الاستفتاء

 

نــزار حيدر

  

بغض النظر عن النتيجة التي سيفرزها صندوق الاقتراع، فان مجرد المشاركة في الاستفتاء على مسودة الدستور العراقي الجديد، تعد إنجازا وطنيا تاريخيا، اثبت بها العراقيون أنهم أكبر من التحديات وأقوى من التهديدات، وأنهم شعب حي يستحق الحياة الحرة الكريمة، التي سلبتها منهم الأنظمة الشمولية التي تعاقبت على الحكم في العراق، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ولحد يوم سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003 المنصرم.

لقد كان الحرص على الوطن، حاضره ومستقبله، هو القاسم المشترك بين كل الذين اشتركوا في عملية الاستفتاء.

كما أن الإحساس بالمسؤولية، هو القاسم المشترك بين الجميع.

فالذين قالوا نعم، اعتبروا المسودة أفضل صيغة يمكن لها أن تحفظ العراق وشعبه من كل أنواع المخاطر، ولذلك اعتمدوها كصيغة مقبولة للمرحلة الزمنية المنظورة على الأقل.

كما أن من قال لا، اعتبر أن هذه المسودة تشكل خطرا على العراق وشعبه، ولذلك حاول، بصوته، وهو السلاح الأمضى في المجتمعات المدنية، أن يسقط الدستور.

إنها الطريقة المدنية الحضارية التي اختارها العراقيون للتأثير على مجرى الأحداث السياسية لبلادهم، بعيدا عن لغة العنف والقوة والإكراه والتعسف، إنها لغة الحوار السياسي والجدال بالتي هي أحسن والإقناع عن طريق الصوت ومنطق القوة، هذه اللغة التي غابت عن العراق مدة طويلة من الزمن، شهد العراق خلالها أنواعا من الحروب العبثية والمآسي الإنسانية التي انتهت إلى ما نراه اليوم.

إن من المهم جدا أن تتكرس هذه اللغة لتحل، شيئا فشيئا، محل لغة القوة والعنف، التي أثبتت الأيام والتجارب التي مر بها العراقيون، أنها لا تبني بلدا ولا تشيد مدنية ولا تساعد على التنمية والتقدم، كما أنها لا تحقق الحرية والكرامة للمواطن أبدا، وإذا كان العنف يجبر الناس على تبني خيارا ما لبعض الوقت، فانه بالتأكيد لن يجبرهم على ذلك طوال الوقت، ولنا جميعا في تجربة الطاغية الذليل صدام حسين خير دليل، فعلى الرغم من أنه مارس كل أنواع العنف والإكراه ضد العراقيين لإجبارهم على الانصياع لسياساته العدوانية، إلا أن الشعب العراقي تخلى عنه في أول فرصة سنحت له بذلك.

كذلك، فان شعور المواطن العراقي بجدوائية المشاركة في عملية الاستفتاء، هو الذي دفعه إلى أن يتحدى كل الضغوطات التي يتعرض لها، ليصل إلى صندوق الاقتراع ويدلي برأيه.

فمن قالوا نعم ومن قالوا لا، شعروا بأن رأيهم مهم في تحديد مصير مسودة الدستور، ولذلك حرص الاثنين على الإدلاء بأصواتهم، ولو كان أي واحد منهم يشعر بأنه لا جدوائية من المشاركة، وان النتيجة محسومة سلفا، وان التصويت وعدمه سيان، لا يزيد ولا ينقص من النتيجة، لما تحدى الظروف القاهرة ليقف أمام صندوق الاقتراع، ولترك حابل الأمر على غاربه، وجلس في بيته يتفرج على المسرحية، كما يقولون.

إن من المهم جدا أن يشعر المواطن العراقي بجدوائية المشاركة في العملية السياسية الجديدة دائما، لأن ضعف الشعور، لأي سبب كان، سوف يسلب منه الاندفاع، وبالتالي سيحول بينه وبين حماس المشاركة، وهذا أخطر ما يمكن أن تتعرض له العملية السياسية في بلد كالعراق، هو أحوج ما يكون فيه إلى أكبر مشاركة شعبية في الحياة السياسية، لحماية المكتسبات، والحيلولة دون عودة النظام الاستبدادي الشمولي.

