جذور العلمانية في المجتمعات العربية

 

 

المشروع العلماني الآن يتعرض للانكشاف، بل لقد دخل مرحلة الاندحار ليس فقط بسبب تورط النخب العلمانية في سياسات الأنظمة القمعية التي لم تحقق تنمية ولا تقدما  ولا تحررا  ولا حتى استقلالا ، بل لأن الدين في ضمائر المسلمين راسخ، لا يلبث رغم الكبت والقمع أن يجد من يحمله ويرفع رايته.

صحيح أن أصحاب المشروع العلماني افتضح أمرهم لوقوفهم في صف الأنظمة الدكتاتورية المقاومة لكل تحرك نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولكن صحيح أيضا  أن التدين الشعبي في العالم الإسلامي - كما استننتج غيلنر - أعمق من أن تنال منه تيارات واردة لا تجد لها في أرض المسلمين قراراً.

ورقة معدلة عن الأصل المنشور في كتاب 

في ورقته المنشورة في كتاب مشاركة الإسلاميين في السلطة - وهي بعنوان:

"الماركسة والإسلام، الفشل والنجاح" - يقول عالم الأنثروبولوجيا الراحل إيرنيست غيلنر:

"تعتبر فرضية العلمنة واحدة من أكثر فرضيات العلوم الاجتماعية شيوعا ، وهي تنص على أن سلطة الدين على البشر في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الصناعي العلمي تضعف بل وتكاد تتلاشى".

ويستدرك غيلنر قائلا: "ولكن، لئن كانت هذه الفرضية صادقة بصورة عامة، إلا أنها ليست صادقة بشكل مطلق، لأن هناك استثناءا  رئيسيا  واحدا ، ألا وهو الإسلام".

ويضيف غيلنر:

"من الجدير بالملاحظة أن سلطان الإسلام على المسلمين خلال السنين المائة الأخيرة لم يضعف، بل تعاظم ، وهذا مثال صارخ كفيل بنقض فرضية العلمنة".(1)

إن المائة سنة الماضية التي يشير إليها غيلنر في ورقته، هي الفترة التي أدخلت خلالها العلمانية إلى مختلف بقاع العالم الإسلامي، وهي الفترة التي انطلقت خلالها الحركات الإسلامية في هذه البقاع المختلفة كرد فعل لمواجهة ما اعتبر مخططا  استعماريا  ضد الإسلام والمسلمين تمثل في هجوم فكري وسياسي استهدف تغريب المسلمين وتجريدهم من هويتهم الثقافية.

من المعروف أن نشأة العلمانية في الغرب ارتبطت بحاجة المصلحين هناك - وخاصة في عصر النهضة - إلى تحرير مجتمعاتهم من القيود التي فرضتها الكنيسة عليها. لقد كانت هناك مبررات فكرية وسيكولوجية وتاريخية لثورة رواد الإصلاح في الغرب على المؤسسة الدينية، ثورة استهدفت تحرير الإنسان وتنمية المجتمع. يمكن بعبارة أخرى القول بأن المسيحية مسؤولة عن نشأة ونجاح العلمنة في الحالة الغربية، وذلك لأنها تعترف بتقسيم الحياة إلى ما يخص الله وما يخص قيصر، ولأنها تفتقد إلى نظام تشريعي ينظم شؤون الحياة الدنيا، ولأنها ارتبطت لعصور متتابعة بأنظمة الحكم الاستبدادية وبالثيوقراطيات الظالمة.

يضاف إلى ذلك أن المسيحية في أوروبا كانت تقوم على الإيمان بوجود طبقة من الناس (القساوسة) ممن يدعون تمثيل الله في الأرض، ويحتكرون تفسير كلماته، ويستغلون نفوذهم الديني لتجريد من يريدون من العامة من حقوقهم الإنسانية الأساسية.

بمعنى آخر، كانت المؤسسة الكنسية المسيحية تشكل عقبة كؤود في طريق التقدم والتنمية.(2)

أما العلمانية في العالم العربي، فكانت نشأتها في ظروف مختلفة تماما .

فحتى مطلع القرن التاسع عشر، وتحديدا  إلى ما قبل غزو نابليون لمصر عام 1798م، كانت المنطقة العربية بأكملها تستمد عاداتها وقيمها وقوانينها من الإسلام.

