مستقبل الاصـلاح ...الولايات المتحدة بين الدفاع والهجوم

 

 

الدراسة اعدتها مؤسسة (راند) وتتألف من مجموعة من التقارير كتبها مختصون تتناول التوجهات الامنية الاخذة في البروز والتي سوف تشكل منطقة الخليج على مدى السنين القادمة .

وهي تبحث في المواضيع التي ستؤثر في  :

الامن الاقليمي ، وهذا يشمل التوقعات المستقبلية في مجالات الاصلاح الاقتصادي والسياسي ، العلاقات المدنية - السياسية ، تبدل الانظمة ، امن الطاقة ، انتشار تقنيات المعلومات الجديدة ، انتشار اسلحة الدمار الشامل .

كما تستعرض الدراسة التحديات المحتملة لمصالح الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي خلال العقد القادم مع التركيز بشكل اساسي :

على القوة العسكرية التقليدية لدى كل من ايران والعراق ، امكانيات الدمار مستقبلا ، نقاط الضعف الاجتماعي والاقتصادي في بلدان المنطقة .

سياسات روسيا والصين إذا ما تحولت روسيا والصين إلى مواقف أكثر عداء تجاه الولايات المتحدة خلال العقد القادم ، وإذا ما تعاظمت تطلعات مصالحهما في الشرق الأوسط حتى بلغت حدوداً تتجاوز مستوياتها المحدودة الحالية ، فإن ذلك سوف يؤثر على التوازن الأمني في المنطقة .

ذلك أن روسيا والصين قد تعينان إيران ، أو دولاً أخرى معادية للولايات المتحدة ، من أجل موازنة الهيمنة الأميركية في المنطقة أو لمجرد زيادة مد نفوذهما في منطقة بالغة الحساسية .

والدور الروسي حالياً أكثر أهمية من الدور الصيني بالنظر للروابط التاريخية التي تجمع روسيا بالعديد من الأنظمة علاوة على ما تتمتع به من تفوق في التكنولوجيا العسكرية .

ولكن مع حلول نهاية العقد قد يجعل تنامي قوة الصين الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية من بيجنغ اللاعب الخارجي الأكبر من بين الاثنين .

وإذا ما زادت روسيا والصين من نشاطهما في المنطقة فإن ذلك قد يعقّد إلى حد كبير من سياسة الولايات المتحدة وعملياتها العسكرية بالطرق الآتية :

" في وسع روسيا والصين موازنة تأثير الولايات المتحدة في عملية إحلال السلام بين إسرائيل وجيرانها .

إذ أن روسيا والصين كلتاهما قادرتان على اعتراض سبيل مساعي الوساطة الدولية وتوفير الدعم العسكري والسياسي للدول الرافضة والفصائل الفلسطينية .

"بمقدور روسيا والصين أيضاً أن توازنا محاولات عزل إيران وليبيا وغيرهما من العدوانيين المستقبليين المحتملين .

فهما باستخدامهما حق النقض الذي تمتلكانه تستطيعان وقف محاولات تمديد الحظر المفروض على مبيعات السلاح ، أو إجراءات معاقبة الدول الساعية لتطوير برامج أسلحة الدمار الشامل .

كما أن بوسع هاتين الدولتين أيضاً إقامة صلات سياسية واقتصادية مباشرة مما يعد تشجيعاً لهذه الأنظمة على مواقفها المتصلبة .

" أما على المستوى العسكري التقليدي فأن روسيا ، وكذلك الصين إلى حد ما ، قادرة على تزويد الأنظمة العدوانية في المنطقة بمدى من الأنظمة المعقدة ، مثل الدفاعات الجوية المتقدمة ، أو صواريخ كروز المضادة للسفن ، التي من شأنها تعقيد الوضع على العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة إلى حد بعيد .

 وبالإضافة إلى ذلك فأن التدريب الروسي قد يرفع من مستويات المهارة لدى دول المنطقة . "

كما أن المعونة الروسية والصينية لها أهمية خاصة في مستقبل مشاريع تطوير أسلحة الدمار الشامل والصواريخ بعيدة المدى في المنطقة .

