المـادة 54 هـل تـشكل أزمـة دسـتورية ؟

 

 

 طارق حرب 

 

عدم دعوة مجلس النواب للانعقاد في المدة المسموح بها هنالك فرق دستوري بين الدعوة الى الاجتماع و تحديد موعد الاجتماع نصت المادة (54) من الدستور الجديد على ما يلي:

(يدعو رئيس الجمهورية مجلس الرئاسة ـ مجلس النواب للانعقاد خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة) والذي يمكن استنتاجه من تفسير هذا النص  انه حدد خطاباً دستورياً بأمرين اولهما الدعوة الى الانعقاد وثانيهما موعد الاجتماع. اي ان النص حدد زمناً معيناً للدعوة ولم يحدد زمناً معيناً للاجتماع. فزمن الدعوة عينته تلك المادة بأنه يجب ان يتم خلال(15) يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات. اما زمن الاجتماع فلم تعينه تلك المادة بل تركته لتقدير مجلس الرئاسة وعلى وفق الظروف السياسية والواقعية التي تحيط بالعملية السياسية وبالمجتمع العراقي. وهذا التفسير يستجيب لتطبيق النص الدستوري من وجه ويستجيب للواقع السياسي والاجتماعي من وجه اخر وعلى وفق السلطة التقديرية لمجلس الرئاسة بعد التشاور مع مجلس الوزراء والكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب وواقع التقدم في العملية السياسية.

يبنى على ذلك ان مجلس الرئاسة يتولى دعوة مجلس النواب للاجتماع قبل انتهاء مدة(15) يوماً على تاريخ اعتبار النتائج نهائية وهو في ذلك لا سلطة تقديرية له اعمالاً للامر الوارد في المادة( 54) من الدستور. ولكن لا يوجد ما يمنع دستورياً ان يحدد مجلس الرئاسة نهاية شهر آذار او منتصف نيسان القادم وعمل مجلس الرئاسة لا معّرة دستورية تلحقه ولا عوارة قانونية تتبعه ففيه كمال الدستور وتمام القانون فنكون قد طبقنا النص الدستوري واخذنا ظروف البلد بنظر الاعتبار وهو السبيل القويم والمسلك المستقيم لمن احاط بتفسير الدستور وادرك مغازيه وعرف اسراره وتمكن من نصوصه. والقول بخلافه مفارقة للحكم الدستوري وابتعاد عن الواقع العراقي. ففي جميع الدعوات وليس دعوة مجلس النواب فقط ان يتم تحديد موعد الاجتماع في زمن اخر هو غير زمن الدعوة الى الاجتماع. اذ لم نجد اية دعوة للاجتماع تكون في نفس يوم الدعوة. اذ لابد من ترك مدة بين الدعوة الى الاجتماع تحديد موعد الاجتماع. وتحديد موعد لاجتماع في نفس يوم صدور الدعوة او في موعد قريب جداً من المحال والاستحالة اجراء ذلك.

قد يقول قائل ويرد علينا ان الدستور لم يعتبر نافذاً لحد الان وان العمل يتم وفق قانون ادارة الدولة وليس وفق الدستور. وهذا ما لا يمكن ان تقبله العقول الدستورية الراجحة وترفضه القلوب القانونية الصحيحة لاسباب كثيرة منها:ـ

1. ان مجلس النواب وهو موضوع الدعوة الى الاجتماع ومحل بحثنا في هذه المقالة من مؤسسات الدستور وليس من مؤسسات قانون ادارة الدولة. ذلك ان السلطة التشريعية التي اسسها قانون ادارة الدولة هي الجمعية الوطنية في حين ان السلطة التشريعية التي قررها الدستور هي مجلس النواب. والدعوة هنا لمجلس النواب وليس للجمعية الوطنية. ففي دعوة مجلس النواب لابد من الرجوع الى احكام الوثيقة التي نظمت احكامه وهي الدستور ولا يمكن الرجوع الى احكام قانون ادارة الدولة لانه لا يعرف مجلس النواب. وبالتالي فان كل ما يتعلق بمجلس النواب بما فيها مواعيد دعوته واجتماعه يجب ان يراعى فيه الدستور وليس قانون ادارة الدولة.