إلا أن الحقبة الاستعمارية التي دشنتها الحملة الفرنسية - والتي مهدت الطريق أمام غيرها من الحملات الأوروبية - شهدت بالتدريج تحولات فكرية واجتماعية وسياسية ناجمة عن أنماط التفكير والسلوك التي جاء بها المستعمرون الغزاة إلى المنطقة العربية.(3)

دخلت العلمانية إلى منتديات الفكر في العالم العربي في فترة شهدت تسريبا  هادئا  لنمط ثقافي جديد تبناه بعض المتحمسين والمعجبين بالغرب، رافقه فرض بالقوة على المجتمع ككل من قبل السلطات الاستعمارية لمعايير جديدة أريد لها أن تكون بدائل للمعايير الثقافية المنبثقة عن الإرث الحضاري المحلي. في تلك الأثناء، كان هناك من المفكرين من ينظر إلى أوروبا على أنها قوة مستعمرة طامعة لا يؤمن جانبها ولا يرجى منها خير، بينما كان هناك منهم من اعتبرها منارة ومصدر إلهام لمن أراد التقدم والنجاح.

تركز الجدل الفكري في تلك الفترة حول العلاقة بين الدين والدولة وحول وسائل تحقيق تقدم وتنمية كاللذين تمكنت أوروبا من إنجازهما.

ولعل هذا هو السبب الذي من أجله ترجمت كلمة "سيكيولاريزم" إلى علمانية (بكسر العين) نسبة إلى العلم، أو علمانية (بفتحها) نسبة إلى العالم، وذلك أنها لو ترجمت إلى مرادفة عربية تحمل نفس ما تحمله كلمة "سيكيولاريزم" من معنى - مثل كلمة "دنيوية" أو "دهرية" لقوبلت منذ البداية برفض تام من قبل المسلمين. إذن ، كان من المهم أن تترجم الكلمة إلى مرادفة ذات علاقة بالعلم والتقدم.

من الملاحظات المثيرة ذات العلاقة بنشأة العلمانية في العالم العربي، أن روادها وحملة لوائها الأوائل كانوا كلهم تقريبا  من غير المسلمين. لربما اعتقد بعض هؤلاء الرواد - مخلصا  - بأن العالم العربي لا يمكن أن يحقق تقدما  إلا إذا سلك العرب نفس الطريق الذي سلكه الغربيون، أي طريق التخلي عن الدين، ولربما عجز بعضهم عن التمييز بين طبيعة الدين الإسلامي وطبيعة الديانة المسيحية في التجربة الأوروبية، وعن رؤية التناقض الواضح بين الدور الذي لعبه الإسلام وذلك الذي لعبته هذه المسيحية عبر التاريخ.

ومن الملاحظات أيضا  أن العلمنة في الغرب أدت إلى تعزيز القيم الديمقراطية وإلى الاعتراف بحقوق الإنسان الأساسية وبالحريات المدنية وتطوير آليات لضمان احترامها، بينما ارتبطت العلمانية في العالم الإسلامي بشكل عام بالدكتاتورية وبانتهاك بشع لحقوق الإنسان وبمصادرة للحريات المدنية وبإضعاف - بل محاولة تدمير - المجتمع المدني.

نشأة العلمانية العربية  

في الفترة التي كانت أوروبا فيها ترتقي سلم التقدم العلمي والإبداع الفكري والمأسسة السياسية والتنمية الاقتصادية، كان العالم العربي يترجل عن السلم الحضاري ويغط في سبات عميق.

وهذا ما حفز عددا  من المفكرين إلى الدعوة إلى الإصلاح. ولما كان بعض هؤلاء قد تأثر بالثقافة الأوروبية وأسره الإعجاب بإنجازاتها، فقد كان تأثير الفكر الأوروبي على الحوار الفكري العربي شديدا  لدرجة تعميم الإشكاليات ذات الخصوصية الأوروبية على الحالة الإسلامية.

ونتيجة لهذا التأثير طرحت إشكاليات التناقض بين الدين العقل، وبين الأصالة والمعاصرة (أو الحداثة)، وبين الدين والدولة، وبين الدين والعلم.

