المقال لا يـعـبـر عن رأي الـمـعهـد

 

مؤسسة مـمـكن  لحلّ الأزمات تـقـتـرح :

                                           

الحياد الدائم الـمُطوّر حـلاً  علـى طـريق إنـقـاذ العـراق

 

المهندس فؤاد الصادق

 

طـرحنا تـحت عنـوان : لـعـراق الـغـد – 2- إقـتـراح الحـياد الدائم كخطـوة من مـجمـوعة من الخطـوات المتـوازية السـتراتيجية لإنـقـاذ العـراق من أزمته المستـفحـلة والتـفـرغ لبناء الدولة العـراقية الديمقـراطية الدستورية الحقيقية في العـراق .

انها الخطوة التي يمكن اللجوء اليها ولاسيما بعد تطويرها لتتناسب مع الوضع العراقي والنظام الدولي القائم لتـبـديـد مخاوف دول الجوار والمنطقة ومـجموعة الثمانية الكبار التي لابد وأن تتـفق إذا اُريد للعراق البقاء ولديمقراطيته البقاء وللإرهاب أن يُهـزم وللأمن والسلام العالميين أن يُنعـش وللولايات المتحدة أن تربح صداقة وشراكة مستدامة مع العـراق وتتخلص من أعباء الملف العراقي التي باتت مرهقة للجميع ولبقية الدول ومنها الدول الأخرى من مـجموعة الثمانية الكبار الحضور والمشاركة في بناء العـراق وإعـماره وأُريـد ... وأُريـد ....

نـعم الـنجاح في الإصـلاح وتـرشيـد أنـظمـة الـحكـم بحاجة الى نـموذج حـي مجـسـد قوي إقتصاديا وسياسيا وإعلاميا و... والعـراق يمكن أن يكون هذا النـموذج الـمفـقـود الذي سيـحسم الجدل الطويل العريض القائم في كل مكان وهوعلى أشده وبقوته بين مـجموعة الثمانية الكبار حول الدمقرطة والإصلاح.

محقّ منْ يقول بأنّ الإرهابيين متطرفون و.... لكنهم ليسوا بعبثيين دائما كي تكون مقاومتهم نابعة من الفراغ فإنهم مازالوا يراهنون وبقوة على الخلاف القائم بين مـجموعة الثمانية الكبار...إنّـهم يخـتزلون الواقع في جملة واحدة :

العالم كله يخالف الديمقراطية العراقية الفتية المتـعثرة بشكل او بأخر بنسبة او بأخرى عدا بعض الأطراف في الإدارة الأمريكية وعدا أكثرية الشيعة والأكراد وأقلية من السنة  في العراق .

إنّـه تحليل يختزل الواقع و... لكنه مغـر لمواصلة إرهابهم ولاسيما حين يضيفون اليه قبول أمريكا للتفاوض مع بعضهم في العراق وتغيير أسمهم من الإرهابيين الى المتمردين مع ماينهال عليهم من هنا وهناك من مقالات وبحوث مشجعة بعنوان : هلْ ستتفاوض الولايات المتحدة مع القاعدة ؟ !

وما الى ذلك :

حقاًً :

هلْ فاتورة الحياد الإيجابي الدائم باهظة الى حد لا يسمح لطرف التفكير به كحل لإنقاذ العراق وغيره  ؟

لا أتصور ذلك لو قارنا مـا يُـدفع حاليا ويمكن أن تدفعه الأطراف مستقبلا من حرب أهلية كارثية تدمر العراق والمنطقة وتعبث بالعالم  ، لنتعرف معا على مفهوم الحياد الإيجابي ونترك الإستنتاج للقارئ :

حالة الحياد الدائم

- ماهية الحياد الدائم

- الواجبات المترتبة على الحياد الدائم

- أثر الحياد الدائم في مركز الدولة المحايدة

- أمثلة الحياد الدائم

ماهية الحياد الدائم

الحياد نوعان:

حياد عادي مؤقت :

مؤّداه بقاء الدولة بعيداً عن حرب قائمة بين دولتين أو أكثر وإمتناعها عن مساعدة أحد الفريقين المتحاربين ضد الأخر مقابل عدم اقحامها في القتال القائم وتجنيبها ويلاته .

 وحياد دائم :

 يقتضي بقاء الدولة أبداً بعيدة عن أي حرب تقوم بين غيرها مقابل إمتناع الدول المحاربة عن الإعتداء عليها بأية صورة.

والحياد العادي هو مجرد موقف وينتهي بانتهائها ولا يعتبر تقييداً لحريتها لأنها تستطيع أن تخرج منه متى شاءت ذلك. أما الحياد الدائم فهو  مركز قانوني توضع فيه الدولة بالاتفاق مع الدول الاخرى وتترتب عليه من جانبها التزامات تقيد في بعض النواحي حريتها في ممارسة سيادتها في الخارج، فهويحرم عليها الاشتراك في أي حرب ضد أية دولة الا اذا كان ذلك لدفع اعتداء واقع عليها مباشرة.

