الأردن:

                ما بين إنعاش الأحـزاب السياسية.. والنفخ في القربة المثقوبة!

 

صالح القلاب 

 

كل الدول العربية، التي لديها ترف الانشغال والاهتمام بالحياة الحزبية على حساب القضايا الأساسية الأخرى، تعاني من ظاهرة عزوف الناس عن الانخراط في الأحزاب السياسية. فباستثناء التنظيمات الطائفية والمذهبية، التي يتخذ بعضها طابع الميليشيات المسلحة، فإن الأحزاب البرامجية العلمانية حتى في الدول التي بدأت عملية التحول نحو التجربة الديمقراطية منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الاعوام، ومن بينها الاردن، هي مجرد جنرالات وقيادات بدون جيوش ولا قواعد.

في الأردن تشير الأرقام التي أفرجت عنها وزارة الداخلية أخيراً، الى ان الأحزاب المرخصة، الاسلاموية والقومية واليسارية والوطنية، التي وصل عددها حتى الآن الى ثلاثة وثلاثين حزباً، لا يزيد عدد أعضائها بما في ذلك حزب جبهة العمل الاسلامي، الذي هو الوجه الآخر للإخوان المسلمين، الذي يتمثل في البرلمان الأردني بنحو سبعة عشر نائباً، عن 4200 محازب ونصير.

لقد بدأ هذا العدد في بدايات تسعينات القرن الماضي، بعد مضي نحو عام على بداية التحول نحو الديمقراطية، بأكثر من تسعة آلاف عضو ومحازب، ثم تراجع هذا العدد بعد ست سنوات الى نحو ستة آلاف فقط، ثم تقلص بعد ذلك الى هذا العدد الحالي الذي هو 4200 عضو يتوزعون على ثلاثة وثلاثين حزباً نصيب حزب جبهة العمل الاسلامي من بينهم يتجاوز النصف.

وأمام هذه الظاهرة التي شكلت عبئاً على العملية الديمقراطية وعقبة أمام انطلاق الحياة الحزبية على أسس غير أسس زمن صراع المعسكرات والحرب الباردة، فقد أنشأ الاردن منذ نحو ثلاثة أعوام وزارة جديدة هي وزارة التنمية السياسية، لكن أي تقدم لم تحققه هذه الوزارة وبقيت الأمور في تراجع مستمر ولم يتم أي إنجاز حقيقي رغم كل الجهود التي بذلت خلال الأعوام القليلة الماضية.

لا تنقص المجتمع الأردني الحيوية السياسية فهو بالأساس الأقرب الى القضية الفلسطينية جغرافياً ونفسياً وصلات قربي وتداخلاً ديموغرافياً، والشباب ما بين سن الخامسة والعشرين والثمانية عشر يشكلون في هذا البلد غالبية سكانه، والأمية بين الاردنيين تدنَّت حتى نسبة السبعة في المائة فقط، لكن ومع ذلك فإن الانتماء الى الأحزاب لا يزال يعتبر ترفاً عبثياً ومضيعة للوقت، وعلى حساب سعي الأردنيين للحصول على لقمة العيش والمتطلبات الضرورية.

لم تترك الحكومات المتلاحقة والمتتالية باباً إلا وطرقته، فمن وزارة التنمية السياسية الى عشرات الندوات المتخصصة والموجهة الى المعسكرات الصيفية للطلبة الى برلمانات الشباب الى البرامج الإعلامية والتلفزيونية، الى توسيع إطار الحريات العامة، الى عدم التردد في السماح بانطلاق المظاهرات والمسيرات في المناسبات الوطنية والقومية وأيضاً العالمية، لكن أي تقدم لم يتحقق وبقيت الأحزاب يزيد عددها ويقل تعداد أعضائها، وذلك الى ان أصبح أهم حزب باستثناء حزب جبهة العمل الإسلامي لا يتجاوز عدد اعضائه الستين عضواً، وأصبحت غالبية هذه الأحزاب قيادات بلا قواعد، وأصبحت هذه القيادات تعقد اجتماعاتها عبر الهواتف النقالة وفي المناسبات وعلى فترات متباعدة.

لم تستسلم الحكومات الاردنية المتلاحقة ولم تأخذ بالمثل القائل: «لا يُصلح العطار ما أفسد الدهر»، وحاولت إلقاء حجر في البركة الراكدة من خلال الإعلان عن النية في تخصيص ساحات حرية «هايد بارك» في عمان وفي كل مراكز المحافظات، يستطيع ان يقول فيها أي صاحب رأي رأيه، بدون تبعات، لكن هذه الفكرة المستهلكة أساساً قوبلت من الشارع الأردني بالفتور فكان مصيرها التلاشي حتى قبل ان ترى النور.