ظهر بين مصلحي تلك الحقبة اتجاهان، واحد إسلامي، وآخر مسيحي. اعتقد زعماء الاتجاه الإسلامي بضرورة السعي لتحقيق التحديث والتقدم ولكن دون التخلي عن منجزات الحضارة الإسلامية.

وكان هدف هذا الاتجاه إيجاد نهضة إسلامية كفيلة بتخليص العرب من حالة التخلف وحمايتهم في نفس الوقت من أخطار الحملة الاستعمارية الأوروبية التي دشنها كما أشير سابقا  غزو نابليون لمصر.

أشهر رموز هذا الاتجاه رفاعة الطهطاوي (1801-1873)، الذي كان أول من نادى بالتفاعل مع الحضارة الأوروبية بهدف استعارة كل ما لا يتصادم مع قيم ومبادئ الشريعة الإسلامية.

بعد تخرجه من الأزهر الشريف، عين الطهطاوي إماما  لفرقة من العساكر ابتعثها محمد علي إلى فرنسا للتعلم واكتساب الفنون العسكرية.

ورغم أن الطهطاوي صاحب الفرقة ليؤمها في الصلاة ويعظ أفرادها في شؤون الدين والدنيا، إلا أنه – وهو المنحدر من أسرة عريقة اشتهرت بالعلم - ألقى بنفسه في محراب التعلم بحماسة منقطعة النظير، فاكستب اللغة الفرنسية وقرأ كتب التاريخ القديم، والفلسفة اليونانية، والجغرافيا، والحساب، والمنطق، وتعمق في دراسة الفكر الفرنسي السائد في القرن الثامن عشر، فقرأ لفولتير، وقرأ العقد الاجتماعي لروسو وغير ذلك من المؤلفات ذات الصلة.

وبعد خمسة أعوام، عاد الطهطاوي إلى بلاده ليشخص المرض الذي ابتليت به الأمة على أنه ناجم عن نقص الحرية، وليقترح النظام الديمقراطي متعدد الأحزاب علاجا  ناجعا  له.

انتقد الطهطاوي أولئك الذين عارضوا فكرة أخذ العلوم عن أوروبا فهم في رأيه "واهمون، لأن الحضارة دورات وأطوار، وهذه العلوم قد كانت إسلامية عندما كنا نعيش عصر نهضتنا، فأخذتها عنا أوروبا وطورتها، وواجبنا الآن أن نتتلمذ عليهم كما تتلمذوا على أسلافنا".(5)

لابد من التأكيد هنا أن كل إصلاحيي القرن التاسع عشر، مثل جمال الدين الأفغاني (1838-1897) وخير الدين التونسي (1822-1889) وعبد الرحمن الكواكبي (1854-1902) ومحمد عبده (1849-1905) وعبد الحميد بن باديس (1889-1940) الذين سلكوا نهج الطهطاوي، كانوا من خيرة علماء الإسلام ومن الغيورين عليه وعلى الإمة جمعت فيما بينهم الثقة بأن بإمكان المسلمين - بل يتوجب عليهم - أن يستفيدوا من النجاحات الأوروبية دون التنازل عن الثقافة والقيم الإسلامية أو الانتقاص منها.(6)

كما ينبغي التأكيد على أن كثيرا  من الأفكار الإصلاحية الواردة من أوروبا لم تكن غريبة على النخب التي نشأت في حضن الفكر الإسلامي التقليدي، ومن هذه الأفكار على سبيل المثال أن الإنسان يحقق ذاته كفرد من خلال عضويته في المجتمع، وأن المجتمع لا يتحقق له الاستقرار والأمن إلا بسيادة العدل، وأن مهمة الحكومة هي السهر على مصالح المحكومين.(7)

ولعل أشهر من حمل لواء هذا الاتجاه بعد الطهطاوي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

نادى جمال الدين الأفغاني بالتمسك بالأصول الإسلامية وأصر على أنه ليس من الضرورة أن يبدأ المسلمون من حيث انتهى الأوروبيون. وانتقد الأفغاني إولئك الذين طالبوا بمحاكاة النموذج الأوروبي كما هو دون تعديل أو تحفظ متهما  إياهم بتشكيل خطر على سيادة الأمة. وكانت إحدى أهم مطالبه السماح للشعب بممارسة دوره السياسي والاجتماعي عبر المشاركة في الحكم من خلال الشورى والانتخاب.(8)

أما محمد عبده، الذي كان يناضل في سبيل الإصلاح في شتى الميادين، فقد كان يصر على ضرورة أن تنبثق القوانين الحديثة من داخل الشريعة وليس باستقلالية عنها.

