منْ يضمن الديمقراطية ؟

 

 

الانظمة الانتخابية (8)

عمليات الاقتراع

الغاية من هذا القسم هي تقديم معلومات حول طائفة من المهمات المرتبطة بالتخطيط لعمليات الاقتراع وتنفيذها:

التحضير للاقتراع، مكاتب الاقتراع، اللوازم والتجهيزات المطلوبة، تعيين وتدريب المأمورين، مراقبة الانتخابات وآليات التقويم. ونجد فيه وصفاً لمختلف الخيارات الممكنة وللطرق التي أثبتت جدواها كما للعوامل التي تضمن أن تتمّ عمليات الاقتراع بصورة اقتصادية وفعّالة. ويحاول ان يجيب هذا القسم عن الأسئلة التالية:

- ما هي العوامل الإدارية التي تؤخذ في الحسبان عند التخطيط لعمليات الاقتراع؟

- ما هي الترتيبات المادية التي ينبغي تأمينها لتمكين جميع الناخبين المقبولين من الاقتراع، بطريقة اقتصادية؟

- ما هي الطرق وإجراءات الاقتراع التي يمكن تطبيقها كي تقدَّم إلى الناخبين خدمة ممتازة بطريقة اقتصادية؟

عمليّات الاقتراع

يمثّل تنظيم عمليات الاقتراع وتنفيذها عملاً مهماً بالنسبة إلى الأجهزة الانتخابية. وعلى مديري الانتخابات أن يؤمّنوا، في فترة زمنية قصيرة، تنسيق المهمّات على الرقعة الجغرافية التابعة لهم مع احترام معايير عالية من النـزاهة والأمن والاحترافيَّة.

لكل استحقاق انتخابي نصيبه من المشاكل التي يقتضي إيـجاد الحلول لها بغية تشجيـع الجمـهور على المشاركـة في

السيرورة الانتخابية وعلى قبول نتائج الاقتراع. ويجب إعداد عمليات الاقتراع تبعاً لوضع البلد الثقافي والجغرافي، ولكفاياته الإدارية وبنيته التحتيَّة.

من المهام الرئيسيَّة

على سيرورة تخطيط وتنفيذ عمليات الاقتراع أن تعالج المسائل التالية:  

- التحضيرات للاقتراع: ما هي أنواع الآليات الأقدر على خدمة عموم الناخبين المقبولين؟ أية ترتيبات يمكن اتّخاذها لتسهيل اقتراع الغائبين، بكلفة قليلة (التصويت بالبريد أو بالتوكيل)، بما في ذلك اقتراع الناخبين الموجودين في الخارج، والمقيمين في المناطق النائية، وذوي العاهات الجسدية وغيرهم من أصحاب الحالات الخاصة؟  

- مكاتب الاقتراع:

أين ينبغي إقامة مكاتب الاقتراع لضمان فاعليتها وسهولة الوصول إليها؟ ما الذي ينبغي التحسّب له من أجل التأكّد بأن هذه المكاتب مزوَّدة التجهيزات واللوازم المطلوبة لخدمة العدد المتوقَّع من الناخبين؟

- اللوازم والتجهيزات: ما هي أنسب اللوازم والتجهيزات، وما هي الكمية اللازمة منها؟ هل ينبغي الاستعانة بالتقانة؟

 - التعيين والتدريب: ما هي التدابير التي يقتضي اتّخاذها في مجال تعيين المستخدمين وتدريبهم؟

وما هو عدد المستخدمين الذين ينبغي تخصيصهم لكل مكتب اقتراع، وماذا يجب أن يكون دورهم؟

 - إعلام الناخبين:

كيف ينبغي نشر المعلومات للوصول إلى جميع الناخبين وحثّهم على ممارسة حقّهم في الاقتراع؟

كيف يمكن الوصول إلى الجماعات التي لا تكون مصادر المعلومات العادية سهلة المنال بالنسبة إليها (الأقليات الإتنية أو اللغوية، النساء، الشبان، المسنّون، المقيمون في المناطق النائية)؟

 - الأنشطة خلال ساعات الاقتراع:

ما هي الطرق والاجراءات العملية التي تتيح، على أفضل وجه، تقديم خدمة ممتازة إلى الناخبين، بكلفة قليلة؟ ويُفهم بالخدمة تنفيذ المهمّات التالية: تأمين الانتقال المنظّم للناخبين داخل مكاتب الاقتراع، التحقّق من قبولهم، تسليمهم بطاقات الاقتراع ولوازمها الضرورية، إرشاد ومساعدة الناخبين الذين يحتاجون إلى ذلك، وضمان سرّية الاقتراع.