فلحد الآن كان الافتقار إلى المواد القابلة للانشطار هو العقبة التي عرقلت محاولات دول المنطقة للحصول على قدرات نووية ، وهو موقف بوسع روسيا والصين أن تتداركانه لو شاءتا .

كما أن بمقدور روسيا والصين أن تساعدا دول المنطقة على تطوير بناهما الصناعية التحتية لتطوير قدراتهما على إنتاج أسلحة الدمار الشامل والصواريخ .

" وقد يكون في وسع روسيا والصين أن تعرقلا الجهود الجارية لحل الصراعات القائمة في المنطقة ، أو قد تثيران صراعات جديدة من أجل إشغال الولايات المتحدة أو جرها إلى مستنقع ، فيخلو بذلك الجو لهما للتحرك بحرية أكبر في مناطق أخرى .

في حين أن اتخاذ روسيا والصين مواقف أكثر إيجابية قد تكون ثمرته منافع عديدة :

" مواصلة الضغط على الأنظمة في المنطقة .

حيث سبق للعديد من أنظمة المنطقة أن أظهرت استعداداً للتجاوب مع الضغط الدولي إذا ما جاء منسجماً مع بعضه .

فكل من إيران وليبيا ، على سبيل المثال ، خفضتا من مستوى دعمهما للإرهاب من أجل كسب ثقة الدول الأوروبية .

ولو مالت روسيا والصين بدرجة أكبر إلى جانب وجهات نظر الولايات المتحدة ، فإن ذلك سوف يشكل عقبة إضافية أمام دول المنطقة في محاولتها نشر الأسلحة أو مهاجمة جيرانها . " إضعاف الفعالية العسكرية للأنظمة العدوانية .

إذ حتى لو رفضت أنظمة المنطقة الاستجابة للضغوط الروسية والصينية ، فإن تقليص المعونات العسكرية سوف يخفض من فعالية أسلحتها التقليدية وترسانات أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها .

" تعاظم احتمالات التقدم مستقبلاً في وضع وقف لإطلاق النار ، أو إيجاد تسوية بين العرب والإسرائيليين .

فمع أن إيجاد تسوية للنزاع بين العرب والإسرائيليين يعتمد بالدرجة الأساس على الأطراف المباشرة المعنية ، إلا أن أية محاولة دولية منسقة قد يكون في مقدورها خفض التوترات الإقليمية وتشجيع كافة الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات .

" تحسين التعاون في مجال التصدي للإرهاب

فروسيا والصين لهما قدر غير يسير من النفوذ على حكومات معينة في المنطقة ، وصلات قوية بالعديد من الفصائل المحلية ، الأمر الذي يجعلهما شريكين مهمين في محاولة منع وقوع هجمات إرهابية في المستقبل على الولايات المتحدة . 

طبيعة تبدل أنظمة الحكم

لقد كان القادة المنفردون هم الذين يشكلون سياسات بلدانهم في الماضي إلى حد كبير ، بحيث أنهم فرضوا تأثيراتهم على اختيار الحلفاء وعلى السياسات الاقتصادية ومدى الرغبة في التعاون مع الولايات المتحدة ، وعوامل أخرى غيرها . وغالباً ما كان القادة يفعلون هذا في وجه معارضة جماهيرية لسياساتهم تلك . ولكن في مصر والسعودية ، على وجه التحديد ، قد يدفع الاستياء الشعبي من الولايات المتحدة في المستقبل قادة آخرين أو أنظمة أخرى مختلفة إلى قطع الصلات بواشنطن من أجل كسب الدعم الشعبي لحكوماتهم ، أو تقويته .

والقادة الجدد قد يشكلون تهديداً حتى لو لم يكونوا يحملون نظرة عداء . لأن القادة غير المحنكين قد تبدر منهم ردود أفعال مبالغ فيها في أوقات الأزمات ، وهذا قد يسمح للمشاكل بأن تندفع خارج نطاق السيطرة .