وطالب بوجود مشاركة متكافئة - بدل الفصل - بين الذين يحكمون والذين يشرعون القوانين.(9)

ومع ذلك فقد كان شغل محمد عبده الشاغل التأكيد على عدم وجود تعارض بين الإسلام من جهة والعقل أو العلم من جهة أخرى.

وفي سياق حديثه عن التخلف الذي وصلت إليه المجتمعات العربية، ندد عبده بالذين يصرون على التقليد الأعمى للقديم بينما يقاومون التحديث، وكان يرى بأن علاقة الإسلام بالعصر الحديث هي أهم وأخطر قضية توجب على المجتمعات الإسلامية التعامل معها.

وفي محاولة للتقريب بين الأفكار الإسلامية والأفكار الغربية، اقترح عبده أن المصلحة في المفهوم الإسلامي تساوي المنفعة في المفهوم الغربي، وأن الشورى تقابل الديمقراطية وأن مفهوم الإجماع موجود لدى الطرفين. ولدى معالجته لإشكالية السلطة، نفى عبده وجود ثيوقراطية (حكم رجال الدين) في الإسلام، وأصر على أن سلطات كل من الحاكم والقاضى والمفتي هي سلطات مدنية لا دينية. ولم يكن مستغرباً إذ ذاك أن يرفع عبده لواء المطالبة بإحياء الاجتهاد حتى يتم التطرق للأولويات وما يستجد من قضايا ومشاكل لم يسبق أن تداولها المختصون في مختلف ميادين الفكر الإسلامي.(10)

أما الاتجاه المسيحي فتشكل من مجموعة من المسيحيين العرب الذين كان بعضهم قد تلقى تعليمه في الكلية البروتستنتية السورية ثم هاجر من بعد إلى مصر واستقر بها. ت

شتمل مجموعة هؤلاء العلمانيين الرواد على شبلي شميل (1850-1917)، وفرح أنطون (1874-1922)، وجورجي زيدان (1816-1914)، ويعقوب صوروف (1852-1917)، وسلامة موسى (1887-1958)، ونيكولا حداد (1878-1954).(11) عمل هؤلاء على الترويج لأفكارهم من خلال مطبوعتي المقتطف والهلال اللتان تأسستا على التوالي عامي 1876 و 1892، واستخدمتا لنشر مقالات تدفع باتجاه تغليب الهوية القومية على الهوية الدينية، والدعوة إلى ضرورة أن يقدم حب الوطن وأبناء الوطن على ما سوى ذلك من الروابط الاجتماعية بما في ذلك رابطة العقيدة.(12)

ومن خلال فيض من الكتابات، نجح هؤلاء المفكرون في إرساء دعائم العلمانية في العالم العربي. وقد شملت الرسائل الموجهة عبر كتاباتهم كيل المديح للفكر الليبرالي في كل من فرنسا وإنجلترا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وإدانة هيمنة التقاليد على الإنسان في العالم العربي، والتأكيد على أن العقل ينبغي أن يحل محل التقاليد في تحديد معايير السلوك الإنساني، وعلى أن إنجاز التقدم والتحديث يتطلب الإبقاء فقط على تلك التقاليد التي لا تتعارض مع مشروع التحديث.(13) كان هدف هؤلاء المفكرين هو تحديد مواصفات دولة علمانية يمكن أن يشارك في إدارتها المسلمون والمسيحيون على قدم من المساواة التامة.(14)

يقال إن شبلي شميل، والذي كان قد تخرج من الكلية البروتستنتية ثم توجه إلى باريس لدراسة الطب، كان أول من أدخل نظريات داروين إلى العالم العربي من خلال كتاباته في المقتطف. يستدل من كتاباته على أنه كان ينتمي إلى حركة نشطت في أواخر القرن التاسع عشر كانت ترى أن العلوم الطبيعية وحدها هي المفتاح لفهم سر الكون، بل وتعتبرها نمطا من العبادة.