ونظام الحياد الدائم أوجدته السياسة الأوروبية في القرن التاسع عشردولي  لتحقيق غرضين:

الاول حماية الدول الضعيفة التي يعتبر وجودها ضرورياً للمحافظة على التوازن الدولي من اعتداء جيرانها الأقوياء ومحاولاتهم ادماجها فيهم، والثاني حماية السلم الدولي بايجاد حاجزيفصل بين دولتين قويتين لتجنب الاحتكاك أو التصادم بينهما. والأصل أن يتم وضع الدولة في حالة حياد دائم بمقتضى معاهدة تشترك فيها مع دول أخرى تعتبر ضامنة لهذا الحياد، وهو ما حدث بالنسبة لكل من بلجيكا ولكسمبورج وسويسرا خلال القرن الماضي. انما يجوز أن يتم ذلك أيضاً باجراء تشريعي تتخذه الدول الراغبة في الحياد وتقره الدول الأخرى،كما حدث بالنسبة للنمسا بعد الحرب العالمية على ما سنذكره فيما بعد.

مـا هـي الواجبات المترتبة على الحياد الدائم ؟

يترتب على وضع دولة في حالة حياد حياد دائم واجبات بالنسبة لهذه الدولة وواجبات تقابلها بالنسبة للدول الأخرى:

أ- واجبات الدولة المحايدة :

يحرم على هذه الدولة أن تدخل في أي حرب إلاّ دفاعاً عن حيادها اذا ما اعتدى عليه، ولها كذلك أن تتخذ العدة للدفاع عن نفسها من اعداد قوات حربية وبناء حصون على حدودها وغير ذلك. كذلك يحرم على الدولة المحايدة حياداً دائماً أن تدخل في اتفاقات دولية قد تجرها الى الحرب، مثل معاهدات التحالف والضمان المتبادل وما شابهها. وتترتب هذه الواجبات على حالة الحياد الدائم ذاتها بصفة خاصة،وهي خلاف الواجبات العامة التي تلتزم بها ازاء حرب قائمة باعتبارها دولة محايدة، من امتناعها عن مساعدة أحد الفريقين المتحاربين ومن السماح للقوات الحربية بالمرور عبر اقليمها الى غير ذلك من واجبات المحايدين التي سنتكلم عنها في القسم الأخير من هذا الكتاب.

ب- واجبات الدول الأخرى:

تلتزم الدول الضامنة للحياد والدول التي أقرته اقراراً لاحقاً بالامتناع عن كل فعل من شأنه أن يخل بهذا الحياد، وللدول الاولى اذا وقع ما يهدده أو يخل به أن تتدخل لتحول دون هذا الاخلال، سواء كان الاخلال من جانب الدولة المحايدة ذاتها أو من جانب دولة أخرى. وذلك لأن وضع الدولة في حالة حياد دائم لم يتقرر لصالحها وحدها ونما أيضاً لصالح جماعة الدول كوسيلة للمحافظة على السلم الدولي. والأصل أنه ليس هناك ما يلزم قانوناً الدول التي لم تضمن الحياد أو تقره صراحة أو ضمناً بمراعاة الواجبات المفروضة على الدول التي ضمنته أو أقرته نتيجة لضمانها أو اقرارها هذا. وا نما للدولة المحايدة أن تتمسك بحيادها في مواجهة أية دولة كانت، ولها في حالة الحرب أن ترغم أية دولة محاربة على احترام حيادها وفقاً للقواعد العامة المقررة للحياد العادي.

أثر الحياد الدائم في مركز الدولة المحايدة

لاشك أن وضع الدولة في حالة حياد دائم يقيد حريتها في ممارسة سيادتها الخارجية، بما أنه يفرض عليها أن لا تقوم بأي عمل أو تدخل في أي اتفاق قد يجرها ولو بطريق غير مباشر الى الحرب.غير أنّ هذا التقييد لايؤدئ الى اعتبار الدولة التي في هذا المركز في حكم الدول ناقصة السيادة، وذلك أولاً لأنّ حالة الحياد الدائم لاتفرض على الدولة رغماً عنها، وانما هي عادة تسعى اليها بمحض ارادتها أو تقبلها طوعاً لما فيها من مصلحة لها، وثانياً لأنّ القيود التي تترتب على الحياد لاتحرم الدولة من الحقوق التي تنصب عليها، ولاتعطي ممارسة هذه الحقوق لغيرها،وانما هي تؤدي فقط الى وقف استعمالها مادامت حالة الحياد الدائم قائمة.

