البراغماتية الأميركية ومستقبل المنطقة العربية

 

 

عبدالله محمد سعيد الملا* 

 

الحديث هنا عن البراغماتية والسياسة الأميركية الخارجية بمعنى الفاعل (أميركا) والمفعول به، وما سوف يترتب عليه في الإطار الاستراتيجي. فهذه البراغماتية التي تعتبرها الانتلجنسيا العربية شيئاً مقززاً يقترب من اللفظة العامية «مصلحجي»، أي أن الشخص البراغماتي يقوم بأعمال ملتوية وغير أخلاقية للوصول إلى مصالحه.

أما المنجد فإنه يعرف البراغماتية بأنها مذهب فلسفي يرى أن معيار الأفكار الناجحة في قيمة نتائجها العملية (فلسفة يونانية). وهكذا فعندما يصور الأميركيون الفرد الأميركي بأنه براغماتي، فإنهم يعنون أنه الشخص الناجح الذي يعتمد عليه في تحقيق النتائج المرجوة بأقل التكاليف وبأسرع وقت ممكن.

ولذلك فإن البراغماتية هي قلب عقيدة العمل الأميركي، فمن النادر أن ترى قائداً في القطاع الخاص أو العام يصل إلى هذا المستوى دون أن يتحلى بهذه العقيدة.

إذاً فالبراغماتية هي التركيبة الشخصية الدافعة لصانعي القرار الأميركي، وهي بصفة عامة متواجدة في الشخصية العربية، فمحلياً يوصف الرجل بأنه «يفك ويربط» بمعنى أنه يفك المشكلات والعقد ويفتح الطريق، وأما الربط فيعني أنه يتوصل إلى حلول وينهي المشكلات.

وإذا كان من الشائع عندهم وعند غيرهم من شعوب العالم منذ الأزل مفهوم أن «عدو عدوي هو صديقي» أليست هذه هي البراغماتية بعينها؟

إن ما تختلف فيه الشعوب هو ثقل البراغماتية في مذاهبها السياسية، فالولايات المتحدة الأميركية تحكمها أربعة مذاهب تتركز عليها السياسة الخارجية الأميركية daeM، 2001 والمسماة باسم الرؤساء الأميركيين الذين وضعوها:

فالأولى تسمى «هملتونين» وترتكز على أهمية الاقتصاد الأميركي داخليا وخارجيا.

والثانية تسمى «ولسونين» وتركز على نشر القيم الأميركية حول العالم.

والثالثة تسمى «جيفيرسونين» وتركز على حماية الديمقراطية الأميركية في عالم من العلمانية.

وأما الرابعة فتسمى «جاكسونين» وتركز على الحفاظ على مصالح وشرف الولايات المتحدة الأميركية في العالم، ويؤثرون فيها استخدام القيم والقوة العسكرية الأميركية.

وقام الكاتب في العدد المشار إليه من مجلة «ميد» بتحليل التطور التاريخي لهذه المذاهب فوجد أن في كل منها نقاط ضعف وقوة، وان كل واحد من هذه المذاهب يعتمد على تركيبة شخصية معينة، حيث أن الولسونيين يعتبرون مثاليين لدرجة كبيرة.

والجاكسونيين متخوفون من العالم وكل واحد منهم يبقى في حالة تأهب، وكلاهما يضع الآخر تحت المنظار لمنع سيطرة أي منهما على الآخر، وكان هذا هو الحال خلال الحرب الباردة، أما بعد نهاية الحرب الباردة فأصبح العالم أكثر تعقيداً .

وانتهى الأمر إلى الإجماع حول توازن المذاهب، فالهاملتونيون والولسونيون وجدوا فرصة لصياغة الاقتصاد والقيم العالمية في صورة أميركية، لكن الجيفيرسونيين أبدوا تشككاً حول التحرك الدولي والمشاريع الكبيرة في مناطق كالبوسنة. وأما الجاكسونيون فقد أبدوا تشككاً حول المؤسسات المختلفة كمنظمة التجارة العالمية..

ويعبر الكاتب عن قلقه حول السياسة الخارجية الأميركية اليوم، حيث لا تتسم بالتركيز وتحولت إلى عدم الأخذ بالاقتراحات أو التعلم من الماضي والأحداث التي رافقت هذه المذاهب.