وكان شميل يعتقد بأن "دين العلم" هو بمثابة إعلان حرب على الأديان القديمة. وكان يرى أن الوحدة الاجتماعية، التي اعتبرها ضرورة أساسية لتحقيق إرادة شعبية عامة، تستلزم الفصل بين الدين والحياة السياسية على اعتبار أن الدين كان عامل فرقة. وأصر شميل على أن الأمم تقوى بضعف نفوذ الأديان فيها، مشيرا  للدلالة على ذلك إلى النموذج الأوروبي حيث تحققت القوة والمدنية نتيجة لما أثمرته حركة الإصلاح والثورة الفرنسية من تحرير المجتمع من قبضة رجال الدين.(15) 

ولذلك فقد كان في كتاباته يندد بالشيوخ والقساوسة معا  متهما  إياهم بمقاومة التقدم والتنمية.(16)

أما فرح أنطون، الذي كان قد هاجر من طرابلس إلى القاهرة عام 1897، فقد رأى نشر أفكاره عبر دراسة أعدها حول حياة وفلسفة ابن رشد متأثرا في ذلك بأعمال اللغوي والمؤرخ الفرنسي إيرنست رينان (1823-1892)، الذي يصفه حوراني بأنه معلم أنطون.

كان أنطون يعتقد بأن مشكلة التصادم بين العلوم والدين يمكن أن تحل فقط إذا ما رد كل منهما للحقل المناسب له والخاص به. ولعل هذا ما حدا بأنطون أن يهدي كتابه إلى من وصفهم بـ براعم الشرق الجديدة "أولئك الرجال المتمتعين بالوعي داخل كل طائفة ومن كل دين في الشرق الذين تنبهوا لخطر المزج بين الدين والدنيا في عالم اليوم، والذين ذهبوا يطالبون بوضع دينهم على الرف في مكان مقدس ومبجل حتى يتسنى لهم إنجاز الوحدة الحقيقية بينهم والانطلاق ضمن تيار الحضارة الأوروبية الحديثة لينافسوا أولئك الذين ينتسبون إليها قبل أن يجرفهم تيارها ويخضعهم للآخرين".(17)

لعل الذي جذب أنطون إلى ابن رشد - كما يرى ألبرت حوراني - هو ما جذب أستاذه رينان من قبله، ألا وهو الفكرة القائلة بأن النبوة هي نوع من الفهم !!، وبأن الأنبياء إنما هم فلاسفة !!، وبأن الحقيقة التي سعى الأنبياء إلى إضفاء رداء من الرموز الدينية عليها لإقناع الجماهير بها، هي ذاتها التي يمكن أن تعيها النخبة دون حاجة إلى النبوة.

ولذلك سعى أنطون من خلال كتاباته إلى التأكيد على انتفاء الحاجة في العصر الحديث إلى ما وصفه بالجزء غير الأساسي من الدين، أي الشريعة.

وإذا كان هذا شرطا  أولا  لتحقق العلمانية، فإن شرطه الثاني كان إقامة الفصل بين السلطات الدنيوية والسلطات الروحية، مدللا  على أن إنجاز هذا الفصل في الديانة المسيحية جعل المسيحيين أكثر تسامحا  من المسلمين، ومؤكداعلى أنه إذا ما كانت الأقطار الأوروبية اليوم أكثر تسامحا  فليس السبب في ذلك مسيحيتها وإنما نجاح العلوم والفلسفة في إقصاء التعصب الديني ونجاح هذه الأقطار في إنجاز فصل تام بين السلطات الدينية والدنيوية.(18)

وأما موسى سلامة، فقد دعى من جهته إلى الفصل بين ميدان العلوم وميدان الدين مصرا  على أن الدين قد فقد - بسبب نفوذ المؤسسات الدينية ورجال الدين - طبيعته التقدمية وأصبح عبئا  ثقيلا. وسعى سلامة إلى التأكيد على أن الإسلام والمسيحية لهما مواقف متماثلة فيما يتعلق بحرية الفكر وتحرير العقل، مصرا  على أن "المجتمع لا يمكن أن يتقدم أو يتطور ما لم يتم تقييد دور الدين في تشكيل الوعي الإنساني، فالتقدم هو الدين الجديد للإنسانية". (19)

