خمس طرق لاستعادة العراق

 

 

كينيث م. بولاك 

 

العراق لا يشبه أفغانستان، بالرغم مما قاله الرئيس بوش في خطابه نهار الثلاثاء، لا تكمن مشكلتنا الأساسية مع العراق في الإرهاب، وقد يساعد تركيز الإدارة على الإرهاب دون سواه في شرح سبب عدم اعتماد استراتيجية حقيقية مضادة للعصيان حتى الآن، وعدم معالجة المشاكل المتعدّدة الأخرى في البلد بشكل صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، تعتبر انتقادات الرئيس التي توازي العراق بفيتنام خاطئة كذلك، فالعراق أهمّ بكثير، إذ إنه بلد حساس تجاه المصالح الأمريكية بسبب ثروة النفط ومركزه الجغرافي في المنطقة الأكثر ضعفاً سياسياً في العالم، وأهميته بالنسبة إلى البلدان العربية الأخرى التي تتساءل إن كان بالإمكان تطبيق الديمقراطية لديه أيضاً، بينما لم تكن فيتنام أبداً شيئاً من هذا.

غير أنّ العراق يشبه فيتنام من ناحية واحدة فقط، وهي طريقة تعامل الولايات المتحدة معه، فخسارتنا في فيتنام تعزى إلى مجموعة معقّدة من الأسباب، ولكن يبقى أهمّها رفضنا اللجوء إلى استراتيجية فعّالة مضادة للعصيان.

فقد ركّزنا على مطاردة عصابات الفييتكونغ أكثر مما ركزنا على حماية الشعب الفيتنامي، مما حال دون نموّ الاقتصاد في جنوب فيتنام ومنح الشعب حافزاً اقتصادياً لدعم جهتنا من الحرب.

كما أنّنا تحمّلنا مجموعة من القادة الفاسدين غير المستقرّين في جنوبي فيتنام، وهم لم يبذلوا أيّ جهد في التواصل مع الشعب، وأمضوا الوقت في النزاع على السلطة والكسب غير المشروع، غير أنّ العراق قد لا يلقى المصير ذاته، فرئيس الوزراء ابراهيم جعفري وحكومته يتمتّعان بشعبية وحسن نيّة أكبر منهما بكثير لدى رئيس فيتنام نغو دين دييم وزملائه السارقين.

وبما أنّ المتمرّدين العراقيين يتمتّعون بتفجير المدنيين العراقيين بقدر المواكب الأمريكية، فهم لا يتمتّعون بالجاذبية الكبيرة للفييتكونغ (بغضّ النظر عن درجة تسلّح جيش فيتنام الشمالية).

لذا من المؤسف أنّنا نهدر هذه الميزات بمعاودة ارتكاب العديد من أخطائنا منذ 40 سنة، وبذلك ندفع الشعب العراقي إلى الكراهية ونزيد من مخاطر حصول الشغب ونشوب حرب أهلية.

لذا، كيف يمكننا إنقاذ إعادة إعمار العراق؟ نعود لنتعلّم من تجربة فيتنام، بالإضافة إلى أيرلندا الشمالية وحروب عصابات أخرى، ونجد على الأقلّ خمسة دروس محدّدة ينبغي تكييفها لتناسب القضية الحالية:

التفكير بالسلامة أولاً:

تكمن النقطة الأساسية في عمليات محاربة العصيان في اعتبار ضمان سلامة الشعب ومنحه حوافز اقتصادية وسياسية لمعارضة العصيان أهمّ من محاربة المتمرّدين بذاتهم.

فمن دون الدعم الشعبي يتلاشى العصيان من تلقاء نفسه، لذا يكمن التغيير الأول في تخفيض التركيز على مطاردة المتمردين حول المثلث السني، واستبدالها بتعليق أهمية أكبر على حماية العراقيين الذين يعيشون يومهم.

تأمين القوة البشرية الكافية للمهمة:

تكمن العوامل التي سوف تعزز الدعم لإعادة الإعمار أو تخفضه في الشوارع الآمنة وتأمين الأعمال والمياه النظيفة والكهرباء المضمونة والبنزين الكافي، بالإضافة إلى تأمين مواد أساسية أخرى.

