داخل مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي   

 

هشام سلام

 

مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي وهي أحد العناصر المؤثرة بقطاع الثينك تانك الواشنطوني. وتتضمن المؤسسة على الكثير من البرامج البحثية عن الشئون الدولية ولعالمية. وتتخصص المؤسسة في المواضيع المتعلقة بدعم السلام العالمي والتعاون بين أعضاء المجتمع الدولي، وذلك كان جوهر الهوية الذاتية للمؤسسة منذ إنشائها.

تاريخ المؤسسة

أنشأت مؤسسة كارنيغي عام 1910 بمنحة من رجل أعمال ذو نفوذ هائلة يسمي أندرو كارنيغي. يرمز هذا الاسم لبعض الأمريكيين إلى مجد التجربة الرأسمالية في المجتمع الأمريكي.

ذلك المجتمع الذي أعطى الفرصة لذلك المهاجر البسيط ليصبح من أثرياء المجتمع الغربي، أما للبعض الآخر فتمثل هذه الشخصية حلقة مؤسفة في تاريخ حركات الاتحادات العمالية بالولايات المتحدة.

فقد كان مصنع كارنيغي للصلب بمدينة هومستيد بولاية بنسلفانيا محل معركة شهيرة بين عمال المصنع المضربين احتجاجا على تدني مرتباتهم، وإدارة المصنع.

وانتهت المعركة بهزيمة العمال الذين فشلوا في تحقيق أهدافهم. وقد زعم بعض المؤرخين أن تلك المعركة كانت من العوامل الأساسية لعجز جهود التنظيمات العمالية بأمريكا في القرن العشرين.

هدفت منحة إقامة مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أصلا لتحقيق ثلاثة طموحات أساسية :  

تطوير القانون الدولي، ودراسة أسباب وأثار الحروب، وتشجيع التعاون والتفاهم بين دول العالم.

وكانت مؤسسة كارنيغي رائدة في توسيع إطار القانون الدولي حيث ألف باحثي المؤسسة دراسات سباقة في هذا المجال خلال الفترة بين الحرب العالمية الأولى والثانية.

وبعد الحرب العالمية الثانية كثفت المؤسسة جهودها لتدريب الكوادر بوزارات الخارجية في الدول الصاعدة الحديثة الاستقلال، كما ركزت المؤسسة على الأبحاث المعنية بالمنظمة العالمية الجديدة في ذلك الوقت أي الأمم المتحدة.

أما عن بداية النشاط البحثي في عالم السياسة الأمريكية، فتلك كانت في عهد الثمانينيات عندما انتشرت ظاهرة الثينك تانك بالمجتمع الواشنطوني.

ومن أشهر الدراسات التي أصدرتها المعهد في تلك الفترة هي "الغربة: الولايات المتحدة و العالم" وناقشت الدراسة علاقة الولايات المتحدة بالعالم الخارجي ومركزها على الساحة الدولية.

وكان عهد التسعينيات هو عهد دراسة دعم الديمقراطية بالعالم نظرا لصعود دول جديدة بالساحة الدولية بعد انهيار الإتحاد السوفيتي.

ونجد أن هذا الموضوع لازال في مقدمة نشاطات المعهد، خصوصا بعد ظهور بالمجتمع السياسي الأمريكي الفكر السائد حاليا الذي يحث على أهمية الإصلاح والتطور الديمقراطي بدول الشرق الأوسط.

إدارة المؤسسة

ترئس المعهد جيسيكا تاكمان ماثيوز، وعملت ماثيوز من قبل كمديرة لمكتب الشئون الدولية بمجلس الأمن القومي خلال رئاسة جيمي كارتر. كما شغلت منصب نائب وكيل وزير الخارجية للشئون الدولية في عهد الرئيس كلينتون.

أما نائب رئيسة المعهد لشئون الدراسات هو جورج بيركوفيتش الخبير في شئون شرق آسيا وإيران وشئون منع الانتشار النووي. وبيركوفيتش هو مستشار سابق لجوزيف بيدن زعيم جبهة الديمقراطيين بلجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية.

ومن مؤلفاته الحديثة كتاب "القنبلة الذرية بالهند: الانعكاسات على الانتشار العالمي للأسلحة". التمويل والإنفاق يعتمد المعهد اعتمادا كبيرا على التبرعات الخارجية لتمويل نشاطه. ولكن بعكس الكثير من الثينك تانكس الأخرى، تعد أرباح المعهد الذاتية (19 مليون دولار أمريكي) مصدر تمويل أساسي لتغطية احتياجاته المالية التي وصلت لأكثر من 20 مليون العام الماضي.

مصادر أرباح المعهد لعام 2004 :

النسبة من إجمالي 19 مليون دولار                            المصدر 

التبرعات                                                         24%  

مبيعات إصدارات المعهد                                        11%

أجرة صالات الاجتماعات                                          1%

أرباح الاستثمارات                                                8%

أجرة المكاتب                                                     54%

مصادر أخرى                                                     2%

مصدر المعلومات:

التقرير السنوي لمعهد كارنغي للسلام الدولي لعام 2004

نرى من الجدول السـابق أن المعهد أستطاع أن يـخفض من اعتمـاده على التبرعات مـن خلال تأجـير مكاتب مبني

المعهد الغير مستعملة علاوة على الاستثمارات المربحة. ولا تستطيع معظم مثل هذه المنظمات تحقيق هذا الهدف.