لعل ما دفع هذه المجموعة من المفكرين إلى حمل لواء العلمنة وشن الهجوم على الدين هو بالدرجة الأولى مسيحيتها. فالمسيحية لا يمكنها التعايش مع العلم ومتطلبات الحياة إلا إذا همش دورها وانحصر في شؤون العبادة لمن أرادها، وهذا ما حدث بالفعل في أوروبا حينما أرادت أن تتحرر من قيود الكنيسة وتنفض عن نفسها غبار التخلف. ولربما حفزها - بالدرجة الثانية - انتماؤها إلى أقلية دينية تعرضت في القرون الأخيرة من الحكم الإسلامي إلى التهميش بالقدر الذي تعرضت فيه إلى مغازلة القوى الغربية الطامعة في المنطقة الإسلامية والباحثة عن موطئ قدم فيها تمثل في خلق نخب مثقفة تشكل - عن وعي أو عن غير وعي - رأس حربة للتغريب والغزو الثقافي.

بالعودة إلى الاتجاه الإسلامي نجد أن محمد عبده كان قد ترك من خلفه تلاميذ ما لبثت أفكارهم أن تبلورت من بعده إلى مدرستين رئيستين. فبينما سلك رشيد رضا نهجا  سلفيا  يدعو إلى التمسك بالأصول، انطلق عدد منهم في الاتجاه المعاكس، وذهبوا إلى أن تأكيد أستاذهم على شرعية التغيير الاجتماعي يعني بالضرورة الفصل فعليا !! بين مجالين: مجال الدين ومجال المجتمع، لكل مجال منهما أعرافه وتقاليده.

ثمة ما يشير إلى أن هذه المجموعة - والتي سعت إلى إيجاد مزاوجة بين الإسلام والأفكار العلمانية - تأثرت بدرجة كبيرة بالرواد الحقيقيين للعلمانية من أعضاء الاتجاه المسيحي، وغلب عليها الانبهار بإنجازات الحضارة الغربية، فسعت جادة إلى إرساء قواعد مجتمع علماني يبجل فيه الإسلام ولكن لا يلعب دور الموجه في الحياة العامة، وخاصة فيما يتعلق بالقانون وإدارة الاقتصاد والسياسة.

من أشهر رموز هذه المجموعة قاسم أمين (1865-1908) الذي عرف بدعوته لتحرير النساء.  رأي قاسم أمين أن مشكلة المسلمين تكمن في تخلفهم العلمي وبأن من غير المفيد الأمل بتبني العلوم الأوروبية دون تبني القيم الأخلاقية السائدة في أوروبا، فالاثنان من وجهة نظره لا ينفصلان، ولذلك على العرب إن كانوا ينشدون التقدم واللحاق بركب الحضارة أن يعدوا أنفسهم لتغيير جذري في كافة جوانب الحياة.

وأعرب أمين عن قناعته بأن الكمال لا يوجد في القديم، ولا حتى في القديم الإسلامي، بل يوجد فقط في المستقبل البعيد، وبأن الطريق نحو الكمال يكمن في العلوم. ولما كانت أوروبا في الزمن المعاصر هي الأكثر تقدما  في مجال العلوم، فهي التي تقود المسير نحو الكمال الاجتماعي. وذهب قاسم أمين إلى أبعد من ذلك عحين أعلن بأن أوروبا "تتقدمنا في كل شيء، وليس صحيحا  الزعم بأنه بينما يتفوق الأوروبيون علينا ماديا  فإن حالنا في مجال الأخلاق أفضل من حالهم. بل إن الأوروبيين أكثر تقدما  حتى في المجال الأخلاقي.

صحيح أن الطبقتين العليا والدنيا في مجتمعات أوروبا ينقصها شيء من العفة فيما يتعلق بالممارسات الجنسية، إلا أن الطبقة الوسطى تتمتع بمستوى راق من الأخلاق بكل ما تعنيه الكلمة، بل إن كافة الطبقات الاجتماعية تتمتع بدرجة عالية من العفة الاجتماعية.(20)

وكان أحمد لطفي السيد (1872-1963) رائدا  من رواد مجموعة العلمانيين من تلامذة عبده. ومع أنه كان مقربا  جدا  من محمد عبده، إلا أن الإسلام لم يشكل جزءا  مهما  من فكره.

