منْ يضمن الديمقراطية ؟

 

 

الانظمة الانتخابية (7)

الأحزاب السياسية والمرشّحون 

يتطرَّق هذا القسم إلى القواعد القانونية المتعلّقة بتسجيل الأحزاب السياسية ونشاطها، وبتقديم طلبات الترشُّح وتمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية كما بالمشاكل المرتبطة بتطبيق هذه القواعد.

ونحلِّل فيه أيضاً خطر التضارب بين بعض المبادىء المتعارضة المتعلّقة بتنظيم أمور الأحزاب السياسية والمرشَّحين، ثم نقترح على المشرّعين خيارات وحلولاً عدّة.

وفي ما يخصّ المتطلّبات الإدارية المرتبطة بإدارة أمور الأحزاب السياسية والمرشَّحين، كما بالتكاليف المتعلّقة بذلك، يجيب هذا القسم عن الأسئلة التالية:

- كيف ينبغي تنظيم تمويل الحملات الانتخابية ومراقبتها؟

- كيف يمكن ضمان حياد الحكومة في أثناء الانتخابات، إضافةً إلى تكافؤ الفرص في وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة؟

- ما هي حسنات وسيّئات الشرع المسلكية الموضوعة للأحزاب السياسية ووسائل الإعلام؟  

الأحزاب السياسية والمرشَّحون

تؤدي الأحزاب السياسية بلا شك دوراً رئيسياً في الانتخابات والديمقراطيات الحديثة. لذا، من المهمّ جداً تنظيم أمور الأحزاب والمرشَّحين، نظراً إلى أنه غالباً - وإن لم يكن دائماً - ما يكون هؤلاء معيَّنين من قِبل الأحزاب.

يتناول هذا القسم الأنظمة المتعلّقة بتسجيل الأحزاب السياسية ونشاطها، وطلبات الترشُّح وتمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية كما بالمشاكل المرتبطة بتطبيق هذه الأنظمة.  

المبادىء الرئيسية

يخضع تنظيم أمور الأحزاب السياسية والمرشَّحين للمبادىء الأساسية التالية:

 - تكافؤ الفرص: يجب أن تعامَل الأحزاب السياسية والمرشَّحون بطريقة عادلة

- حرية التعبير:

يجب أن يكون المواطنون والسياسيون أحراراً في التعبير عن آرائهم.

- اتّقاء التزوير والممارسات غير المشروعة:فالممارسات غير المشروعة والرشوة تنسف السيرورة الديمقراطية وينبغي اتّقاؤها.

- المشاركة في الحياة السياسية: ينبغي تشجيع جميع المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية، أو أن يكون لهم، على أيّ حال، حقّ المشاركة فيها، سواء قرّروا ممارسة هذا الحقّ أو عدم ممارسته.

- الديمقراطية داخل الأحزاب: يجب أن تمارس الأحزاب السياسية أنشطتها بصورة ديمقراطية، وأن تمنح أعضاءها صلاحيات عادلة بالنسبة إلى القادة.

- الشفافيَّة:

يجب أن تكون ماليّة الأحزاب السياسية والمرشَّحين، وكذلك سائر أنشطة الأحزاب علنيةً، وإلاّ لاح خطر تشجيع الممارسات غير المشروعة.

- تحمّل المسؤولية: ثمة ما يدعو إلى ااعتماد طريقة تتيح التحقّق مما إذا كانت الأحزاب والمرشَّحون يتقيّدون بالأصول التي ترعى تنظيم الأحزاب والانتخابات.

- الروادع والمكابح:

على النظام السياسي أن يشجّع التعدّدية داخله بحيث يحضّ الأحزاب على فضح التجاوزات التي يرتكبها حزب منافس أو يحضّ الصحافة على مراقبة السياسيّين.

تحتلّ هذه المبادىء تفسيرات عدة، وقد تكون متعارضة حتى. فعلى سبيل المثال:

هل تعني كلمة "عدالة" أنه ينبغي تخصيص مدة بثّ متساوية لجميع الأحزاب، دون أن تؤخَذ في الحسبان أهمية كل منها؟

هل من "العدل" أن تُمنح الأحزاب الجديدة مدة بثّ أطول، لكونها تحتاج إلى وقت أكبر من ذاك الذي تحتاج إليه الأحزاب القائمة لإطلاع الرأي العام على سياساتها؟

أم أنه ينبغي منح وقت أطول للأحزاب التي حصدت أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات السابقة؟

يحدث أحياناً أن يتعارض مبدآن فيما بينهما، كالعدالة وحريَّة التعبير مثلاً، فالمقصود بحريَّة التعبير حرية تنظيم اجتماعات علنيّة، وإلقاء الخطب، وتوزيع المنشورات والدعاية.