وسيستلزم تحقيق هذه الأهداف أكثر من 155 ألف جندي في البلد، وقد حان الوقت لتتجاوب إدارة بوش مع هذا الواقع، إن كان من خلال نشر قوى إضافية أو تأمين الحاجات أو تشجيع التوظيف من خلال رفع الأجور والفوائد (وربما أيضاً تأمين مبدأ ليصدّقه الشعب الأمريكي).

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نتذكّر الدروس التي تعلّمها المارينز وجماعة “القبعات الخضر” في فيتنام، والبريطانيون في إيرلندا الشمالية.

ينبغي أن ينزل الجنود الأمريكيون على الأرض فعلياً، ويقوموا بالدوريات سيراً على الأقدام مع العراقيين، لإعادة الطمأنينينة إلى المدنيين. هذه هي الطريقة الوحيدة لخلق “مساحة” آمنة لإعادة إحياء الاقتصاد والمجتمع.

جعلهم يتعلّمون:

عندما تولى القائد دايفيد بتروس تدريب قوى الأمن العراقية السنة الماضية، قال لي:

إنّ الأمر سيستلزم ثلاثاً إلى خمس سنوات قبل أن يتمكنوا من استلام مهام الجنود الأمريكيين، وهو لا يزال على حقّ.

وقد دفعنا للأسف الوحدات العراقية إلى الجبهة قبل أن تصبح مستعدة، لمحاولة ملء الفراغ الحاصل بين جنودنا.

لا تحتاج هذه الوحدات العراقية الى وقت للتدريب بقدر ما تحتاج الى وقت، وربما سنوات، لتطوير علاقات قيادية وتماسك الوحدة وحسّ التزام في المجتمع.

ويكمن السبب الآخر في جعل القوات الأمريكية تنتشر ضمن تشكيلات مشتركة مع العراقيين في المناطق المأهولة التي تدعم إعادة الإعمار في أنّ هذا الأمر سيخلق مناطق آمنة يمكن أن يكسب فيها العراقيون حديثو التدريب خبرة قبل إرسالهم إلى الأرض المحرمة داخل المثلث السني.

وهنا أيضاً يقودنا التاريخ: فبينما تدّعي الحكمة التقليدية أنّ الفرق الفيتنامية الجنوبية لا قيمة لها فعلياً، أثبتت وحدات متعددة حاربت مع القوات الأمريكية فعاليتها الكبيرة.

ربما تكون القصة الأقلّ تداولاً في العراق اليوم هي سرقة عائدات النفط، فبفضل السعر المرتفع للنفط الخام، ينبغي أن تتخطى عائدات العراق من بيعه 20 مليار دولار هذه السنة، ولكن يبدو أنّ لا شيء تقريباً من هذا المال يخصص لمشاريع إعادة إعمار حقيقية.

وقد أبلغني مؤخراً مسؤول عراقي كبير أنّ سرقة عائدات النفط اليوم تجعل حكم صدام حسين يبدو مقتصداً بالمقارنة مع غيره.

إنّ الأسلوب الذي اعتمدناه في العراق حتى الآن لا يعطي نتيجة حقاً، وقد يفشل بالكامل، وغالبية التغييرات التي قدمتها الجهتان في القطاع السياسي حتى اليوم لم تدعم الاستراتيجية الحالية بحقّ.

ولكننا إن كنا سننجح في تحقيق استقرار العراق ومحاربة العصيان، فإنه يتوجّب علينا التحوّل جذرياً إلى استراتيجية تقليدية مضادة للعصيان، بالرغم مما قد يعنيه ذلك من ألم سياسي.

بغضّ النظر عن رأي المرء في الغزو، من مصلحتنا الخاصة أن ننجح في العراق، من دون ذكر العالم العربي. وبغية النجاح، سيتوجب علينا تطبيق بعض الدروس التي تعلمناها من التاريخ المرّ .

وكل ذلك حسب تصوركينيث م. بولاك .

* مدير البحوث في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في مؤسسة بروكينغز.

والمقال خاص ل”الخليج” من خدمة “نيويورك تايمز”

المصدر : الخليج الاماراتية 17-7-2005