أمثلة الحياد الدائم

ومن الدول التي تقرر وضعها في حالة حياد دائم بمقتضى اتفاق دولي بلجيكا ولكسمبورج وسويسرا، واختارت النمسا لنفسها هذا الوضع بتشريع أصدرته بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك على التقصيل الآتي:

1- بلجيكا: وضعت في حالة حياد دائم عند الاعتراف بها كدولة في اتفاق لندرة في 15 نوفمبر سنة 1831، وتعهدت الدول الخمس الكبرى وقتئذ وهي انجلترا وفرنسا وروسا والنمسا وبروسيا، بضمان هذا الحياد. وبقيت بلجيكا في هذا المركز حتى خرقت آلمانيا حيادها أثناء حرب سنة 1914، فلما انتهت هذه الحرب أبدت بلجيكا رغبتها في الخروج من حالة الحياد هذه وتم لها ذلك بالنص عليه في معاهدات الصلح سنة 1919.

2- لكسمبورج: وضعت في حالة حياد دائم بمقتضى معاهدة لندرة سنة 1867، وتعهدت بضمان هذا الحياد كل من انجلترا وفرنسا والنمسا وهولندا وايطاليا وبروسيا، وقد خرقت آلمانيا حيادها هي الأخرى خلال حرب 1914، واعتبرت حالة الحياد منتهية بالنسبة لها بعد ابرام معاهدات الصلح ودخولها عضواً في عصبة الأمم دون تحفظ كأية دولة عادية.

3- سويسرا: بدأ حيادها سنة 1815 باقرار في مؤتمر فينا، ولم ينتهك حتى الآن. وتتمسك سويسرا بالمحافظة على حيادها الدائم تمسكا أوجد صعوبات شديدة عند دخولها عضوا في عصبة الأمم وكان حائلا دون انضمامها لهيئة الأمم المتحدة. ومرجع هذا تقديرها أن واجبات الحياد تتنافى مع التزام المساهمة في الاجراءات العسكرية المشتركة التي نص عليها في عهد الأمم أولا وفي ميثاق الأمم المتحدة ثانياً، وكانت سويسرا الدولة الوحيدة الباقية في حالة حياد دائم حتى وقت قريب، حين قررت النمسا أن تتخذ هذه الأخرى هذا الوضع.

4- النمسا: كان غزو آلمانيا للنمسا وضمها اليها في شهر مارس سنة 1938 ثم احتلال الحلفاء لها في نهاية الحرب العالمية الثانية قرابة اثنا عشر عاما، كان دافعاً للنمسا لان تفكر في وسيلة تجنبها التعرض لمثل هذه الاحداث مستقبلا، لاسيما وان موقعها الجغرافي بين الكتلتين الشرقية والغربية يجعلها مهددة دواما لخطر الغزو أو الاحتلال من جانب أي منهما في حالة نشوب صراع مسلح بينهما. وقد رأت النمسا أن الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تضمن لها سلامة اقليمها والمحافظة على استقلالها هي حالة الحياد الدائم، ومن ثم أجرت مفاوضات في هذا الشأن مع الدول الأربع التي كانت تحتل أراضيها- الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا، وأقرت هذه الدول رغبة النمسا. وتبعا لذلك تعهدت النمسا في المعاهدة التي أبرمت بينها وبين تلك الدول في 15 مايو سنة 1955 لانهاء احتلال قواتها لها والاعتراف باستقلالها، تعهدت بألا تشترك مستقبلا في أي تحالف عسكري وبألا تسمح باقامة أي قواعد عسكرية أجنبية على اقليمها.ولما لم تكن هذه المعاهدة قد نصت بصريح العبارة على وضع النمسا في حالة حياد دائم، فقد لجأت النمسا لابراز هذا الوضع الى اتخاذ اجراء تشريعي من جانبها باصدار قانون دستوري في 26 اكتوبر سنة 1955 يقرر هذا الحياد. وقد اكتسبت هذا الاجراء التشريعي صفة أهمية الالتزام الدولي بابلاغه الى كافة الدول التي كانت للنمسا وقتئذ علاقات دبلوماسية معها، وباقرار هذه الدول صراحة أو ضمناً لما تضمنه.

 

مؤسسة مـمـكن  لحلّ الأزمات - بغداد

 

......................................................................................

المصدر : كتاب : القانون الدولي الحديث - د. علي صادق ابو هيف  – ط 11 - ص : 206- 211 وللمزيد من التفصيل راجع :

قواعد الحياد ... نتائج الحياد : ص : 879- 887

واجبات الدول المحايدة : ص : 888- 890

واجبات الإمتناع : ص : 892- 894

حقوق الدول المحايدة : ص : 896 - 897