- مراقبة الانتخاب:

ما هي أدوار ووظائف مختلف الفرق المكلّفة مراقبة سير الانتخاب (ممثّلو الأحزاب السياسية والمرشَّحين، مراقبون محليّون مستقلّون ومراقبون دوليّون)؟

- تقويم عمليات الاقتراع:

ما هي طرائق التقويم المتواصل التي تسمح حقاً بتحسين إدارة عمليات الاقتراع؟

المبادىء الرئيسيَّة

يجب أن تكون السيرورة الانتخابية مبنيَّة على قواعد مسلكية، وإلاّ غدت عمليات الاقتراع عديمة الفاعلية، أو أسوأ من ذلك، عرضةً للتلاعب والرشوة من قِبل التجمّعات السياسية الحزبية.

وللحفاظ على نزاهة الانتخابات وعلى ثقة الجمهور بنتائجها، لا بدّ من احترام المبادىء التالية:

- سهولة الوصول:

يجب أن تتأمَّن إمكانية التصويت لجميع الأشخاص الذين يتمتّعون بحقّ الاقتراع.

ومن الضروري أن تُقام مكاتب الاقتراع في أماكن يمكن أن يقصدها الناخبون بسهولة وحريّة، وأن تُلحظ منشآت خاصة للناخبين الذين لا يستطيعون الذهاب إلى مكتب الاقتراع يوم الانتخاب، وأن تصمَّم وثائق إرشادية واضحة للأشخاص قليلي التعلّم أو المنتمين إلى جماعة لغوية أخرى، وأخيراً، أن تقدّم المساعدة للناخبين ذوي الإعاقة الجسدية.

فهذه شروط لازمة لضمان سهولة الوصول إلى جميع عمليات الاقتراع.

- العدالة:

يجب أن يحظى جميع الناخبين المقبولين والمشاركين السياسيين بفرص متساوية.

وإن مبدأ العدالة يفرض تطبيق قواعد وإجراءات واضحة، مقبولة بوجه العموم، متناسقة، وخاضعة للمراجعة والتعديل.

- الأمن:

يجب أن يكون جميع الناخبين المقبولين قادرين على التصويت والتعبير عن خيارهم الحرّ دون أن يخشوا مظاهر الترهيب أو العنف. وينبغي أن يتمتَّع السياسيون بالضمانات نفسها كي يتمكّنوا من القيام بحملتهم بحريّة تامة.

ومن المهم أيضاً ضمان صحَّة نتائج الانتخاب. فثمة ما يدعو إلى اتّخاذ التدابير الضرورية لاتّقاء السرقة، والإتلاف غير المباح، وتحريف الوثائق الانتخابية أو التلاعب بالأنظمة الانتخابية والاجراءات، وإضافة معلومات أو بطاقات وهميَّة وعمليات التزوير.

- الشفافيَّة:

تعزّز الشفافيّة ثقة الناخبين بنـزاهة عمليات الاقتراع. لذا، ينبغي أن تكون كل الوثائق والقرارات القانونية والسياسية والإدارية المتعلّقة بعمليات الاقتراع في متناول الجمهور، وقابلة للمراجعة ولتفحّص مستقلّ.

ومن الضروري أيضاً الاعتراف بالدور الخاص لممثّلي الأحزاب السياسية والمراقبين المستقلّين، والسماح لهم بمراقبة عمليات الاقتراع وطرحها على بساط البحث.

- الاحترافيّة والخدمة العامة:

يتعيّن على موظفي مكاتب الاقتراع تأدية مهامهم بطريقة احترافيَّة.

يجب أن يعالجوا الوثائق بعناية، وأن يتصرّفوا بحياد ولباقة، وأن يكونوا مطّلعين على حقوق الناخبين والمشاركين في الانتخابات، ومتفهّمين لحاجات الأقليات أو الفئات المحرومة من الناخبين. عليهم أن يتّخذوا قرارات، وأن يستخدموا الموارد بطريقة فعَّالة، وأن يتَّخذوا التدابير اللازمة لضمان سلامة الاقتراع وسرّيته.  

- تحديد المسؤوليات:

من المهم تحديد إطار المسؤولية بالنسبة إلى عمليات الاقتراع.

ويجب أن يشمل هذا الإطار جميع مراتب الجهاز الانتخابي، من المدير حتى صغار المأمورين. لأجل ذلك، لا بدّ أولاً من تحديد مسؤوليات ومهمّات كلّ فرد، ومن ثمَّ وضع آلية رقابيَّة فعَّالة.

إضافةً إلى ذلك، من المهم أن تُلحظ مسارات لتدقيق كلّ القرارات والتدابير المتَّخذة، وأن يتمّ الإبقاء على وظيفة تدقيقية دائمة وإخضاع عمليات الاقتراع لمعاينات دورية مستقلَّة وعلنيَّة.

