من الأحوال الإظهار والتظاهر بذلك مع وجود الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) ، لذلك لم يتمكن من أن يفعل فعلته إلا بعد خطوات بدأت بالإبتعاد عن أسس الحكم الصالح الرشيد والنظام السياسي المرسوم ، وأسس النظام الإقتصادي والإجتماعي والعسكري وكبت ومصادرة الحريات فسدّ أبواب النقد والمراجعة بإضفاء هالة من التقديس والحصانة لجميع تصرفات الحاكم وحاشيته بما لم ينزل به الله من أمر ، فتراكمت الأخطاء حتى وقع الإنقلاب الأموي الأسود الكبير وكانت عاشوراء سنة 61 للهجرة للإصلاح والتصحيح فالعودة الى الصورة اواللقطة الثالثة من هذه اللقطات المختارة كانت بعد نصف قرن من وقوع الصورة الأولى ؟

طبعاً في البين صور، وصوركثيرة لكننا للتركيزهنا أخترنا هذه الصور الثلاث فقط ،استعرضنا الصورتين الأولى السوداء والثانية البيضاء ، اما الصورة الثالثة فهي تتعلق بمحنة واحدة ومأساة طويلة واحدة من واقعة عاشوراء الأليمـة وترتبط تحديداً بعذابات طفلين يتيمين من أطفال مسلم بن عقيل( رضي الله عنهم جميعا ) تمّ القبض عليهم كرهائن أوأسرى في كربلاء المقدسة،وفصلهما من بقية الأسرة والأسرى ، طبعا بعد قتل الوالد( مسلم بن عقيل ) بتلك الصورة المعروفة قبل أقل من شهرين ، وذبح إخوان لهما الى جوار الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، واودعا السجن لفترة طويلة حتى استشهدا بصورة مأساوية كما سيأتي ، لكن قبل إستعـراض تفاصيل ذلك لابد من الإشارة الى امور منها :

- انّ          أسـر المسلم للمسلم من البدع التي ابتدعت مع ذلك الإنقلاب الشمولي الأسود.

- انّ الرسول الأكرم ( صلى الله عليه واله وسلم ) أكدَّ على حسن معاملة أسرى الحرب والتزم بذلك في كل الظروف،وسارعلى نهجه أوصياءه كالإمام علي بن أبي طالب وولديه الإمامين الحسن المجتبى والحسين الشهيد ( عليهم السلام ) في جميع الحروب والمواجهات التي أشتركوا فيها ، كما واصلوا الدعوة والضغط للإلزام بذلك طوال العقود الخمس التي تفصل بين وقوع كل من الصورتين الأولى والثانية من جهة ، والصورة الثالثة من جهة أخرى، فلم يسمحوا لتغييب القيم والمفاهيم المحمدية السمحاء، وللمثال لا الحصر نورد هذه الأمثلة :

1- عن الإمام محمد بن الباقر ( عليهما السلام ) قال :

  (( كان علي – عليه السلام – إذا أخذ أسيراً أخذ سلاحه ودابته واستحلفه أن لا يعين عليه )) ( 7)

2- ( أسر مالك الأشتر يوم الجمل مروان بن الحكم فلم يزد الإمام على معاتبته وأطلقه ) (8 )

3- ( لما انتصر علي عليه السلام في حرب الجمل ، قالت عائشة : (( ملكت فأسجـح ))  يعني : اعف بفضلك .فعفى عنها أمير المؤمنين – عليه السلام – ثم جهزها أحسن الجهاز ، وبعث معها بتسعين امرأة أوسبعين يرافقنها ، وهن في ملابس الرجال حفاظا عليها من البصرة الى المدينة ) (9 )

4- كما عفى أمير المؤمنين (عليه السلام ) عن أهل البصرة ، وعن المشتركين في الحرب والمساهمين فيها ، وحتى عن رؤوس أصحاب الجمل مثل عبدالله بن الزبير وغيره ، ففي كتاب بحار الأنوار عن المناقب :