فلطفي السيد لم يكن هاجسه - كالأفغاني أو عبده - الدفاع عن الإسلام أو المطالبة بإعادة الاعتبار للشريعة الإسلامية كأساس أخلاقي للمجتمع، بل لم يكن للدين اعتبار لديه إلا بقدر ما يمكن اعتباره مكونا  من مكونات المجتمع الثقافية لا أكثر.(21)

أثار الإعلان عن إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924 جدلا  بين مفكري تلك الفترة حول أهمية الخلافة وحول ما كان ينبغي على المسلمين من رد فعل تجاه الإعلان عن إلغائها. وتركز الجدل حول كتاب "الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام" الذي ألفه الشيخ الأزهري علي عبد الرازق (1888-1966) واعتبر من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر.

اعتبر علي عبد الرازق، الذي كان قد عاد لتوه من بريطانيا بعد أن أنهى دراسته العليا في أكسفورد، أنه لا صحة لوجود مبادئ سياسية إسلامية، ونفى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام نظاما  سياسيا  إسلاميا  على اعتبار أن إقامة الدولة لم تكن جزءا  من مهمته التي ابتعث من أجلها. ولعل أفكار الشيخ عبد الرازق هي التي وفرت الأرضية التي انطلق منها العلمانيون العرب فيما بعد في حملتهم الضارية على الشريعة الإسلامية وخاصة ما يتعلق منها بأحكام الإدارة الاقتصادية والسياسية والجنائية، بل إن كتابه المشار إليه أعلاه يعتبر أول دعوة صريحة من شيخ أزهري إلى رفض التفسيرات والمفاهيم المتعارف عليها واستبدالها بتفسيرات ومفاهيم عصرية على نسق ما كان يقترحه المستشرقون في كتاباتهم عن الإسلام.(22)

تقوم الفكرة العلمانية في العالم العربي على عدد من الفرضيات الخاطئة، أولها تشبيه الإسلام بالمسيحية من حيث كونه دينا  ينبغي أن يقتصر نفوذه على الجانب الروحي من حياة الإنسان. بل شط العلمانيون حين تصوروا وجود سلطة دينية في الإسلام على نسق السلطة الكنسية في المسيحية تعيق التقدم والتطور وتحرم حرية التفكير وتقمع الإبداع، ولذلك ينبغي منعها من التدخل في الشؤون الدنيوية. لقد أخطا  هؤلاء خطأ جسيما  حين سحبوا على الإسلام ما في التجربة الأوروبية من صدام بين الكنيسة والعلم، وبين المسيحية والعقل، وأخطأوا أيضا  في استنتاجهم بأن المسيحية والإسلام اختطا نفس النهج في التعامل مع المبدعين في مجالات العلوم الطبيعية أو الإنسانية ولذلك ينبغي على العرب إقصاء الإسلام ثمنا  للتقدم والتصور كما أقصى الأوروبيون مسيحيتهم لينجزوا حضارتهم المعاصرة. وأخطأ هؤلاء أخيرا  في اعتبار العلمنة شرطا  من شروط التحديث وحين اعتبروا العلاقة بينهما علاقة عضوية لا تنفصم.

لم تكن النخب المتغربة - العلمانية - لتفلح في نشر أفكارها لو ظلت حلبة النزاع الفكري مفتوحة ومستقلة عن تدخل القوى السياسية بدءا  بالمستعمر وانتهاء بأنظمة الحكم في الدولة القطرية المعاصرة.

ففرضيات العلمانيين يسهل دحضها حتى من قبل من حظه من العلم والفكر متواضع، وفي نفس الوقت يتعسر قبولها لدى عامة الناس لما للثقافة الإسلامية من نفوذ عميق في أنمطة تفكيرهم وحياتهم ولما في ضميرهم الثقافي من ثقة بدور الإسلام التاريخي في النهضة بالإنسان والمجتمع.

إن الذي مكن للتغريب والعلمنة هو النفوذ السياسي، والاحتكار الإعلامي، والإرهاب الأمني لأجهزة الأنظمة التي آلت إليها مقاليد الحكم بعد رحيل عساكر المستعمرين.