والحال أن هذه التظاهرات تولّد نفقات، الأمر الذي يعني أن الأحزاب والمرشَّحين الأوفر مالاً هم الذين سينجحون في الوصول إلى الناخبين بفاعلية أكبر. وعليه، يمكن التأكيد أن المرشَّحين الأغنى يتمتّعون بتفوّق جائر.

ولإزالة هذا الجور أو الحدّ منه، اعتمدت معظم البلدان نظاماً يرمي إلى تقليص دور المال في الانتخابات.

ففرض بعضها سقفاً للمساهمات الشخصية (تلك هي بخاصة حال الولايات المتحدة بالنسبة إلى الانتخابات للمناصب الفدرالية)؛ وقد فرضت فرنسا وكندا سقفاً للنفقات التي يمكن أن يصرفها حزب أو مرشَّح.

إنَّ هذه الحدود التي تخضع لها المساهمات المالية ونفقات الأحزاب والمرشحين تهدف إلى منح جميع المشاركين فرصاً متساوية.

ولكن، ينتج منها تقييد حرية التعبير. لذا، يتعيَّن على المشرّعين أن ينجحوا في الموازنة بين هذين المبدأين المشروعين، إنما المتناقضين.  

تسجيل الأحزاب والمرشَّحين

في إطار تطبيق النظام في شأن تسجيل الأحزاب والمرشَّحين، ينبغي على الأجهزة الانتخابية أن تضطلع بالمسؤوليات التالية:

- وضع الشروط المتعلّقة بتسجيل الأحزاب والمرشَّحين.

- إعداد طرق هادفة إلى منع طلبات الترشُّح العابثة (توقيعات وكفالات).

- وضع التدابير أو الشروط الرامية إلى حثّ الأحزاب السياسية على ترشيح عدد أدنى من النساء لمناصب عامة.

- تحديد ما إذا كان يجوز لمجرمين الترشّح لمناصب عامة.

الأنظمة والإعانات المتعلّقة بالتمويل السياسي

ثمة عمل آخر مهم تقوم به الأجهزة الانتخابية، وهو تحديد الأنظمة والإعانات التي تطبَّق على تمويل الأحزاب السياسية والمرشَّحين والحملات الانتخابية.

ويمكن أن تتضمَّن هذه المهمَّة العناصر التالية:

- حدود النفقات:

الحدود الممكن تطبيقها على المرشَّحين فقط، أو أيضاً على الحملات المنظَّمة من قِبل الأحزاب الوطنية.

- حدود المساهمات: القيود على المبالغ المالية التي يمكن أن يدفعها أفراد أو شركات لحزب أو مرشَّح.

- النظام المتعلّق بالإفصاح: ويستهدف هذا النظام عادةً المساهمات التي تتجاوز عتبة محدّدة سلفاً.

- منع بعض المساهمات: حظر المساهمات الآتية مثلاً من شركات، ونقابات، ومموّني الحكومة، ومن واهبين مُغفلين أو مقيمين أجانب.

- منع بعض النفقات:

مثل منع الأحزاب والمرشَّحين من شراء مدة بثّ على محطات التلفزيون أو الإذاعة ومنع شراء الأصوات.

- الإعانات الحكومية المباشرة: إعانات تُستخدم فقط لتغطية النفقات الانتخابية أو النفقات الجارية لمنظمات حزبية.

- الإعانات الحكومية غير المباشرة: مثلاً، الإعانات المدفوعة لصحف حزبية؛ تخصيص أوقات بثّ مجانية؛

الإعانات المدفوعة لكتل حزبية داخل السلطة التشريعية؛ الإعانات المدفوعة لمؤسسات حزبية؛ خفض الضرائب؛

تسليـفات ضريبية وإعانات مقابلـة ؛ رسوم مجباة من قِبل الأحـزاب ( نسبة ثابتـة من الدخل يُلـزَم النواب أو غيرهم من أصحاب المناصب العامة بدفعها إلى أحزابهم).

صعوبات تطبيق الأنظمة

حتى حين تسعى الأنظمة إلى هدف واضح وبسيط، فليس من السهل دائماً تحقيق هذا الهدف بواسطة التشريع.

فحيَل التملّص والممارسات غير المشروعة هما عقبتان مهمَّتان.