ان عائشة بعثت أخاها محمد بن أبي بكر الى أمير المؤمنين (عليه السلام

 ) تطلب منه الأمان والعفو لعبد الله بن الزبير. فآمنه أمير المؤمنين (عليه السلام  )  و آمن معه سائرالناس ممن اشتركوا في حرب الجمل .( 10)

ولم يسمح وبمختلف الوسائل والسبل الإمام علي بن أبي طالب بغياب اوتغييب نهج الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) وتمسكه وإلتزامه بحقوق الإنسان وقوانين الحرب والأسرى وماالى ذلك ، بعد رحيله ما استطاع الى ذلك سبيلا ، وللمثال :

عن محمد بن جرير الطبري قال :

لـمـا ورد سبي الفرس الى المدينة ، أراد عمر بن الخطاب بيع النساء وأن يجعل الرجال عبيداً ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام  ) :

ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال : ( أكرموا كريم كلّ قـوم )

فقال عمر : قد سمعته يقول : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ، وان خالفكم .

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام  ) : هؤلاء قوم قد ألقوا اليكم السلم ، ورغبوا في الإسلام ولابد من أن يكون لي فيهم ذرية ، وأنا أشهد الله وأشهدكم ، إني قد أعتقت نصيبي منهم لوجه الله .

فقال جميع بني هاشم قد وهبنا حقنا لك أيضاً .

فقال : اللهـم اشهد أني قد أعتقت ما وهبوا لي لوجه الله .

فقال المهاجرون والأنصار : قد وهبنا حقنا لك يا أخا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم ) .

فقال : اللهـم أشهد أنهم قد وهبوا لي حقهم و قبلته ، وأشهدك إني قد أعتقتهم لوجهك .

فقال عمر : لـم نقضت عليّ عزمي في الأعاجم ، وما الذي رغبك عن رأيي فيهم ؟

فأعـاد عليه ما قاله رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم ) في إكرام الكرماء .

فقال عمر : قد وهبت لله ولك يا أبا الحسن ، ما يخصني وسائر ما لم يوهب لك .

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام  ) : اللـهم أشهد على ما قاله ، وعلى عتقي إياهم ، فرغب جماعة من قريش أن يستنكحوا النساء فقال أمير المؤمنين (عليه السلام  ) :

(( هؤلاء لا يكرهـن على ذلك ولكن يخيرن ، فما اخترنه عمل به )) (11 )

إذن تطبيقات وأثارالصورة الثانية المشرقة لإحترام حقوق الإنسان وملحقاتها حقوق المرأة ، حقوق الطفل ، وحقوق الأسرى و... لم تكن غائبة تماما خلال العقود الخمس التي فصلت بين كل من الصورة السوداء الأولى والبيضاء الثانية من جهة ، والصورة الماساوية الثالثة التي لم نستعرضها بعد من جهة اخرى .

الصورة الثالثة وقعت بعد واقعة عاشوراء الـمؤلمة في سنة 61 للهجرة حيث تجاوز الحاكم الأموي قبلها وخلالها وبعدها تجاوزات وخروقات كثيرة و كبيرة وكبيرة جداً منها خرق قوانين الحرب والأسر وحقوق المدنيين والنساء والأطفال وكل حقوق الإنسان التي حددها وطبقها الرسول وأوصياءه ( عليهم الصلاة والسلام ) ، والتي تتقدم على اللوائح والمواثيق والقوانين الدولية المعاصرة إنسانية ًودقة ًًوإلـزاماً ( 12)