 - سرّية الاقتراع:

يجب أن تكون سرّية الاقتراع مضمونة لكي تتأمَّن للناخبين إمكانية اختيار ممثّليهم بحرّية، دون أن يجنوا من ذلك منافع غير مشروعة ولا أن يخشوا اجراءات انتقاميَّة.

إنَّ تنظيم مكتب الاقتراع عنصر مهمّ لضمان السرّية (عدد وترتيب المعازل ومكان صندوق الاقتراع). كما تؤخذ في الحسبان العوامل التالية:

شكل بطاقة الاقتراع، الاجراءات الواجب اتّباعها لمساعدة الناخبين، وأخيراً، دور الموظفين ومندوبي الأحزاب والمرشَّحين، وكذلك بقيَّة الأشخاص المأذون لهم (رجال الأمن) الوجود في مكاتب الاقتراع.

يجب أن يؤخَذ ضمان سرّية الاقتراع في الحسبان عند تصميم بطاقات الاقتراع المعدَّة لأنواع خاصة من الاقتراع، كالتصويت بالبريد أو بالتوكيل.

كما ينبغي أن يؤخذ ذلك في الحسبان لدى البتّ إذا كان الفرز سيتمّ في مكاتب الاقتراع أو في مراكز خاصة بذلك.

- قابليَّة الاستمرار:

قبل تحديد أيَّة خدمات، وأيَّة طرائق وأنظمة اقتراع هي الأنسب لظروف البلد، يتعيَّن على مديري الانتخابات التقدير إذا كان بإمكانهم الاستمرار في تقديم هذه الخدمات إلى الناخبين، مع الحفاظ على النوعية أو تحسينها. وتزداد ضرورة هذه المسألة حين تكون عمليات الاقتراع مستفيدة من تمويل دولي لاستحقاق انتخابي معيَّن.

لا شكّ في أن الجانب المالي للسيرورة الانتخابية هو عنصر مهمّ جداً، لكنه ليس العنصر الوحيد الذي ينبغي أن يؤخَذ في الحسبان لتقدير قابليّة الاستمرار. فلا بدّ أيضاً من أن يتساءل مديرو الانتخابات عمّا إذا كانت ستتوافر لهم الكفايات اللازمة للحفاظ على أنظمة الاقتراع وتجهيزاتها، وإذا كانوا سيعتمدون على مورّدين وعلى دعم تقني من الخارج.

فعمليات الاقتراع لا تكون قابلة للاستمرار إلاَّ إذا كانت متكيِّفة مع وضع البلد.

- حالة الاستعداد: تتطلَّب عمليات الاقتراع تعبئة موارد كبيرة واستخدام مجموعة واسعة من الطرائق العاجلة، مع مهل قصوى لا تتغيَّر عموماً. لذا، ينبغي على مديري الانتخابات أن يخطّطوا بطريقة احترافية جميع مراحل عمليات الاقتراع، وأن يتأكّدوا من أن القرطاسية والخدمات ستسلَّم لهم وفق روزنامة دقيقة جداً.

فالتحضير السيئ - قلّة الموظفين أو التدريب، وضعف أو سوء نوعيَّة اللوازم والتجهيزات، وسوء اختيار أماكن مكاتب الاقتراع، وعدم التحقّق من أداء أنظمة الاتصال والتجهيزات الإلكترونية، وعدم التخطيط اللوجستي - قد يهدّد صحّة الانتخابات.

- الفاعلية الاقتصادية:

قد يبدو مبدأ الفاعلية الاقتصادية متعارضاً مع المبادىء المذكورة أعلاه.

غير أنه يضاهيها أهميةً لسببين:

أولاً، من المفروض أن تروم إدارة عمليات الاقتراع تقديم أكثر الخدمات الممكنة تبعاً للموارد المالية المتاحة؛ على أن استخدام الموارد غير الفعَّال لبلوغ بعض الأهداف يقلِّل من فرص تحقيق أهداف أخرى؛

ثانياً ، إذا رأت الحكومة أو الجمهور الواسع أن الموارد مستخدمة بطريقة غيـر فعـَّالة أو غير مجدية ، فإنَّ صوابيَّة

الأهداف المذكورة أعلاه قد تصبح مطروحة للبحث.  

عمليات الاقتراع:

الاعتبارات الإدارية والمالية

نظام مركزي أو لامركزي

الاعتبارات الإدارية

- اجراءات موحَّدة أو خبرة ومسؤولية على المستوى المحلي.

- مراقبة صارمة مع بعض "الاحتقانات" أو مخاطر التنافر.