الآن تنهمك الحكومة الاردنية الحالية، التي تعتبر نفسها تقف في نقطة وسط بين من يسمون بـ «الليبراليين» والإصلاحيين، الذين تسميهم التقارير المرسلة الى بعض الدوائر في الغرب وفي الولايات المتحدة تحديداً بـ «ابناء البدو المحافظين»، بإعداد قانون جديد للأحزاب معتقدة بأن مثل هذا القانون سيكون بمثابة الحقنة المنشطة، وأنه سيوقظ «أهل الكهف» من سباتهم العميق الطويل، وسيجعل البلاد تنفجر شآبيب حزبية وينابيع تنمية سياسية.

وحسب التوجهات المتداولة الآن، فإن المفترض ان يتضمن قانون الاحزاب المنشود بنوداً تنص على إعطاء منح مالية لهذه الاحزاب، وأن تخصص لها مقاعد في البرلمان الاردني «كوتة» على غرار المقاعد المخصصة لبعض الأقليات الدينية والقومية مثل المسيحيين والشيشان والشركس، الذين تسود قناعة بأنهم إن لم يمثلوا بهذه الطريقة، فإنهم لن يمثلوا على الإطلاق في المؤسسة التشريعية الأردنية.

المفترض ان تتم معالجة مشكلة الـ «كوتة» المخصصة للأقليات الدينية والأثنية من خلال التنظيمات والأحزاب وعلى غرار ما هو عليه الوضع في بريطانيا والولايات المتحدة والدول الغربية، لذلك فإن تخصيص مقاعد في البرلمان الأردني للأحزاب الأردنية سيزيد بطالتها السياسية بطالة وسيجعل حالها كحال من يستنكف عن الكدح والعمل لاعتماده في الحصول على قوته وقوت عياله، على بعض الجمعيات الخيرية وعلى بعض المؤسسات الحكومية المتخصصة والمعنية.

إن عزوف الأردنيين عن الانتماء للأحزاب الحالية التي وصل عددها حتى الآن الى ثلاثة وثلاثين حزباً، التي تراجع عدد أعضائها كلها الى 4200 عضو، سببه :

ان هذه الأحزاب بمعظمها مستنسخة عن أحزاب وتنظيمات ومنظمات مرحلة الحرب الباردة. فحزب جبهة العمل الاسلامي، هو وجه العملة الآخر للإخوان المسلمين. وحزب الوحدة الشعبية، هو وليد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وحزب «حشد»، كان خرج من صلب الجبهة الديمقراطية. وحزب البعث التقدمي، هو فرع حزب البعث السوري في الاردن. وحزب البعث الآخر، هو فرع حزب البعث العراقي.

لقد جرت محاولات جادة منذ عام 1989 لإنشاء أحزاب برامجية أردنية لا ارتباط لها بالخارج ولا هي مستنسخة عن أحزاب وتنظيمات مرحلة الحرب الباردة وصراع المعسكرات، لكن كل هذه المحاولات لم تتكلل بالنجاح، والسبب ان ثقة الأردنيين المزعزعة بالحياة الحزبية لم تتغير، وأن نظرتهم الى النشاط الحزبي بقيت على أنه :

مضيعة للوقت وأنه مجرد ممارسة هوايات قديمة على حساب مطاردة رغيف الخبـز والكدح من أجل الحصول على لقمة العيش.

وهنا فإن هناك نقطة جديرة بالإشارة إليها، وهي ان النقابات المهنية في مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر (أيلول) عام 1970، قد حلت محل فصائل منظمة التحرير، التي أُجبرت على مغادرة الأردن، بعد ان بقيت ولأكثر من عامين تشكل دولة داخل الدولة. وحلت ـ أي هذه النقابات ـ أيضاً محل الأحزاب اليسارية والقومية التي لها ارتباطات وعلاقات متفاوتة مع الفصائل الفلسطينية، التي اضطرت للنزول تحت الأرض ومزاولة أنشطتها بصورة سرية. لذلك، ولأن هذه النقابات بقيت في صدام متواصل مع الدولة الاردنية، فإنها جعلت المواطن الأردني ينظر الى هذه القوى كلها والى العمل الحزبي التنظيمي كله، على أنه مجرد مناكفات وممارسات عبثية لا جدوى منها ولا فائدة.

عندما بدأت عملية التحول نحو الديمقراطية في عام 1989، كانت الأحزاب المفترض انها أحزاب أردنية مختطفة ومصادرة من قبل النقابات المهنية، التي كان مسيطرا عليها بدورها بعد أحداث سبتمبر (أيلول) عام 1970، أولاً من قبل الفصائل الفلسطينية العلمانية كحركة «فتح» والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية بالتحالف مع امتدادات أحزاب اليسار القومي في الأردن كحزب البعث بشقيه: الشق العراقي والشق السوري، وثانياً من قبل الاخوان المسلمين وحركة «حماس» في وقت لاحق.

ولهذا ولأن هذه هي الوضعية السياسية والاجتماعية في الأردن، فإن كل محاولات الحكومات الاردنية المتلاحقة، لإنعاش الحياة السياسية وقيام أحزاب وطنية برامجية كانت بلا أي جدوى، وكانت كالنفخ في قربة مثقوبة!.

و كلذ لك بحسب رأي صالح القلاب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-9-3-2006