نعم لم يذبحوا في كربلاء حفيد الرسول الأكرم ( عليهما الصلاة والسلام ) وتلك الكوكبة الطاهرة الذين حملوا السلاح للدفاع ، ولم يبدؤوا بالقتال ابدا ، بل حاصروهم وقطعوا الماء عليهم ، ومنعوهم من حفر الأرض بحثا عن الماء ، وغدروا وبطشوا بهم ، وقتلوا المرأة والطفل أيضا ، وبعد استشهاد الإمام الحسين بن علي ( عليهما السلام ) أضرموا النار في خيامه وخيام أسرته وأسر الشهداء ، وشردوهم في الصحراء، وعذبوهم وضربوا الأطفال والكبار،وسجنوهم في ظروف قاسية غير قابلة للتصور، وساقوهم مقيدين كأسرى مع الرؤوس الشريف من بلد الى بلد وليس فيهم إلا رجل واحد مثقل بالمرض وهوالإمام السجاد (عليه السلام ) ، أما البقية اما نساء فقدن أزواجهن وإخوانهن وأبنائهن وأطفالهن ، أوأطفال فقدوا الأباء والإخوان والأعمام و ..

أجل قادوهم كأسرى ، ولم يلتزموا بحقوق الأسير المحمدية المفعمة بالمحبة والإنسانية والعدل بما ويفوق حقوق الأسير في القوانين الدولية المعاصرة المعاصرة ، وماهم بأسرى في الواقع سواءاً رجعنا الى المفهوم المحمدي للأسير ، اورجعنا الى المفهوم الدولي المعاصر للأسير ، حيث في الثاني أسرى الحرب هم الذين يقبض عليهم عليهم في حالة الحرب فقط ، ويكونون عادة من أفراد القوات المسلحة النظامية ، او المرافقين للقوات المذكورة في مهمات معينة كملاحي البواخر والمراسلين الحربيين ، او أفراد الميليشيا وأفراد الوحدات المتطوعة ، اوسكان الأراضي غير المحتملة الذين يحملون السلاح بإختيارهم للمقاومة عند مداهمة أرضهم ، او الأشخاص الذين كانواعاملين في القوات المسلحة في الأراضي المحتلة قبل إحتلالها ، وذلك إذا رأت دولة الإحتلال ضرورة لإعتقالهم .

لنرجع الى الصورة الثالثة والتي تتعلق بمحنة واحدة ومأساة طويلة واحدة من واقعة عاشوراء الأليمـة وترتبط تحديداً بعذابات طفلين يتيمين من أطفال مسلم بن عقيل( رضي الله عنهم جميعا ) تمّ القبض عليهم كرهائن أوأسرى فلنستعرض معا القصة التي يذكرها المؤرخون تحت عنوان : (شهادة ولدي مسلم بن عـقيل الصغيرين رضى الله عنهما) :     

أمالي الصدوق: أبي، عن علي، عن أبيه، عن إبراهيم بن رجا، عن علي بن جابر عن عثمان بن داود الهاشمي، عن محمّد بن مسلم، عن حمران بن أعين، عن أبي محمّد شيخ لأهل الكوفة قال:

 لمّا قتل الحسين بن علي عليها السلام أُسر من معسكره غلامان صغيران فاُتي بهما عبيد الله بن زياد،فدعا سجّانا ًله فقال:

خذ هذين الغلامين إليك

فمن طيب الطعام فلا تطعمهما

ومن البارد فلا تسقهما

وضيّق عليهما سجنهما.

وكان الغلامان يصومان النهار، فإذا جنّهما الليل اُتيا بقرصين من شعير،وكوز من ماء القراح.

فلّما طال بالغلامين المكث حتّى صارا في السنة، قال أحدهما لصاحبه:

 يا أخي قد طال بنا مكثنا،ويوشك أن تفنى أعمارنا،وتبلى أبداننا،فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا،وتقرّب اليه بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلّم لعلّه يوّسع علينا في طعامنا،ويزيدنا في شرابنا.فلمّا جنّهما اللّيل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير،وكوز من ماء القراح فقال الغلام الصغير:

 يا شيخ أتعرف محمّداً؟

قال: فكيف لاأعرف محمّداً وهو نبيّي؟

قال أفتعرف جعفر بن أبي طالب؟

قال: وكيف لاأعرف جعفراً وقد أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء؟

قال أفتعرف علي بن أبي طالب؟

قال: وكيف لاأعرف علياً وهو ابن عم نبيّي وأخو نبيّي؟

قال له: يا شيخ فنحن من عترة نبيك محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب بيدك اُسارى نسألك من طيب الطعام فلا تطعمنا،ومن بارد الشراب فلاتسقينا،وقدضيّقت علينا سجننا .

