معهد الشرق الأوسط بين تراث الماضي وتحديات الحاضر  

 

 

نتعرض هذا الاسبوع لمعهد الشرق الأوسط Middle East Institute وهو من أعرق مؤسسات الثينك تانكس المتخصصة على وجه الخصوص في شئون الشرق الأوسط.

ففي حين تتمتع المؤسسات الكبيرة مثل بروكنغز ومعهد كارنغي وآميركان انتربريز ببرامج متعددة تشمل مختلف أنواع الاهتمامات السياسية والعديد من المناطق الجغرافية، لا يركز معهد الشرق الأوسط نشاطه إلا على منطقة الشرق الأوسط والقضايا المتعلقة به.

ويعرف المعهد منطقة الشرق الأوسط بتلك الممتدة من أفغانستان وباكستان شرق إلى المغرب غربا.

تاريخ المعهد

تقع جذور معهد الشرق الأوسط في كلية الدراسات الإستراتجية الدولية بجامعة جونز هوبكنز بواشنطن، واستمرت تلك العلاقة حتى عام 1946 عندما تحول المركز إلى معهد مستقل من خلال مبادرة مؤسسيه وهم جورج كامب كايزر، أكاديمي مرموق وكريستيان هيرتر، وزير الخارجية الأمريكي السابق.

وكان الهدف الرئيسي للمؤسسة هو تثقيف المجتمع الأمريكي عن الشرق الأوسط وتحسين التفاهم بينه وبين المجتمعات المختلفة بالمنطقة التي صعدت في تلك الفترة إلى قمة الأولويات الحاكمة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ومنذ بدايته كانت الهيئة الإدارية للمعهد مكونة من دبلوماسيين متقاعدين،بالأخص ممن عملوا بقسم الشرق الأدنى بوزارة الخارجية.

ولا شك أن تلك الظاهرة، التي لم تترك المعهد حتى يومنا الحالي، قد وفرت للمعهد طابعا خاصا لم يتوفر في الكثير من البرامج البحثية المعنية بالشرق الأوسط.

فنظرا للخبرات الطولية لمديري المعهد بالشرق الأوسط، كانت رؤية المعهد للمنطقة رؤية شاملة وتأخذ في الاعتبار طبيعة الحياة والثقافة المحلية والعوامل الاقتصادية ببلادها المختلفة.

وذلك بعكس مراكز الأبحاث الأخرى التي عادة ما تركز على الأوضاع الإسترتيجية وأهداف الولايات المتحدة بالمنطقة، وذلك بلا شك يحد من إمكانية فهم هذه المراكز لطبيعة الشرق الأوسط المعقد.

وتضم قائمة رؤساء المعهد السابقون كيرمت روزفلت، ويقال أنه لعب دورا كبيرا في تخطيط نشاطات الاستخبارات الأمريكية بالشرق الأوسط خلال الخمسينيات، والسفراء السابقون ريموند أوهير ولوشيس باتل وروسكو سودارث وروبيرت كييلي وديين براون وباركار هارت والرئيس السابق للجامعة الأمريكية ببيروت بيارد دودج.

معهد الشرق الأوسط اليوم

بعد عدة عهود من إنشائه لا يزال المعهد نشطا في الساحة السياسية الأمريكية من أجل توضيح رؤية المجتمع الأمريكي للشرق الأوسط. ومن الجدير بالذكر أن اليوم ومقارنة بنشاطاته في الماضي، ينظر المعهد للمنطقة من خلال عدسة أكبر حيث يعرف الشرق الأوسط بالمنطقة المحصورة بين المغرب العربي وآسيا الوسطي، ونرى أن ذلك المفهوم الواسع قد أثر على طبيعة نشاط المنظمة حيث أنها تنظر بشكل مكثف إلى التطورات بدول مثل باكستان وكازاخستان وهم بلاد لم نعتد أن نراهم تحت عنوان "الشرق الأوسط" من قبل.