حين يفرض القانون حدوداً للنفقات الدعائية لحزب أو مرشَّح، فلا بدّ من أن يحدَّد حينئذٍ بوضوح ما هو المقصود بـ "النفقات الدعائية"، وأن يُقام تمييز واضح بين العناصر المحسوبة كنفقات دعائية وتلك التي لا تُحسب كذلك.

فالأحزاب السياسية والمرشَّحون والواهبون ينجحون أحياناً في التملُّص من موجبات القانون بالإفادة من الفراغات التشريعية.

على سبيل المثال، يمكنهم تمرير بعض المساهمات كخدمات تجارية وإنشاء "مؤسسات حزبية"

- كيانات مستقلَّة رسمياً عن المؤسسة الأم، لكنها في الحقيقة مرتبطة بها.  

يحدث أحياناً أن بعض الواهبين لا يكترثون حتى لطرائق التملّص من القانون.

فانطلاقاً من ثقتهم بالإفلات من أية ملاحقة، يقدّمون هبات غير مشروعة إلى سياسيّين، وهؤلاء يقبلونها. في بعض الحالات القصوى، اشتُبه بضلوع بعض السياسيّين مع منظمات إجراميّة.

ودور المال الآتي من تجارة المخدرات وسط الطبقة السياسية في كولومبيا هو مثل واضح على ذلك. وثمة فضائح أخرى عن تمويل سياسي غير شريف أُثيرت في بلجيكا (قضية كلاس) والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا (قضية فليك)، والهند، وإيطاليا، واليابان، واسبانيا والولايات المتحدة.  

موضوعات أخرى مطروقة

يتناول هذا القسم أيضاً الموضوعات التالية:

- تكوين الأحزاب السياسية والانتخابات.

- دور الأحزاب السياسية.

- الانهيار الواضح للأحزاب السياسية.

- المصادر الأساسية لتمويل الأحزاب والمرشَّحين.

- انتشار التمويل الحكومي للأحزاب السياسية والانتخابات، وحسنات التمويل الحكومي وسيّئاته.

- المشاكل الناجمة عن استخدام الأموال الحكومية والموارد العامة لتمويل حملات الأحزاب.

- المشاكل العملية المرتبطة بتخصيص أوقات بثّ مجانية أو مدعومة مالياً للأحزاب والمرشَّحين.

- الطرق المختلفة لتنظيم أمور الأحزاب والمرشَّحين، مثل "النموذج القضائي" أو "النموذج البيروقراطي".

- دور الأحزاب السياسية في تنظيم وإدارة الانتخابات (من جهة، يبدو أن كون الأحزاب هي المعني الأساسي بالانتخابات من شأنه استبعادها عن المشاركة في إدارتها. ومن جهة أخرى، تستطيع الأحزاب الاضطلاع ببعض المهام كتثقيف الناخبين ومراقبة مكاتب الاقتراع. إنَّ مشاركة الأحزاب في السيرورة الانتخابية ممكنة التبرير إلى حدّ كبير).

- صوابيَّة الشرع المسلكية الموضوعة للأحزاب السياسية.

- تطبيق القوانين المتعلّقة بالأحزاب والمرشَّحين وبتمويل الأحزاب السياسية : 

ما هي العقوبات التي ينبغي فرضها؟

وما الفائدة من فرض عقوبات قاسية (السجن أو فقدان حقّ المشاركة في الانتخابات) وعقوبات أكثر تساهلاً، كالغرامات مثلاً؟  

الاعتبارات المالية والإدارية

بين القرارات والقواعد المتعلّقة بالانتخابات، لا شك في أن تلك التي تخصّ الأحزاب والمرشَّحين هي الأكثر اتّساماً بالطابع السياسي. وإنَّ الرغبة في تأمين تكافؤ الفرص لجميع المشاركين تحفّز على التمويل من الخزينة العامة.

بيد أن ضرورة اتّقاء الممارسات غير المشروعة للأحزاب السياسية يمكن أن تدفع الحكومة إلى فرض تدابير صارمة للإفصاح عن النفقات أو المساهمات أو لتحديد سقف لها.

إنَّ هذه التدابير السليمة القصد تفرض عبئاً مالياً وإدارياً ثقيلاً؛ وإذا كانت الموارد غير كافية، فقد تأتي النتيجة نقيض الهدف المقصود.

في بعض البلدان، يمثّل تمويل الأحزاب السياسية أكبر إنفاق مرتبط بالانتخابات.

وإنَّ تنفيذ الأنظمة المتعلّقة بالتمويل ومراقبة تطبيقها ينطويان على عبء إداري ثقيل.

المصدر : ايس - اعداد واستعراض عفاف الصادق