في الطرح أعلاه يرسم الكاتب لنا النهج الأميركي (بعد انهيار الحرب الباردة) في السياسة الخارجية والذي يعتمد على توازن أو طغيان أحد أو أكثر من هذه المذاهب الأربعة على السياسة الخارجية الأميركية، أما في الوقت الراهن فيستطيع القارئ تركيب هذه المذاهب حسبما يرى.

وأحد هذه التركيبات يرى بأن الشرق الأوسط تحت المذهب الجاكسوني (استخدام القوة) والذي يعتمد على الحفاظ على مصالح وشرف الولايات المتحدة يعضده المذهب الهاملتوني (الاقتصاد الأميركي - النفط) والولسوني (نشر القيم - الليبرالية والديمقراطية)، وهذا التحالف فتح الباب امام الحرب ضد الإرهاب وحرب العراق.

وإعطاء التيار الديني العربي الفرصة بالمشاركة السياسية لمعرفة المدى الذي يمكن أن يصل إليه في العلاقات الأميركية - العربية (كل من الولايات المتحدة وإسرائيل يلعب التيار الديني فيهما وزناً كبيراً في إدارة الحكم) بما يعكس أيضاً تأثير الولسونيين (القيم الأميركية).

قبل استعراض صور أخرى حول تأثير هذه المذاهب في معطيات الأمور من قبل (الفاعل) أميركا، فان كانت البراغماتية هي الأداة المستخدمة فان (المفعول به) هو «إسرائيل».

وهنا لنا وقفة، فإسرائيل تتكون من يهودية وأيديولوجية ودولة، فاليهودية ديانة إلهية بذاتها أما الأيديولوجية «الصهيونية» فهي من صنع الإنسان لها دورة حياة وكذلك الدولة «إسرائيل» ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة أحقية إسرائيل في الوجود، فلا إسرائيل ولا الدول العربية ـ كما نعرفها الآن ـ كانت موجودة قبل الحرب العالمية الأولى.

وإذا كانت البراغماتية هي معيار الأفكار الناجحة في نتائجها العملية، فقد أعيد إثارتها في الواقع الأميركي بعد أحداث 11/9 (حيث تم ضرب هذه الدولة العظمى في عقر دارها).

وانطلاقاً من ذلك تكالبت هذه المذاهب وابتدأ تركيب هذا الترتيب الفاعل في المنطقة، فالنتائج المطلوبة تتلخص في نقطتين: أولاً النفط والسيطرة عليه (شريان الاقتصاد الأميركي) وحمايته.

وثانياً عدم تكرار هذا الحادث، وذلك عن طريق الاستقرار الاجتماعي والسياسي العام في المنطقة (كسر شوكة الإرهاب) وهذه أكثر تعقيداً. فعلى المدى المتوسط والطويل يجب معالجته عن طريق الأنظمة الحاكمة (الدول) في المنطقة وإعادة ترتيب هيكلتها حتى لو تطلب ذلك إذابتها بطريقة أو بأخرى.

 وتحت هذا الترتيب الجديد، فالمنطقة في مرحلة اختبار على مدى كفاءة إشراك الشارع الديني نحو ذلك الهدف. وما هذا إلا بداية سلسلة من الأمور منها إجراءات السلام والاستقرار التي تعضد مكانة أميركا في المنطقة والعالم.

إن الولايات المتحدة لديها الوجود العسكري الكافي واللازم في المنطقة لتطبيق ما تريد معلنه انتهاء حقبة «تقبيل الأيادي» لتحقيق مصالحها والتي تعتبرها مهينة لكبريائها، مما يملي تصوراً بأن منهجها الحالي سوف يستمر بإحداث التغييرات في المنطقة، ولن يتغير بتغير الإدارات الأميركية القادمة.

والتي ستستمر تحت ظل هذا التحالف المذهبي العنيد والرافض لأن يجرؤ أحد على الوقوف أمام الولايات المتحدة ومصالحها، وتتعامل معه سواء بالعنف أو باللين (البراغماتية). أما أين مكان العرب من الإعراب فلا يزال دون تحديد؟

*كاتب إماراتي

 و كل ذلك بحسب رأي عبدالله محمد سعيد الملا في المصدر المذكور.

المصدر: البيان الإماراتية-23-3-2006