ويضم المعهد في الوقت الحالي حولي 1,400 عضو ومن خلال نشاطه يقدم لهم العديد من الخدمات الموصوفة في السطور القادمة.

دورية الشرق الأوسط Middle East Journal

تصدر هذه الدورية أربع مرات في العام الواحد وهي من الدوريات المرموقة بعالم السياسة والمجال الأكاديمي.

وتقدم الدورية مقالات بمختلف المجالات مثل السياسية والاقتصاد والثقافة والتاريخ والدراسات الإستراتجية. فنجد مثلا أن في العدد الحالي للدورية مقالات عن طبيعة التكوين السياسي لدولة الأمارات والتنمية السياسية بعمان ووضع المرأة بقانون الأحوال الشخصية بالمغرب ومؤسسات حقوق الإنسان بالشرق الأوسط والأحزاب النسائية بإسرائيل.

وتعد المجلة من أقدم المراجع الدراسية بالولايات المتحدة المتخصصة في شئون الشرق الأوسط، وتعرف المجلة بفقرة تنشر كل عدد عن أهم الأحداث بدول المنطقة منذ صدور عددها السابق. وتقدم هذه الأحداث من خلال سرد زمني ترتيبي Chronology للوقائع التي حدثت بكل دولة.

يرأس هيئة التحرير مايكل دان وهو أستاذ سابق بجامعتي جورجتاون ويوتاه. كما تضمن الدورية عروضا لأهم الكتب الحديثة عن المواضيع المتعلقة بالشرق الأوسط وكاتب هذه الفقرة هو جون كالابريس أستاذ بالجامعة الأمريكية بواشنطن وخبير في شئون العلاقات العربية-الشرق آسيوية.

مركز دراسات اللغات والمنطقة

يشتهر معهد الشرق الأوسط ببرنامج دراسات اللغة التي يقدم من خلالها فصول لتعليم العربية والفارسية والتركية والعبرية، وذلك في كل المستويات من المبتدئين حتى الفصول المتقدمة. كما يقدم المركز فصولا تعليمية عن الوضع السياسي والثقافات المختلفة بالمنطقة، وبالطبع تعد تلك الفصول موردا مهما للعاملين بمجالات معنية بالمنطقة مثل الطاقة والبحوث العلمية والتجارة. ويرأس القسم الدكتور شكري العبد وقد درس بالماضي بجامعاتي ماريلاند والقدس وكتب العديد من المؤلفات عن الحضارة الإسلامية واللغة والثقافة العربية والوضع السياسي المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

مكتبة جورج كامب كايزر كما يشمل المعهد مكتبة جورج كامب كايزر التي تضم نخبة مميزة من الكتب والمنشورات عن الشرق الأوسط.

وتعد هذه المكتبة أكبر مجموعة للكتب المتعلقة بشئون المنطقة بالعاصمة الأمريكية خارج مكتبة الكونغرس القومية.

وتقدم المكتبة للباحثين بواشنطن دلائل بحثية ترشدهم لأهم المؤلفات التي نشرت في مواضيع محددة مثل العراق والإعلام العربي والصراع العربي الإسرائيلي وتفسير القرآن الكريم والحديث وإيران ما بعد الثورة الإسلامية وغيرهم.

ندوات ومؤتمرات

يتمتع المعهد بقسم كبير لتنظيم الندوات والمؤتمرات عن أهم القضايا والتطورات بالمنطقة.

وكثيرا ما يشارك المعهد في تنظيم المنتديات والمهرجانات الثقافية والفنية بالعاصمة مثل الحفل الموسيقي لعازف العود العراقي عمر البشير بمركز كنيدي عام 2003 وحفل لفريق موسيقي سوري يسمى "بالحوار" في 2004.

ومثل العديد من منظمات الثينك تانكس بواشنطن ينظم المعهد مؤتمرا سنويا يناقش فيه أبرز المحللين المتخصصين في شئون الشرق الأوسط التطورات والتغيرات بالمنطقة. وألقت الخطبة الرئيسية لمؤتمر العام الماضي وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت.