إن فقدان المواطن للحماس والشعور بالجدوائية، سيحول قيم الانتخاب وصندوق الاقتراع والاستفتاء، إلى مسرحيات هزيلة، تشبه المسرحيات التي تشهدها شعوب البلدان العربية بين الفينة والأخرى، والتي هدفها خداع الناس وذر الرماد في عيون السذج والبسطاء، وفي أفضل الحالات، للانحناء أمام رياح التغيير التي تهب على المنطقة والعالم العربي، بين الفترة والأخرى.

إن عدم شعور المواطن بجدوائية المشاركة، هو السبب الأساس وراء انسحابه من الشأن العام، ولقد رأينا، مثلا، كيف أن الشعب المصري لم يعر أية أهمية تذكر للانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخرا في بلاده، لأنه لم يشعر بجدوائية المشاركة، لعلمه بأن النتيجة محسومة سلفا، وان من الصعب عليه أن يؤثر في النتيجة بأي شكل من الأشكال، ومهما بذل من جهد، لا زالت مفاصل الحياة السياسية بيد الحزب الحاكم وأجهزته القمعية وماكينته الدعائية المضللة، فلم المشاركة إذن؟ أليس من الأولى أن يحترم المواطن نفسه فلا يشترك بالمسرحية التي كتبها وأعدها وأخرجها الحاكم وجوقة الممثلين الذين حوله؟ يتساءل المواطن المصري، وهذا ما لا يجوز أن يصاب به المواطن العراقي أبدا، لأن ذلك يعرض العملية السياسية الجديدة برمتها للخطر.

وان مسؤولية ذلك تقع على عاتق النظام السياسي بالدرجة الأولى، فهو المسؤول المباشر عن الإبقاء على جذوة (الجدوائية) متقدة في نفوس المواطنين طوال الوقت.

أما الذين لم يشتركوا في الاستفتاء، فمن خلال قراءتي لآراء عينات عشوائية من المواطنين العراقيين في عدد من مناطق العراق، تأكد لي بأن جل من لم يشارك في الاستفتاء، ليس بسبب موقفه السلبي من العملية الدستورية، أو لأنه استهان بحقه في المشاركة، أو لشعوره بعدم جدوائية المشاركة، أبدا، وإنما لسبب آخر مختلف تماما، ألا وهو، أن هؤلاء احتجوا بأنهم لم يحصلوا على نسخة من مسودة الدستور، فكيف يمكنهم أن يدلوا بآرائهم في نص لم يقرؤوه؟، انه منطق العقل بصيغة أخرى، أليس كذلك؟.

فبغض النظر عما إذا كان عدم إطلاعهم على مسودة الدستور، تقصير أم قصور، وفيما إذا كانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات قد قصرت في هذا الجانب أم لا، وفيما إذا كانت هذه الحجة مجزية من الناحية الشرعية أو الوطنية، وما إذا كانت سببا كافيا لإسقاط الواجب الوطني والتاريخي عن المواطن الحريص على حاضر بلاده ومستقبلها، إلا أنني لا أخفي القارئ الكريم، بأنني أكبرت الحجة وصاحبها، ووقفت إجلالا لمن ساقها كدليل على عدم مشاركته في يوم الاستفتاء، لأن الحجة دليل صارخ على أن صاحبها يتمتع بشخصية مستقلة، ومحترمة، لا تقلد ولا تتبع بطريقة عمياء، بل تحاول وتسعى للإطلاع على الأمر بنفسها قبل أن تبدي رأيا، أو تدلي بصوتها.

إنها، في الحقيقة، صفة مهمة جدا، نحتاجها ونحن نبني العراق الجديد، ليعرف المواطن بدقة، على ماذا يصوت، ولماذا يقول نعم أو لا؟

ولأي سبب يمنح ثقته لزيد أو لعمرو.

إن التصرف الواعي، وعدم التقليد الأعمى، والسير وراء كل من هب ودب، وعدم الانقياد وراء كل من رفع شعارا ليخدع به البسطاء والسذج، إن كل ذلك يطمئننا على مستقبل العملية السياسية الجديدة التي يشهدها العراق.