2. ان احكام الدستور تم العمل بها منذ يوم 2005/12/15 وهو تاريخ اجراء انتخابات مجلس النواب. فالانتخابات تمت لانشاء سلطة من السلطات التي قررها الدستور وهي مجلس النواب اي السلطة التشريعية التي نظمها الدستور بالمواد (48 ـ 64) ولا يضير في ذلك ان السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الرئاسة ومجلس النواب تم انتخابهما على وفق قانون ادارة الدولة. ذلك ان الامر يتعلق بمجلس النواب والالتزامات الواردة في الدستور التي قررها على مجلس الرئاسة ومنها تحديد زمن الدعوة الى انعقاد مجلس النواب وتاريخ اجتماع هذا المجلس.

3. ان المادة( 144) من الدستور حددت شرطين للنفاذ العمل بموجبه وهما موافقة الشعب بالاستفتاء العام وهذا الشرط تحقق يوم الاستفتاء على الدستور الذي حصل في 2005/10/15 والشرط الثاني هو النشر في الجريدة الرسمية وقد تم نشر الدستور في الجريدة الرسمية(الوقائع العراقية) بعددها 4012 في 2005/12/28 وذلك يعني تحقق شروط العمل بالدستور الجديد. والقاعدة تقول انه اذا تحققت شروط امر وجب الالتزام به. فلابد من العمل بالدستور بعد تحقق شروطه.

4. ان المادة(62) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية نصت على( يظل هذا القانون نافذاً الى حين صدور الدستور الدائم) فقانون ادارة الدولة حدد موعداً لانتهاء اجل العمل به وهذا الاجل والتاريخ هو صدور الدستور الدائم والصدور كما هو محدد قانوناً هو موافقة الجهة المعنية عليه نحو ما حدد ذلك قانون النشر في الجريدة الرسمية رقم 78 لسنة 1977 وكما حدده الفقه القانوني وحيث ان المادة (60) من قانون ادارة الدولة قررت اعتبار الدستور مصادقاً عليه عدم موافقة اكثرية الناخبين في العراق وعد رفضه من ثلثي المصوتين في ثلاث محافظات. فأن الموافقة هذه هي تاريخ اصدار الدستور طالما ان الاصدار يعني موافقة الجهة المختصة والجهة المختصة في الموافقة هي اكثرية الناخبين وعدم الرفض من ثلثي ثلاث محافظات وهذا ما تحقق في يوم الاستفتاء 2005/10/15 فان الدستور تم اصداره في ذلك اليوم وبالتالي تحقق الشرط الذي قررته المادة( 62) من قانون ادارة الدولة لانتهاء نفاذ قانون ادارة الدولة وبالتالي لابد من سريان الدستور الجديد بجميع احكامه بما فيها الحكم الخاص بالدعوة لاجتماع مجلس النواب وتحديد موعد الاجتماع.

5- ان المادة (144) من الدستور قضت بأن تشكيل الحكومة الجديدة يتم على وفق احكام الدستور. كذلك فان المادة (62) من قانون ادارة الدولة أوجبت تشكيل الحكومة الجديدة بموجب احكام الدستور. ومصطلح الحكومة الوارد في الدستور والقانون تعبير عام ومطلق وشامل يشمل جميع افرع الحكومة ومن فروع الحكومة مجلس النواب. ذلك ان الحكومة لا تعني السلطة التنفيذية فقط وهي مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء فقط. لسبب بسيط ان السلطة التنفيذية تتولى انتخابها السلطة التشريعية اي مجلس النواب. ولا يمكن ان تكون احكام السلطة التنفيذية يتولى الدستور تنظيمها ويتم الرجوع فيها الى احكام الدستور في حين ان السلطة التشريعية يتولى قانون ادارة الدولة تنظيمها ويتم الرجوع اليه فيها. وهذا ما لايمكن قبوله دستوريا وقانونيا فالسلطات الموجودة في الدولة تسري عليها احكام واحدة وقواعد واحدة ولا يمكن ان تكون سلطة من هذه السلطات منظمة بتشريع معين بسلطة اخرى منظمة بتشريع اخر. ذلك يصدر ممن يجهل احكام تفسير النصوص القانونية بما فيها نصوص الدستور وهو أن للقوانين وقانون القوانين.