ومن الشخصيات التي شاركت في سلسلة ندوات المعهد العام الماضي كينيث بولاك مدير دراسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنغز ومسئول سابق بالحكومة الأمريكية، وغريغوري غوز أستاذ جامعة فيرمونت ومن كبار الخبراء الأمريكيين في شئون الخليج، وإدريس الجزائري سفير الجزائر لدى واشنطن، وهشام ملحم صحفي ومحلل عربي مرموق وكاتب بجريدة النهار، ورشيد خالدي أستاذ جامعة كولومبيا، ورند الرحيم سفيرة العراق السابقة وغيرهم من رواد صناعة السياسية والعالم الأكاديمي ويرأس قسم الندوات بالمعهد كليتون سويشر مؤلف كتاب "حقيقة كامب ديفيد" ويقدم من خلاله سويشر وصفا وتحليلا للمباحثات الفاشلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 2000.

ويعد هذا الكتاب أول بحث عن هذه المفاوضات بدون إلقاء لوم فشل المباحثات على الجانب الفلسطيني.

مركز السياسة العامة

شهد معهد الشرق الأوسط توسعا ملحوظا عام 1999 عندما أنشأ مركز السياسة العامة الذي يستضيف الباحثين من صناع القرار السابقين والأكاديميين الزائرين. ومن باحثي المعهد في الوقت الحالي مارفن وينباوم خبير في شئون أفغانستان وباكستان ومحلل سابق بوزارة الخارجية الأمريكية، كما يضم محمد إبراهيم خليل أستاذ القانون الدولي والوزير السوداني السابق.

كما يشمل المركز خبراء غير مقيمين بمقر المعهد منهم الدكتور مرهف جوايجاتي رئيس دراسات الشرق الأوسط بجامعة جورج واشنطن، وعصام الخفاجي خبير شئون العراق وسوريا وعضو سابق بمجلس بناء العراق الجديد، وتوماس ليبمان صحفي سابق لجريدة واشنطن بوست ومؤلف كتاب "داخل السراب: العلاقات الأمريكية-السعودية الهشة " والسفيران السابقان ريتشارد باركر ووليام روو.

إدارة المعهد

يرأس المعهد حاليا إدوارد ووكر مدير قسم الشرق الأدنى بوزارة الخارجية في عهد الرئيس كلينتون وسفير الولايات المتحدة سابقا في مصر وإسرائيل والأمارات المتحدة.

ومن المعروف أن السفير السابق كان من أبرز المستشارين لدى مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة.

ونائب رئيس المعهد هو ديفيد ماك سفير الولايات المتحدة لدى الأمارات سابقا، كما عمل كمساعد لوزير الخارجية خلال فترة حرب العراق في أوائل التسعينيات.

ويرأس مجلس إدارة المعهد وايش فاولر وهو عضو سابق بمجلس الشيوخ وسفير الولايات المتحدة لدى المملكة العربية السعودية بالماضي. ويضم المجلس وليام أرنولد مدير الشئون الخارجية لشركة شل، ديفيد بوش مدير مكتب أرامكو بواشنطن، وريتشارد ميرفي سفير الولايات المتحدة لدى السعودية في فترة الثمانينات.

التمويل

للمعهد أكثر من مصدر للتمويل المالي، ويعتمد المعهد على رسوم الاشتراكات ورسوم الالتحاق بفصول اللغة. كما يمول المعهد من خلال أرباح وقف وصلت قيمته لحوالي مليون دولار.

وتشمل قائمة المتبرعين للمعهد العام الماضي شركة شيفرون وأكسون وأرامكو وشل وبوينغ وكوكا كولا والشركة الكويتية للنفط وعددا من الشركات الأمريكية الكبرى.

المصدر : تقرير واشنطن- هشام سلام - العدد 20