إن أخطر مرض يهدد العملية الديمقراطية، هو مرض (الإمعة) الذي يعني قول الناس {أنا مع} من دون تمحيص أو سؤال أو تدقيق في المسار، وان من امتنع عن المشاركة لهذه الحجة، يثبت أنه ليس إمعة، فهو، لذلك، يستحق التقدير كذلك، وان كنا نتمنى عليه أن يبذل جهدا أكبر من أجل الإطلاع على مسودة الدستور، كما فعل الملايين من العراقيين، قبل مشاركتهم في يوم الاستفتاء.

أعود مرة أخرى إلى(نعم) و(لا) المقترعين، فبرأيي، إننا بحاجة إلى الاثنين، لأن الديمقراطية لا تطير إلا بجناحين، الأول تمثله(نعم) المواطن، والثاني تمثله(لا) الآخر، شريطة أن نحترم أحدهما وننصاع إليها عندما تكون خيار الأغلبية، من دون أن يعني ذلك، الاستهانة بالأخرى.

فعندما تكون(نعم) خيار الأغلبية، يجب علينا جميعا أن نسلم بها، وننصاع لنتائجها، وفي نفس الوقت نسعى لقراءة مسببات ودوافع (لا) فنحترم الأقلية التي أدلت بها، لنحاورهم ونجادلهم بالتي هي أحسن، للوصول إلى أفضل صيغ التوافق والإجماع.

كذلك، فعندما تكون(لا) هي خيار الأغلبية، علينا أن نحترمها وننصاع لها، مع تسليمنا بأهمية (نعم) التي اختارتها الأقلية.

إن من المستحيل أن نحصل في أية عملية استفتاء على(نعم) فقط أو(لا) فقط، لأن الاختلاف في وجهات النظر والمواقف والآراء، هي سنة الله تعالى في الحياة الدنيا، وسنشكك بنزاهة وشفافية أي استفتاء إذا ما حملت نتيجته واحدة من الاثنين(نعم أولا) فهي، بهذه الحالة، ستشبه النسبة المئوية المطلقة التي تعودت عليها الشعوب العربية، كلما أجرى نظاما ما، استفتاءا أو انتخابات، لحاجة في نفسه يريد قضاها. 

نحن، إذن نحب (نعم) و(لا) في آن واحد، فالتنوع دليل صحة النتيجة ومؤشر على العافية، ولكننا في نفس الوقت نكره(لعم) التي يتلفع بها البعض أحيانا، لأنها نوع من أنواع النفاق السياسي المرفوض، يمارسه الوصوليون والنفعيون من الذين يتسلقون ويصعدون على دماء الضحايا.

لقد حدثنا القرآن الكريم عن نماذج من هذا النوع، ممن كان يختار(لعم) كلما مر المسلمون بمنعطف، في محاولة منه للحصول على الغنائم، في كل الأحوال، ولقد فضحهم القرآن الكريم على رؤوس الأشهاد، بقوله في سورة النساء الآية(141){الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا الم نكن معكم وان كان للكافرين نصيب قالوا الم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينهم يوم القيامة}.

نتمنى أن يعي (المنافقون) خطورة الظرف السياسي الذي يمر به العراق، من أجل أن يحددوا خياراتهم، بين(نعم) واضحة أو(لا) واضحة، فكلا الموقفين صحيحين، أما الخطأ المعيب، فهو عندما لا يختار المرء موقفا، إلا(لعم) بانتظار ما ستسفر عنه النتائج ليرفع عقيرته، بعد أن تهدأ غبرة المعركة، كما يقولون، ليسارع إلى جني الثمار، ما أمكنه إلى ذلك سبيلا.

أما ما يمكن أن نقرأه في رسالة يوم الاستفتاء، فهو كما يلي:

أولا؛ إن تقنين مبدأ {الاستفتاء} وتأصيله والنص عليه في الدستور الجديد، يعني أن الشعب العراقي بات هو{المرجع} في كل شؤونه، وليس فوق مرجعيته أية مرجعية أخرى.