فانكبّ الشيخ على أقدامهما يقبّلهما ويقول:

نفسي لنفسكما الفداء، ووجهي لوجهكما الوقاء،ياعترة نبيّ الله المصطفى،هذا باب السجن بين يديكما مفتوح، فخذا أيّ طريق شئتما.

فلمّا جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح، ووقفهما على الطريق، وقال لهما:

سيرا ياحبيبّي الليل،واكمنا النهار حتّى يجعل الله غزّوجلّ لكما من أمركما فرجاً ومخرجاً.

 ففعل الغلامان ذلك.فلمّا جنّهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب فقالا لها:

 إنّا غلامان صغيران غريبان حدثان،غير خبيران بالطريق،وذا الليل قد جنّنا أضيفينا سواد ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق،فقالت لهما :

فمن أنتما يا حبيبيّ فقد شممت الروائح كلّها فما شممت رائحة هي أطيب من رائحتكما؟

فقالا لها: يا عجوز نحن من عترة نبيّك محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل.

 قالت العجوز: ياحبيبيّ إنّ لي ختناً(13) فاسقاً قد شهد الوقعة مع عبيد الله بن زياد أتخوّف أن يصيبكما ههنا فيقتلكما.

قالا: سواد ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق فقالت:

سآتيكما بطعام ثمّ أتتهما بطعام فأكلا وشربا.

 فلمّا ولجا الفراش قال الصغير للكبير:

يا أخي إنّا نرجو أن نكون قد أمنّا ليلتنا هذه، فتعال حتّى اُعانقك وتعانقني وأشم رائحتك وتشمّ رائحتي قبل أن يفرّق الموت بيننا، ففعل الغلامان ذلك واعتنقا وناما. فلمّا كان في بعض الليل أقبل ختن العجوزالفاسق حتّى قرع الباب قرعاً خفيفاً .

فقالت العجوز: من هذا؟

قال أنا فلان، قالت: ماالّذي أطرق كهذه الساعة؟

وليس هذا لك بوقت؟

قال: ويحك!افتحي الباب قبل أن يطير عقلي، وتنشقّ مرارتي في جوفي، جهد البلاء قد نزل بي .

قالت: ويحك ما الّذي نزل بك؟

قال هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد الله بن زياد فنادى الأمير في معسكره: منْ جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم

ومنْ جاء برأسهما فله ألفا درهم

 فقد أتعبت وتعبت ولم يصل في يدي شيء.

فقالت العجوز:

 ياختني احذرأن يكون محمّد خصمك في القيامة.

قال لها:

ويحك إنّ الدّنيا محرص عليها .

 فقالت:

 وماتصنع بالدّنيا وليس معها آخرة

قال: إنّي لأراكِ تحامين عنهما كأّن عندكِ طلب الأمير شيء فقومي فأنّ الأمير يدعوكِ .

قالت: وما يصنع الأمير بي وأناعجوزفي هذه البرية

قال: إنّما لي(الطلب) افتحي لي الباب حتى أريح وأستريح ، فإذا أصبحت بكّرت في أيّ الطريق آخذ في طلبهما .

ففتحت الباب وأتته بطعام وشراب،فأكل وشرب . فلمّا كان في بعض الليل سمع غطيط ( 14) الغلامين في جوف البيت فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج، ويخور كما يخور الثور، ويلمس بكّفه جدار البيت حتّى وقعت يده على جنب الغلام الصغير، فقال له: من هذا؟

قال: أمّا أنافصاحب المنزل فمنْ أنتما؟

فأقبل الصغير يحرّك الكبير، ويقول:

قمْ ياحبيبي فقد والله وقعنا فيما كنّا نحاذره.

