آليات مكافحة الفساد الاداري

 

 

تعد المفوضية العامة للنزاهة الجهاز الرئيس المعني بتنفيذ وتطبيق ومتابعة قوانين مكافحة الفساد المالي والاداري في العراق استنادا الى القانون رقم 55 لسنة 2004. وقد منحت المفوضية استنادا لهذا القانون صلاحيات واسعة اعتقد المشرع انها كفيلة بالقضاء على الفساد، وتقليل تأثيراته وانعكاساته على واقع العراق الجديد وتطلعاته المشروعة للخروج من ازماته المتلاحقة والتي تضخمت بشكل لا يصدق عما كانت عليه ابان حكم النظام السابق.

ورغم ان قانون النزاهة يسري على الجميع بدءا من رئيس الجمهورية وحتى المواطن البسيط الا اننا مازلنا نرى تصاعد وتائر الفساد بشتى اشكاله وانواعه رغم تشريع مثل هذه القوانين مما يستلزم مراجعة اولية وصريحة لخلفيات الفساد وطرائقه وآلياته من جهة والمسؤوليات الملقاة لا على عاتق المفوضية فحسب وانما على عاتق كل المواطنين من جهة اخرى ليتمتع العراق والعراقيون بحياة هادئة ومستقرة يعمها الرفاه من جميع الجوانب، لم يكن الفساد المالي والاداري مقتصرا على أمة او شعب او فئة او مرحلة تاريخية معينة، بل لقد تغلغل في انظمة اعتى الامبراطوريات واكثرها ثقافة وتحضرا عبر التاريخ القديم والحديث ولا عجب ان يكون الفساد احد العوامل الاولية والمهمة التي اطاحت بكبرى الامبراطوريات في العالم.

ومثل المال الوجه الاخر للسلطة والقوة حتى يومنا هذا لدرجة اصبح فيها اصحاب رؤوس الاموال يتحكمون بمختلف السلطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما في ذلك وسائل الاتصال والتأثير في الرأي العام واتجاهات الجمهور عبر اساليب عدة ومتنوعة.

ونتيجة لما عاناه العراقيون من الحروب والمجاعات والفيضانات وتقلبات الظروف السياسية والاقتصادية اصبح المال لدى الكثيرين غاية تبررها الوسائل كافة حتى وان كانت ملتوية وبعيدة عن فرضيات الوازع الاخلاقي وتانيبات الضمير ويعني هذا فيما يعنيه تحطم مفهوم الخلاص الجماعي بآليات المواطنة الحقيقية والاتكاء على هامشية الخلاص الفردي التي اصبحت متنا له حججه وجدلياته في عالم مضطرب.

لقد انتشرت بذور الفساد بصوره كافة ونمت وترعرت في العراق الحديث نتيجة لغياب العدالة الاجتماعية وعنف السلطات المتعاقبة وتعسف موظفيها وسعي المواطنين كل على حدة للخلاص من واقع الظلم والظلام خاصة بعد ان اصبحت المناصب تشريفا ومناسبة للحصول على المزيد من الجاه والاموال عن طريق الاستحواذ على اموال الاخرين وممتلكاتهم وحتى حقوقهم المدنية في الحياة والحرية والتعبير والرأي واقامة التجمعات المدنية، ولم يكن النظام بمنأى عن الفساد الاداري والمالي فلقد سعى منذ بدايات ظهوره الى شراء ذمم ومواقف العديد من الشخصيات السياسية والعلمية والثقافية والاعلامية من عراقيين وعرب واجانب، وهذا ما كشفته فضيحة كوبونات النفط ووثائق مشروع النفط مقابل الغذاء، فضلا عن قيام الكثير من اركان مؤسسته السياسية والعشائرية ببيع المناصب والاتجار بالمواقع الوظيفية والشهادات العلمية والتلاعب بحقوق المواطنين مما ادى الى صعود الكثير من ذوي الكفاءات المحدودة عسكريا وامنيا وسياسيا وثقافيا كأوراق هشة لم تصمد امام قوات التحالف في معارك نيسان 2003 مؤسسة بذلك لما يسمى بـ(الحواسم) وعمليات السلب والنهب التي اطاحت بالبنى التحتية للمشاريع الاقتصادية ومخازن المواد الاولية والاسس الخدمية كالماء والكهرباء والوقود وهو ما فسح للكثير من الجماعات المسلحة والارهابية بالحصول على الاسلحة والاموال الداعمة لعملياتها اللاحقة ضد المواطنين وتطلعاتهم المستقبلية تحت ذرائع واهية ومبررات لا تمت للحقيقة والواقع بأي شيء وهو ما ألقى على الحكومات المتعاقبة بعد سقوط النظام السابق مهمات جسيمة لا يمكن حصرها وتوصيفها بأي حال من الاحوال.