كما مكن له ضرب هذه الأجهزة لمؤسسات المجتمع المدني، من مصادرة للتعليم، وللأوقاف، وللمساجد، ومن ربط كافة النشاطات الثقافية والسياسية بالحصول على تصاريح أمنية مسبقة، حتى غدت القاعدة السائدة "الأصل في الأمور المنع والتحريم" لا الإباحة كما هو متعارف عليه في الشرع الإسلامي.

إلا أن المشروع العلماني الآن يتعرض للانكشاف، بل لقد دخل مرحلة الاندحار ليس فقط بسبب تورط النخب العلمانية في سياسات الأنظمة القمعية التي لم تحقق تنمية ولا تقدما  ولا تحررا  ولا حتى استقلالا ، بل لأن الدين في ضمائر المسلمين راسخ، لا يلبث رغم الكبت والقمع أن يجد من يحمله ويرفع رايته. صحيح أن أصحاب المشروع العلماني افتضح أمرهم لوقوفهم في صف الأنظمة الدكتاتورية المقاومة لكل تحرك نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولكن صحيح أيضا  أن التدين الشعبي في العالم الإسلامي - كما استننتج غيلنر - أعمق من أن تنال منه تيارات واردة لا تجد لها في أرض المسلمين قراراً.

وبعد قرن من الحملات المكثفة والمتتالية، تظل العلمانية فكرة مستوردة، غريبة، بل ومرفوضة، وقد تبين أن هدف المروجين لها والمدافعين عنها هو سلخ المجتمعات العربية عن هويتها الإسلامية. وستظل العلمنة في سجل التاريخ حركة رديفة للاستعمار الذي بدأ بغزو نابليون لمصر والذي سيندحر نهائيا  - بإذن الله - بانهيار المشروع العلماني الصهيوني المتمثل بدولة إسرائيل المزروعة كالخنجر في قلب الأمة الإسلامة. وما ظاهرة التدين الحالية إلا تعبير عن أصالة الانتماء إلى الإسلام عقيدة وسلوكا ، وتعبير عن تحرك الجماهير العربية لنفض غبار التخلف الذي لم تسهم العلمنة إلا في ترسيخه، وتعبير عن بداية تبلور مشروع إسلامي في المنطقة العربية سينجز في القريب إن شاء الله مشروع الاستقلال والذي ستكون أهم معالمه تحرير فلسطين وإعادة توحيد الأمة بعد أن تزول الحدود التي رسمها المستعمر وحافظت عليها النخب العلمانية.

المصدر :- معهد الفكر السياسي الاسلامي .

----------------------------------------------------

الهوامش :

(1) إيرنست غيلنر، الماركسية والإسلام: بين الفشل والنجاح، ورقة في كتاب مشاركة الإسلاميين في السلطة، تحرير عزام التميمي،  ليبرتي 1994، ص. 81.

(2) يوسف القرضاوي، الإسلام والعلمانية وجها  لوجه، الرسالة 1990.

(3) رفعت سيد أحمد، الدين والدولة والثورة ، الدار الشرقية، 9891، ص. 31.

(4) راجع:  

Albert Hourani، Arabic Thought in the Liberal Age 1798-1939، Cambridge University Press 1991، p. 69.  (5) رفعت سيد أحمد،  المرجع السابق،ص. 34.

(6) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية 1993، ص. 252.

(7) Albert Hourani ص. 70.

(8) رفعت سيد أحمد،  المرجع السابق،ص. 44-47.  

(9)  Albert Hourani  

(10)  رفعت سيد أحمد،  المرجع السابق،ص. 84-05.

(11) نفس المرجع

(12)  Albert Hourani. ص. 642-742

رفعت سيد أحمد،  المرجع السابق،ص. 15

Albert Hourani ص. 256-257.  

(15) المرجع السابق، ص. 250-252.

رفعت سيد أحمد،  المرجع السابق،ص. 53.

Albert Hourani ص. 254-255

(18) المرجع السابق، 652-752.

رفعت سيد أحمد،  المرجع السابق،ص. 35  

Albert Hourani ص. 164-169.

(21) المرجع السابق، ص. 170-172.

(22) محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، 1991، ص. 206-209.