كذلك فأن الامتناع عن التحرك يمثل أحياناً تهديداً بحد ذاته . فالعديد من بلدان الشرق الأوسط تواجه تشابكاً مروعاً من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ، وهذه المشاكل لا يمكن أن تبقى تؤجل وتؤجل إلى ما لا نهاية ، ولكن المحاذير التي من المتوقع أن تنجم عن إجراء إصلاحات دراماتيكية واسعة قد تغري العديد من القادة بالاستمرار في التسويف والتأجيل إلى أن تفلت منهم الفرصة ويفوت الأوان . 

ولكن المشهد ليس قاتماً تماماً ، فالعديد من الأنظمة المعادية والطغيانية في الشرق الأوسط إما واقعة تحت الحصار ، أو أنها معرضة لمواجهة تغيرات دراماتيكية كبيرة في المستقبل .

وإيران وليبيا مثالان لهذه البلدان التي قد تشهد قيادات جديدة وسياسات مختلفة كلياً على مدى العقد القادم . بل في الواقع ، أن هنالك احتمال ظهور قيادة جديدة في كل من البلدين تعيد ترتيب السياسة الخارجية بشكل عام ، وكذلك علاقاتها مع الولايات المتحدة . 

كلمـات أخيـرة

على الرغم من أن الشرق الأوسط سيبقى منطقة مضطربة ، إلا أن طبيعة الخطر نفسها قد تغيرت بشكل كبير جداً .

ومع أن المخاوف المألوفة ، مثل التخوف من هجوم عسكري تقليدي تقوم به دولة عدوانية، تبقى أموراً واردة ، إلا أنها من حيث الأهمية ستكون أهون بكثير من التحديات الجديدة ، مثل أسلحة الدمار الشامل والإرهاب .

وعلى سياسة الولايات المتحدة أن تأخذ في حسبانها أيضاً أن الافتقار إلى المؤسسات الديمقراطية ، بالإضافة إلى طبيعة العديد من أنظمة الحكم التي ترتكز على أفراد ، قد يسفر عن حدوث تغيرات مفاجئة ومعقدة في سياسات المنطقة .

والتغيير لم يبق مقتصراً على المنطقة فحسب ، بل شمل الدور الأميركي كذلك . فالولايات المتحدة قد تكون أشد نفوذاً اليوم في الشرق الأوسط منها في أي وقت مضى من تاريخها .

لأن تداخل الولايات المتحدة في عراق ما بعد الحرب ، وفي الصراع الذي يدور ضد الإرهاب ، يتطلب علاقات تعاون أوثق مع العديد من بلدان المنطقة .

ولكن على الرغم من ذلك يبقى من المرجح أن يتواصل التهديد على الولايات المتحدة طالما بقيت تعتبر المسؤولة عن دوام الوضع الإقليمي على حاله .

ومن هنا فإن جهود إعادة إعمار العراق ، والتوسط في النزاع العربي الإسرائيلي ، تكتسب أهمية خاصة .

وبسبب هذا الجو المتلبد ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون مرنة متوثبة في سياساتها .

فقد آن الأوان لكي تتنحى سنين الاعتماد الكامل على القوة العسكرية في تحقيق المصالح لتفسح المجال لمدى أرحب من الوسائل المتنوعة التي تتراوح من إعادة هيكلة الاقتصاد إلى التدريب على مكافحة الإرهاب وتشجيع حكم القانون .

وما لم تتبع الولايات المتحدة خطاً للسياسة متعدد الأبعاد ، حسن التنسيق ، فإنها ستحكم على دورها بأن يبقى مقصوراً بحدود الرد على الأزمات بدلاً من مبادرتها ومنع وقوعها ، أو إدارتها وتوجيهها إن هي وقعت.

إختيار وإستعراض: عفاف حسين.

ملاحظة: المقالات تُعبر عن رأي أصحابها.   

المصدر : صحيفة الصباح العراقية 23-5-2005تحت عنوان : استنتاجات - اعداد مؤسسة راند