فمعظم منظمات الثنك تانكس لا يملكون مقرات مكاتبهم. هل هذه علامة استقلال معهد كارنغي من الأجندات السياسية بواشنطن؟

في الحقيقة ليس هناك إجابة واضحة. أما لائحة المتبرعون للمعهد فتضم مختلف المؤسسات وشركات القطاع الخاص ومنهم شركة بوينغ، مجموعة سيتي، وزارة الخارجية الكندية، مؤسسة فورد، شركة جينرال اليكتريك، ومؤسسة روكفيلار.

برامج المؤسسة وأهم باحثوها

يشمل المعهد أربعة برامج بحثية أساسية وهي :

برنامج شئون الصين وببرنامج روسيا، وبرنامج مجموعة الخمسين الذي يدعم التعاون بين خمسين شخصية مرموقة بالقطاعات الخاصة في دول الأمريكتين، إلى جانب مجموعة برامج السياسة الدولية الذي يتكون من برنامج الديمقراطية وحكم القانون، وبرنامج عدم انتشار السلاح، وبرنامج شئون جنوب آسيا، وبرنامج التجارة والتنمية و برنامج دور الولايات المتحدة في العالم.

ومن باحثي المعهد المرموقين روبيرت كيغان وهو يعد من الشخصيات المعروفة بالتفكير المحافظ. ومن أشهر كتابته الحديثة "عن الجنة والقوة" الذي يسلط الضوء على انشقاق سياستي الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة.

كما يعمل ببرنامج جنوب آسيا حسين حقاني الدبلوماسي الباكستاني السابق. وأصدر معهد كارنغي هذا العالم كتاب لحقاني يدعي "باكستان بين الجامع والجيش".

وينتج المعهد مجلة فورين بوليسي Foreign Policy الشهيرة .  وكـما ذكرنا تعد مبيعـات المجلة ووثائـق المعهد

الأخرى مصدر جدير بالاعتبار في عملية تمويل المعهد.

برنامج الديمقراطية وحكم القانون

أما عن برنامج الديمقراطية وحكم القانون فيعتبر هو الجهة الأساسية بالمعهد التي تدير الأبحاث عن العالم العربي. ومعظم هذه الأبحاث تدرس المنطقة من خلال عدسة الإصلاح والتنمية السياسية.

ويدير البرنامج توماس كاروثرز، مستشار سابق لوزارة الخارجية الأمريكية وهو من كبار الباحثين بمجال دعم الديمقراطية.

ومن أسرة البرنامج أيضا مارينا أوتواي، وهي أستاذة سابقة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وهي مؤلفة كتاب "تحدي الديمقراطية: صعود الاستبداد ".

وأنضم إلى البرنامج حديثا ناثان براون أستاذ جامعة جورج واشنطن وخبير في الشئون الفلسطينية وفي القانون والدراسات الدستورية بالعالم العربي.

وقد ركز براون نشاطه لاحقا على عملية كتابة الدستور العراقي. كما يضم البرنامج الباحث المصري عمرو حمراوي الذي شغل مناصب تدريسية بجامعتي القاهرة بمصر وبرلين بألمانيا.

وكتب حمراوي منذ عامين كتاب عن المجتمع المدني بالشرق الأوسط. ومن كتاباته الحديثة دراسة منشورة عن المعهد و تناقش أهمية الحوار مع الجهات الإسلامية المسالمة في إطار مبادرات الإصلاح السياسي بالعالم العربي.

ويصدر البرنامج "نشرة الإصلاح العربي" وتضم المجلة الاليكترونية أهم الأحداث والآراء عن عملية التطور السياسي بأنحاء العالم العربي. وترأس هيئة تحرير المجلة ميشيل دن، أستاذة السياسة في جامعة جامعة جورج تاون، وقد عملت بالماضي في البيت الأبيض ووزارة الخارجية. وتشغل الباحثة اللبنانية جوليا شقير منصب مساعدة رئيس تحرير نشرة الإصلاح العربي.

ونجح البرنامج في لفت انتباه المجتمع الواشنطوني لأراء وقضايا هامة تخصص الحديث عن التحولات الديمقراطية بالشرق الأوسط. وكثيرا ما أصدر برنامج الديمقراطية وحكم القانون دراسات عن ظاهرة الـ : "liberal Autocracy” أو الاستبداد الليبرالي".

ويشير هذا المصطلح إلى محاولة الحكومات العربية لتقديم الإصلاحات المحدودة بدون جلب أي تغيير حقيقي للنظام السياسي، و ذلك- كما يزعم باحثي المؤسسة- يحافظ على مظهر الإصلاح رغم غيابه.

كما تحدثت الدراسات السابقة عن غياب المصداقية لسياسة أمريكا لدعم الديمقراطية بالعالم العربي. ومن المواضيع الملفتة للانتباه التي ناقشتها دراسات المعهد هو موضوع إمكانية مشاركة الإسلاميين بالساحة السياسية بالعالم العربي في حالة وجود انفتاح حقيقي، وكتب عن ذلك لموضوع أستاذ جامعة القاهرة مصطفى السيد كامل الذي عمل بالمعهد في الماضي كباحث زائر.

المصدر : تقرير واشنطن – العدد الثامن عشر 6 آغسطس-آب 2005