6- بعد كل ما تقدم من حجج دستورية وبينات قانونية يقول اصحاب الرأي الاخر ان المادة (143) من الدستور قررت الغاء قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بعد قيام الحكومة الجديدة وهذا ما لايمكن قبوله من رأي وقول لان قيام الحكومة يتم وفق الدستور وليس وفق قانون ادارة الدولة كما اسلفنا من نصوص دستورية وقانونية كما ان قانون ادارة الدولة لم يبحث في مسألة دعوة مجلس النواب وتحديد موعد اجتماعه وانما ذكر ذلك الدستور فضلا عن ان الحكومة الجديدة بما فيها السلطة التشريعية اي مجلس النواب تولى الدستور تحديد احكامها، وبالتالي فان هذا النص اي المادة (143) لابد من تفسيرها على ضوء احكام الدستور واحكام قانون ادارة الدولة واحكام الدستور واحكام قانون ادارة الدولة تضمنت هذا الامر فالدستور وليس غيره هو الوثيقة الدستورية والقانونية التي تولت هذا الامر كون قانون ادارة الدولة لم يتول الامور الخاصة بمجلس النواب بما فيها دعوته للاجتماع وتحديد موعد اجتماعه.

7- وختاما نقول بما قاله فيه الزمخشري في كتابه الكشاف حول التفسير وقوله ينسحب على تفسير احكام الدستور على الرغم من ان قوله كان في تفسير الكتاب الكريم اذ يقول:(اعلم ان متن كل علم وعمود كل صناعة طبقات العلماء فيه متدانية واقدام الصناع فيه متقاربة او متساوية. وانما الذي تباينت فيه الرتب وتحاكت فيه الرتب ووقع فيه الاستباق والتفاضل وعظم فيه التفاوت والتفاضل. ثم ان املاء العلوم. بما يغمر القرائع وانهضها. بما يبهر الالباب والقوارح من غرائب نكث يلطف مسالكها ومستودعات اسرار يدق سلكها علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه واجالة النظر فيه على كل ذي علم كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن فالفقيه وان بز على الاقران في علم الفتاوي والاحكام والمتكلم وان بز اهل الدنيا في صناعة الكلام والواعظ وان كان من الحسن البصري اوعظ والنحو وان كان انحى من سيبويه.  لا يتعدى احدهم لسلوك تلك الطرائق ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق. وسلاما من الزمخشري ونعما لقوله هذا.

8- وبعد الختام نقول ان دعوة مجلس النواب للاجتماع وتحديدا موعد الاجتماع له لابد ان يصدر باجماع المجلس اي بالاتفاق بين رئيس مجلس الرئاسة الاستاذ جلال الطالباني والاستاذين نائبي مجلس الرئاسة الدكتور عادل عبدالمهدي وغازي الياور ولايمكن ان يصدر ذلك من رئيس المجلس فقط او من النائبين فقط او من رئيس المجلس واحد النائبين فقط استنادا الى احكام المادة 37/ ج من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية والمادة 138/ رابعا من الدستور الجديد.

طارق حرب :  * رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية  

كل ذلك بحسب الراي   طارق حرب في المصدر المذكور .

المصدر : الصباح : 2-3-2006