وبذلك نكون قد أنهينا عهود الاستحواذ والتغييب والإقصاء والتهميش، ليعود المواطن هو مصدر السلطات، وليس الزمر التي تستحوذ على مقاليد الحكم بسرقات مسلحة(الانقلابات العسكرية) في خلسة من الليل والناس نيام، أو الأسر الحاكمة التي حملها الاستعمار إلى سدة الحكم في بلاد العرب والمسلمين.

إن من أهم ايجابيات الدستور العراقي الجديد، هو إقراره بسلطة المواطن، فلم يعد الدستور مثلا، يكتبه حفنة من الناس ثم يفرضونه على الشعب، بكل طرق الترغيب وأساليب القهر، كما لم يعد مجلس النواب، الذي يمثل إرادة المواطنين، يتشكل بمرسوم جمهوري أو يلغى بإرادة ملكية، كما هو الحال في جل بلاد العرب والمسلمين، إذ نص الدستور على أنه لا يحق لأحد، كائنا من كان، أن يحل مجلس النواب إلا نفسه، أي لا يجوز لأحد أن يلغي تفويض الناس لنوابهم بغير إرادتهم، كما أنه نص على استحالة إجراء أي تعديل أو تغيير في بنود الدستور الذي يقره الشعب بإرادته، إلا من قبل الشعب نفسه، باستفتاء عام، وهذه واحدة من أهم ما يميز الدستور العراقي الجديد عن بقية الدساتير العراقية السابقة، بل وعن بقية دساتير البلاد العربية والكثير من دساتير البلاد الإسلامية، التي كتبت من قبل حفنة من الناس لم يفوضهم أحد، أو من قبل العوائل والأسر الحاكمة، التي اتخذت عباد الله خولا.

ولتكريس سلطة المواطن، وللحد من ظاهرة الرعونة السياسية التي يتميز بها الحكام عادة، أنيط قرار السلم والحرب في العراق الجديد بمجلس النواب، أي بإرادة المواطن، فلا حرب عبثية بعد الآن، ولا اتفاقات متهورة أبدا، كما كان يفعل الطاغية الذليل، في كل مرة يورط بها العراق وشعبه في حروبه العبثية لتحقيق نزوات صبيانية، ليس للناس فيها ناقة ولا جمل.

ثانيا؛ لقد عزلت المشاركة الشعبية الكبيرة في الاستفتاء، جماعات العنف والإرهاب، وأيتام النظام البائد، كما أسقطت ورقة التوت التي ظل يتستر بها من كان يدعي، كذبا وزورا، تمثيله لهذه الشريحة من العراقيين أو تلك، لتكشف عورتهم وتعريهم أمام الملأ.

لقد كشفت هذه المشاركة، حقيقة في غاية الأهمية، ألا وهي يأس الإرهابيين وأيتام النظام البائد من إمكانية التأثير على إرادة العراقيين الصلبة، ولذلك أسقط في أيديهم، ولم يعد بامكانهم أن ينفذوا التهديد والوعيد الذي أرعدوا به وأزبدوا، قبيل يوم الاستفتاء، لإرعاب المواطن العراقي للحيلولة دون وصوله إلى صندوق الاقتراع، من دون أن يعني ذلك غض النظر عن جدوائية الخطة الأمنية التي وضعتها الحكومة العراقية المؤقتة التي كان لها دور مشهود في تهيئة الجو الأمني المناسب في يوم الاستفتاء، إلا أنني أعتقد بأن الفضل كل الفضل، يعود، بعد الله تعالى، إلى صلابة المواطن وقوة عزيمته ومثابرته وتحديه الذي أنزل أقسى الهزيمة في نفوس الإرهابيين ومجموعات العنف، التي باتت تشعر بأن الاستمرار في جرائمها، لا يزيد العراقيين إلا عزما وتصميما على مواصلة المسيرة، على طريق بناء العراق الجديد.

ثالثا؛ كما أثبتت المشاركة الشعبية الواسعة، حقيقة أن {الغائبين} اكتشفوا الطريق الصحيح هذه المرة، والذي يمكنهم سلوكه من أجل صيانة حقوقهم، والوصول إلى الحق الذي يرونه لهم، والمتمثل في تحقيق الشراكة الحقيقية بين مختلف مكونات المجتمع العراقي.