قال لهما:

منْ أنتما قالا:

يا شيخ إنْ نحن صدقناك فلنا الأمان؟

قال:  نعم .

قالا: أمان الله وأمان رسوله وذمّة الله وذمّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟

قال: نعم .

قالا: ومحمّدبن عبدالله على ذلك من الشاهدين ؟

 قال: نعم .

 قالا: والله على مانقول وكيل وشهيد؟

قال: نعم .

 قالا له : ياشيخ فنحن من عترة نبيك محمّدصلّى الله عليه وآله وسلّم هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل .

فقال لهما : من الموت هربتما، والى الموت وقعتما الحمد لله الّذي أظفرني بكما.

فقام الى الغلامين فشّد أكتافهما، فبات الغلامان ليلتهما مكتّفين.

فلمّا انفجر عمود الصبح دعا غلاماً له أسود يقال له : فُليح، فقال له :

خذْ  هذين الغلامين فانطلق بهما الى شاطئ الفرات واضرب أعناقهما وائتني برؤوسهما لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد،وآخذ جائزة ألفي درهم .

فحمل الغلام السيف ومشى أمام الغلامين فما مضى إلاّغير بعيد حتّى قال أحد الغلامين :

ياأسود ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

قال:

إنّ مولاي قد أمرني بقتلكما فمن أنتما؟

قالا له: يا أسود نحن من عترة نبيّك محمّد صل الله عليه وآله ، هربنا من سجن عبيدالله بن زياد من القتل أضافتنا عجوز كم هذه، ويريد مولاك قتلنا .

فانكبَّ الأَسود على أقدامهما يقبِّلهما و يقول :

نفسي لنفسكما الفداء ، ووجهي لوجهكما الوقاء ، عترة نبيِّ الله المصطفى، والله لا يكون محمَّد خصمي في القيامة .

 ثمَّ عدا فرمى بالسيف من يده ناحية، وطرح نفسه في الفرات وعبرإلى الجانب الآخر فصاح به مولاه يا غلام عصيتني؟

فقال : يا مولاي إنّما أطعتك مادمت لاتعصي الله ، فاذا عصيت الله فأنا منك بريء في الدّنيا والآخرة .

فدعا ابنه فقال :

 يا بنيّ إنّما أجمع الدّنياحلالها وحرامها لك، والدّنيا محرص عليها :

فخذْ هذين الغلامين إليك فانطلق بهما الى شاطئ الفرات، فاضربْ أعناقهما وائتني برؤوسهما لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم .

 فأخذ الغلام السيف ومشى أمام الغلامين، فما مضيا إلاّغير بعيد حتّى قال أحد الغلامين:

 ياشابّ ماأخوفني على شبابك هذا من نار جهنّم؟

فقال يا حبيبيّ فمنْ أنتما؟

قالا: من عترة نبيك محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، يريد والدك قتلنا ؟

فانكبّ الغلام على أقدامهما يقبّلهما ويقول لهما مقالة الأسود، ورمى بالسيف ناحية، وطرح نفسه في الفرات وعبر.

فصاح به أبوه يا بنيّ عصيتني؟

قال: لأن اُطيع الله وأعصيك أحبّ إليّ من أن أعصي الله واُطيعك.

قال الشيخ:

لايلي قتلكما أحد غيري، واخذ السيف ومشى أمامهما، فلمّا صار إلى شاطئ الفرات : سلّ السيف عن جفنه فلمّا نظر الغلامان إلى السيف مسلولا :

أغرورقت أعينهما وقالا له:

 يا شيخ انطلقْ بنا إلى السوق واستمتع بأثماننا ولا ترد أن يكون محمّد خصمك في القيامة غداً .