الاعتبارات المالية  

- وفورات في الحجم أو منافسة للحصول على أقلّ كلفة للصوت الواحد.

- القدرة على المراقبة أو نفقات على المستوى المحلي.

التخطيط الدوري أو التخطيط في آخر لحظة .

الاعتبارات الإدارية

- وقت لتقويم "أفضل الممارسات" أو قرارات متّخذة تحت الضغط.

- التحقّق من الموارد الموجودة أو تعبئة سريعة للموارد.

الاعتبارات المالية

- مقارنة الأسعار أو تموين من دون مناقشة الأسعار.

- مشتريات تدريجية أو نفقات مركَّزة في سنة واحدة.

- خفض التكاليف نتيجة إعادة الاستعمال أو تكاليف الصيانة والتخزين.  

الاعتبارات المالية والإدارية  

ينبغي أن يجري تقويم مسبق لمختلف الخيارات في شأن عمليات الاقتراع، وأن يمهَّد لتنفيذها بتخطيط جيد.

فالتخطيـط الطويل الأمـد للدورة الانـتخابية يسهّل تنفيذها كمـا يسهـّل الاستخدام الاقتصادي للموارد . إنَّ اعتماد بنىً

إدارية كفيلة برفع مستوى الجودة والترابط، عبر تطبيق رقابة صارمة وزيادة ملاءمة القرارات العملانيَّة، يسمح بتحسين نوعية الخدمات.

إنَّ الفاعلية الاقتصادية الاجمالية لعمليات الاقتراع متناسبة مع فاعلية مكاتب الاقتراع.

والأنشطة التالية مهمّة جداً:

تصميم اللوازم الانتخابية وإنتاجها وتوزيعها؛ وتحديد عدد مكاتب الاقتراع وطاقتها وموقعها؛ وتخصيص المستخدمين اللازمين لكل مكتب؛ واعتماد الاجراءات العملانية وتنظيم مكاتب الاقتراع على النحو الذي يخدم الناخبين بأكبر فاعلية ممكنة؛ وضمان نزاهة الاقتراع وأمنه.

إنَّ تخصيص العدد الكافي والمدرَّب من المستخدمين لجميع مكاتب الاقتراع عند إجراء انتخابات وطنية هو أحد أكبر مشاريع إدارة المستخدمين الذي يمكن أن يقوم به بلدٌ ما.

ولتقليل النفقات، عليه أن يحدّد ماهية الخدمات الضرورية لتلبية حاجات الناخبين، إضافةً إلى عدد المستخدمين اللازمين لتأمين فاعلية هذه الخدمات.

فالتحديد الدقيق للمناصب والوظائف يمكن أن يساعد إلى حدّ كبير على تأمين الفاعلية الاقتصادية لعمليات الاقتراع.

وفي بعض الحالات، قد يكون من المفيد استدعاء موظفين أكفياء ذوي خبرة في هذا العمل. فالاستثمار في تدريب المستخدمين والإشراف عليهم أمر جدير بالاهتمام، على الرغم من النفقات التي يسبّبها، لأنّ ذلك يتيح زيادة دقة الخدمة ونزاهتها ونوعيتها.  

إنَّ تقديم خدمة فعّالة وعالية الجودة في مكاتب الاقتراع يحدّ من خطر الأخطاء التي قد يرتكبها المستخدمون ويبرز نزاهة الانتخاب.

وعلى الرغم من تنوّع البنى الإدارية، هناك بعض الحلول المشتركة في ما يتعلَّق بمكاتب الاقتراع وتنظيمها ودور المستخدمين من أجل تسهيل انتقال الناخبين المنظَّم، وزيادة الدقة والسريّة في استخدام اللوازم الانتخابية، ومساعدة الناخبين ذوي الحاجات الخاصة.

إنَّ ضمان نزاهة الانتخاب باتّقاء عمليات التزوير وبتمكين الناخبين من التصويت دون أن يخشوا الاجراءات الترهيبية أو العنف، أمرٌ قد يولّد نفقات كبيرة. ولا بدّ من تحليل مخاطر العنف والتزوير بدقّة من أجل اختيار التدابير الأمنية الأنجع والأكثر تلاؤماً مع وضع البلد.  

إنَّ حملات إرشاد الناخبين التي تستعين بالموارد الأهلية القائمة - بدلاً من أن تمثّل ذريعة لتظاهرة مكلفة على صعيد تقانة المرئي والمسموع - هي وسيلة ممتازة لتشجيع المشاركة. فكلّما ارتفعت نسبة المشاركة تأكّدت شرعيةالانتخابات.

المصدر : ايس - اعداد واستعراض عفاف الصادق