لقد انتبهوا هذه المرة إلى خطئهم السابق، خطأ المقاطعة التي عزلتهم وغيبتهم عن الساحة السياسية، بعد أن تأكدوا بأن سلاح المقاطعة لا ينجز شيئا ولا يكسبهم حقا، كما أن مراهنتهم على قوى خارج الحدود(كبعض الأنظمة العربية الشمولية أو جامعتهم الفاشلة) لا يجديهم نفعا أبدا، ولذلك قرروا هذه المرة الحضور في العملية السياسية، والذي سيعوضهم عن كل ما فاتهم وأكثر، شريطة أن يظلوا متمسكين بموقفهم السياسي الايجابي الجديد، من دون أن يصغوا إلى من يجبنهم أو يلومهم أو يتهمهم أو يطعن في مصداقيتهم أو وطنيتهم.

لقد راهن (الغائبون) وللأسف الشديد، وعلى مدى أكثر من عامين، على العنف، أو على الأقل، استسلموا له، وفي تصورهم، أنه الأسلوب الأنجع لتخريب العملية السياسية، أو لابتزاز الآخرين للحصول على تنازلات تنفعهم في تحقيق مكاسب ما، وبالتالي إعادة السلطة إلى (أهلها) السابقين، إلا أن التجربة أكدت لهم بأن العنف لا ينتج شيئا، سوى التخريب والمزيد من إراقة الدماء، كما أن الإرهاب لا يمكن أن يعيد عقارب الزمن إلى الوراء مهما كانت الخسائر جسيمة، ولذلك قرروا أن يلجوا الطريق الصحيح المتمثل بالمشاركة والتعامل الايجابي مع أدوات العملية السياسية الجديدة والمتمثلة بصندوق الاقتراع والاستفتاء والانتخاب وما إلى ذلك من الأدوات المدنية والحضارية.

أما الإرهابيون الذين أهدروا دم من أعاد النظر في موقفه السابق، من العملية السياسية الجديدة، من السنة على وجه التحديد، فلقد أثبتوا مرة أخرى بأن هدفهم الوحيد هو تخريب العملية السياسية الجديدة، أما الدين والمقاومة وما إلى ذلك من الشعارات التي يتلفعون بها، فليس إلا أسماء وشعارات يرفعونها للضحك على ذقون المغفلين من الجهلة والمراهقين.

لقد أثبت الإرهابيون بقرارهم هذا، أنهم يريدون فرض أجنداتهم على العراقيين بكل السبل غير الشريفة واللامشروعة، وأنهم يرفضون أن يفكر العراقي، مواطنا كان أم حزبا، بإرادة حرة، ولا يقبلون منه أن يعيد النظر في موقفه بناء على معطيات جديدة أو قناعات مغايرة، تأسيسا على قراءات جديدة للوضع الراهن.

إنهم، بقرارهم هذا، تشبهوا بفرعون الذي قال لمن أعلن إيمانه بموسى عليه السلام قبل أن يأذن له{قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين} وكأن الأيمان بالله ورسوله بحاجة إلى أذن من أحد، أو كأن إعادة النظر في الموقف من قضية ما بحاجة إلى أذن من الإرهابيين.

إنهم يريدون للعراقي أن يتقمص شخصية (جحا) الذي ظل كل حياته يجيب من يسأله عن عمره بالقول(عمري ستين عاما) من دون أن يتغير أبدا رغم تقادم الزمن{لأن الرجل كلامه واحد} على حد قول جحا.

رابعا؛ إن من المهم جدا، ونحن نبني عراقا ديمقراطيا جديدا، أن نشجع المواطن العراقي على أن يعبر عن نفسه بنفسه، لنغلق الباب أمام(المفاوضون) المفترضون، ولنمنع الإرهابيين من التمترس وراء شخصية العراقي بحجة التعبير عن إرادته، ومن أجل أن نحول، كذلك، بين المواطن والتستر على آرائه، ليقولها بصراحة ووضوح بعيدا عن الخوف والتردد، الذي يدفعه في أغلب الأحيان إلى البحث عن الطرق غير المشروعة للتعبير عنها، ومنها طرق العنف والإرهاب.