فقال:

لا، ولكن أقتلكما وأذهب برؤوسكما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفين، فقالا له: ياشيخ أما تحفظ قرابتنا من رسول الله؟

فقال:

ما لكما من رسول الله قرابة

قالا له :

ياشيخ فائتِ بنا إلى عبيد الله بن زياد، حتّى يحكم فينا بأمره .

 قال:

 ما إلى ذلك سبيل إلاّ التقرّب إليه بدمكما قالا له :

 ياشيخ أما ترحم صغر سّننا؟

 قال:

ما جعل الله لكما في قلبي من الرّحمة شيئاً.

قالا ياشيخ:

إنْ كان ولابدّ، فدعنا نصلّي ركعات .

 قال: فصلّيا ماشئتما إنْ نفعتكما الصلاة .

فصلّى الغلامان أربع ركعات، ثمّ رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا:

ياحيّ ياحليم يا أحكم الحاكمين، احكم بيننا وبينه بالحقّ .

 فقام إلى الأكبر فضرب عنقه وأخذ رأسه ووضعه في المخلاة .

واقبل الغلام الصغير يتمرّغ في دم أخيه وهو يقول:

 حتّى ألقى رسول الله وأنا مختضب بدم أخي .

فقال:

لاعليك، سوف الحقك بأخيك .

 ثمّ قام إلى الغلام الصغير، فضرب عنقه وأخذ رأسه، ووضعه في المخلاة، ورمى ببدنهما في الماء، وهما يقطران دماً .

ومرّ حتّى أتى بهما عبيد الله بن زياد، وهو قاعد على كرسيّ له، وبيده قضيب خيزران، فوضع الرأسين بين يديه.

فلمّا نظر إليهما قام ثمّ قعد(ثمّ قام ثمّ قعد) ثلاثاً ثمّ قال:

الويل لك

أين ظفرت بهما؟

قال : أضافتهما عجوزلنا .

قال:

فما عرفت لهما حقّ الضيافة ؟

قال:

لا، قال: فأيّ شئ قالا لك؟

قال:

قالا ياشيخ أذهبْ بنا إلى السوق فبعنا فانتفعْ بأثماننا ولاترد أن يكون محمّد خصمك في القيامة .

قال:

فأيّ شئ قلت لهما؟

قال: قلت:

لا ولكن أقتلكما وأنطلق برؤوسكما إلى عبيد الله بن زياد، وآخذ جائزة ألفي درهم . قال:

فأيّ شئ قالا لك؟

قال: قالا:

اتِ بنا إلى عبيد الله بن زياد حتّى يحكم  فينا بأمره .

قال:

فأيّ شئ قلت؟

قال: قلت:

ليس إلى ذلك من سبيل إلا التقرّب إليك بدمهما.

قال:

فأيّ شئ قالا أيضاً ؟

قال:

قالا لي:

ياشيخ احفظ ْ قرابتنا من رسول الله .

قال:

فأيّ شئ قلت لهما ؟

قال:

قلت لهما: ما لكما من رسول الله قرابة

قال:

ويلك فأيّ شئ قالا لك أيضاً ؟

قال:

قالا: ياشيخ ارحمْ صغر سنّنا.

قال:

فما رحمتهما ؟

قال :

قلت: ما جعل الله لكما من الرحمة في قلبي شيئاً .

قال:

ويلك فأيّ شئ قالا لك أيضاً ؟

قال:

قالا: دعنا نصلّي ركعات، فقلت: فصلّيا ماشئتما إن نفعتكما الصلاة فصلّى الغلامان أربع ركعات .

قال:

فأيّ شئ قالا في آخر صلاتهما ؟

قال: رفعا طرفيهما إلى السماء وقالا: يا حيّ يا حليم، يا أحكم الحاكمين احكم بيننا وبينه بالحقّ.