واستنادا لكل ذلك تواجه مفوضية النزاهة مهمات عسيرة تتمثل بما يلي:

1- ضعف الدعم الاعلامي والتربوي والثقافي وانكفائه وتلكوئه في تأسيس بيئة اجتماعية وثقافية تسود فيها مفاهيم وتصورات النزاهة والاخلاق والمواطنة للتخلص من حب الأنا المتضخم وسيادة المنافع الشخصية والقرابية بدءا من المدرسة الابتدائية وانتهاء بالجامعة بالتواكب مع حملات اعلامية مستمرة لتوضيح المقاصد وشرح الاهداف المتوخاة من احلال النزاهة ووصفها كحل لازم للخلاص مما يعانيه العراق من مشاكل وازمات.

2- تردي الوضعي الامني الذي يحول دون نشر البيانات والاحصاءات المتعلقة بجرائم الفساد ومرتكبيها وظروف ارتكابها وانعكاساتها على عمليات التخطيط والبناء واعادة الاعمار في العراق.

3- خلط الكثير من الكيانات والشخصيات بين ما هو جنائي وماهو سياسي، إذ مازالت بعض الكيانات والشخصيات تعد عمليات الاتهام بالفساد المالي والاداري محاولة للاقصاء عن الحياة السياسية في العراق من قبل الاطراف والجهات المنافسة لها سياسيا.

4- الخوف المتأصل لدى المواطنين من عواقب ما قد يدلون به من شهادات او ما يحملونه من وثائق تتعلق بجرائم فساد الى درجة مازال هؤلاء يعزفون عن الادلاء بمعلوماتهم حتى عن طريق الاتصالات الهاتفية خوفا من ملاحقتهم من قبل جماعات فاسدة تمتلك النفوذ والاموال والسلاح.

5- انحسار نشاط منظمات المجتمع المدني في هذا الجانب وانشغالها باختصاصاتها وتوجهاتها المحدودة غير مدركة لما قد يسببه الفساد لاحقا من تدمير لكل وجوه الحياة الجديدة والعراق بما فيها وجود هذه المنظمات وعملها ومستقبلها المقبل.

6- العجالة والتسرع الذي اتصفت بها الحكومات السابقة في تعيين وتوظيف العديد من الشخصيات المشبوهة والمشكوك في تاريخها الاخلاقي والسياسي دون مراجعة او مناقشة لهذا التاريخ لدرجة ان بعض هذه الشخصيات قد صرحت نهارا جهارا بارتباطها بالجهات المناوئة لتوجهات العراق الجديد.

من كل هذا يتبين جسامة وحجم التحديات التي تواجهها المفوضية العامة للنزاهة التي لا يمكن لها ان تقوم بواجباتها دون مساندة من جميع قطاعات الشعب والدولة وعلى مختلف الاصعدة واهمها:

1- تأسيس نظام معلومات كامل لموظفي الدولة والمتعاملين مع دوائرها المختلفة كموردين او مستهلكين او مقاولين او وكلاء او أية وظائف اخرى لتكون مرجعا سريعا في الحصول على معلومات دقيقة عن هؤلاء الاشخاص وخاصة فيما يتعلق بظروف عملهم ومواردهم وشكل علاقتهم بدوائر الدولة.

2- انشاء هيئة لتفسير القوانين والتشريعات الادارية لكي لا تخضع للتأويلات الشخصية والتصرفات المزاجية في فهم الصلاحيات المخولة لهذا الموظف او ذاك. إذ ان مسألة الصلاحيات مازالت ثغرة يتسرب من خلالها  الفساد بكل اشكاله بكثافة عجيبة.

3- متابعة مشروع (كشف المصالح المالية) لكبار موظفي الدولة وصغارها على حد سواء والعمل بشكل دؤوب على تفعيل (من اين لك هذا) للحد من ظاهرة الاثراء السريع وغير المشروع لموظفي الدولة او المتعاملين معها.

4- متابعة ارصدة العراقيين في البنوك والمصارف المحلية والعربية والعالمية وذلك بالتعاون مع المؤسسات والهيئات المختصة بهذا الشأن مثل غرفة تجارة بغداد، اتحاد الصناعات العراقي واتحاد رجال الاعمال العراقيين وأية منظمات اخرى.

5- الاسراع باكمال التحقيق بحق مرتكبي جرائم الفساد المالي والاداري وتقديمهم الى محاكم عادلة وعلنية وتعميم وقائع هذه الجرائم وحيثياتها على الرأي العام العراقي لازالة الخوف والانكفاء المترسخ لدى المواطنين وتفعيل دورهم في القضاء على الفساد.

6- واخيرا اشاعة ثقافة النزاهة واخلاقياتها وجدواها في المنفعة العامة لجميع المواطنين في البيت والمدرسة وفي جميع الندوات والتجمعات الجماهيرية وادخال هذه الثقافة في المناهج الدراسية كافة.

كل ذلك بحسب الراي علي دنيف حسن في المصدر المذكور .

المصدر : جريدة الصباح – 5-3-2006