يجب أن يشعر المواطن بالأمان وهو يدلي برأيه، حتى نقطع الطريق على أساليب العمل السري، ففي ظل الديمقراطية، لا معنى للعمل السري أبدا.

أخيرا، أود أن اهمس بالكلمات التالية في أذن (المثقفين) العرب الذين حاولوا الطعن بالدستور والاستفتاء بكل طريقة ممكنة، وأقول لهم؛

أنا على يقين من أنكم لم تقفوا طوال حياتكم أمام صندوق الاقتراع للإدلاء برأيكم في دستور بلادكم، مثلكم في ذلك، مثل كل الأجيال التي سبقتكم.

وأنا على يقين من أنكم لم تقرأوا دستورا طوال حياتكم، حتى إذا كانت بلادكم فيها دستور، لأنكم تعرفون جيدا بأن الحاكم هو الدستور، وليس وثيقة العهد التي تنظم العلاقة بين المواطنين، والحاكم في بلادنا، كما هو معروف، لا يمكن قراءته، لأنه مخلوق متقلب المزاج، ولا يملك نفسه، إنما يملكه ويتصرف به من جاء به إلى سدة الحكم.

وأنا على يقين من أنكم تجرون الآن آهات الحسرة عميقا، متمنين لو كان بامكانكم أن تشاركوا في صياغة دساتير بلادكم، ولو لمرة واحدة.

وأنا على يقين من أنكم واثقون بنزاهة وشفافية عملية الاستفتاء التي شهدها العراق في الخامس عشر من الشهر الحالي، فلأول مرة يشهد فيه بلد عربي استفتاءا شعبيا عاما، تشرف عليه هيئة مستقلة ليس للحكومة فيه أي دخل أو دور، أما عمليات الاستفتاء والانتخابات المسرحية التي تشهدها البلاد العربية عادة، فتنظمها وتشرف عليها الأنظمة والحكومات الشمولية البوليسية.

كما أنني على يقين من أنكم، في السر، لا تشككون بنزاهة النتيجة، لأنها اختلفت هذه المرة عن النتائج التي تعودتم عليها في ظل أنظمتكم الديكتاتورية الاستبدادية، إذ لم تكن نسبة المشاركة(99.99) كما أن نسبة الاستفتاء لصالح الدستور لم تكن(99.99)  التي تعودتم عليها، أبدا.

وأنا على يقين من أنكم تخدعون أنفسكم في السر عندما تأخذون على العراقيين أنهم صوتوا لصالح نص لم يرونه أو يقرأونه، لأنكم تعلمون بأن شعوبكم لم تقرأ نصا دستوريا في كل حياتها.

وأنا على يقين من أنكم تضحكون على ذقونكم، عندما تطعنون بالدستور العراقي الجديد، بقولكم أنه كتب في ظل الاحتلال، لأنكم أعرف من غيركم بالحقيقة المرة التي تقول بأن كل دساتير العالم العربي، أقصد الدول التي فيها دساتير، كتبت في ظل الاحتلال، بل كتبه المحتل، كما هو الحال بالنسبة إلى لبنان والعراق في عهد التأسيس الأول.

أخيرا، فأنا على يقين بأنكم تضحكون على ذقونكم بكل ما تقولونه عن يوم الاستفتاء، لأنكم تتحدثون من دون الإشارة إلى نموذج واحد يحتذى، ظل العالم العربي يفتقده على طول الزمن.

إذن، اسكتوا، ولا تفضحوا أنفسكم، فإذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب، وصدق رسول الله (ص) الذي قال{قل خيرا، أو فاسكت} وقوله{رحم الله امرءا عرف قدر نفسه، فلزم حده}.

أحسن لكم من أن تروا القشة في عيون العراقيين، أن تروا الجذع في عيونكم وعيون شعوبكم.

انشغلوا بالجذع الذي في عيونكم وعيون شعوبكم المغلوب على أمرها، ودعوا القشة للعراقيين يعالجونها كيف ومتى يشاؤون، والله تعالى هو المسدد.

18 تشرين الأول 2005