قال:

عبيد الله بن زياد :

فأنّ أحكم الحاكمين قد حكم بينكم.

منْ للفاسق ؟

قال: فانتدب له رجل من أهل الشام .

 قال:

أنا له.

قال:

فانطلقْ به إلى الموضع الّذي قتلَ فيه الغلامين، فاضربْ عنقه، ولاتتركْ أن يختلط دمه بدمهما وعجّل برأسه.

 ففعل الرجل ذلك ، وجاء برأسه فنصبه على قتاة، فجعل الصبيان يرمونه بالنبل والحجارة . وهم يقولون :

هذا قاتل ذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

..........................................

المصادر :

( 1) : الفقه النظافة للإمام الراحل السيد محمد الشيرازي – الصفحة ( 323- 324 )

( 2) : بحارالإنوار للعلامة المجلسي ( ر ) – الصفحات (142 ) نقلا عن : الخصال وامالي الصدوق  – الصفحة (104-105 )

( 3 ) : الرواية مذكورة أيضا في مصادر عديدة مع إختلاف في الألفاظ والتفصيل والإجمال منها ما أشار إليها في البحار مثل : الإرشاد للمفيد ( ر) الصفحة ( 70-71 ) ، اعلام الورى الصفحة ( 69-70 ) ، الكامل لابن الأثيرالجزء (2 )- الصفحة ( 173 ) ، الخصال الجزء ( 2 ) – الصفحة ( 173 ) ، مجالس ابن الشيخ الصفحة ( 317-318 ) .

(4) ألف دينار ذهب وهو ما يعادل ثلاثة آلاف ومائتين وخمسين غراما تقريبا ، ومن الذهب الخالص .

( 5 ): المبالغ هي الأواني المعدة لسقي الكلاب وإطعامهم ، والعقل هي الحبال التي تربط بها أيدي وأرجل الأبل .

( 6 ) : البحار نقلا عن الكامل لابن الأثير – الجزء ( 2 ) – الصفحة ( 173 ) .

( 7 ) : فقه النظافة – للإمام الشيرازي الراحل – تحت عنوان : نظافة التعامل مع الأسرى – ص 361- 363 نقلاعن : وسائل الشيعة – ج (11) – ص ( 51) – ب ( 21) – ح (1 )

( 8 ) : فقه النظافة – للإمام الشيرازي الراحل – تحت عنوان : نظافة التعامل مع الأسرى – ص 361- 363 نقلاعن : البحار – ج ( 41) – ص ( 49 ) – ب ( 104 ) – ح ( 2 ) .

( 9 ) : فقه النظافة – للإمام الشيرازي الراحل – تحت عنوان : نظافة التعامل مع الأسرى – ص 361- 363 نقلاعن : البحار – ج ( 41) – ص ( 49 ) – ب ( 104 )- ح ( 2 ) .

(10) : فقه النظافة – للإمام الشيرازي الراحل – تحت عنوان : نظافة التعامل مع الأسرى – ص 361- 363 نقلاعن : مناقب آل أبي طالب – ج 2- ص – 114

( 11 ) : فقه النظافة – للإمام الشيرازي الراحل – تحت عنوان : نظافة التعامل مع الأسرى – ص 361- 363 نقلاعن :  بحار الأنوار – ج- 46- ص-15 – ب- 1- ح – 33 .

( 12 ) : للوقوف على التفاصيل راجع للإمام الشيرازي الراحل :

 كتاب : فقه النظافة للإمام الشيرازي الراحل ، وتحت عنوان : نظافة الحرب – ص- 356 – 363 .

 ( 13 ) الختن : زوج فتاة القوم ومن كان من قبله من رجل او امرأة فهم كلهم أختان لأهل المرأة وأم المرأة وأبوها ختنان .

لسان العرب ج - 13- ص- 138

(14 ) غطيط : النائم والمخنوق نخيره وغط يغط غطا وغطيطا فهو غاط .

لسان العرب ج – 7- ص – 362