الصياغة الجديدة للعــولـمة للإمام الشيرازي الراحل

 

 المهندس جواد محمد

 

هل هناك عولمة صحيحة!!؟

اعتقد الإمام الشيرازي (رضوان الله عليه) بأن تشابك المصالح إلى حد كبير، وتداخلها تداخلاً لا يمكن فرز بعضها عن بعض من جهة، والحاجة الملحة لتنظيم ما يُحيط ويؤثر في المجتمع كالبيئة أو التجارة العالمية أو الإنتاج العالمي من جهة ثانية، وضرورة امتلاكنا لطاقاتنا أو لقدراتنا من جهة ثالثة، والحاجة إلى تجيير منجزات الانفجار العلمي والمعرفي والتكنولوجي للإنسان والإنسانية والأجيال الأخرى من جهة رابعة، علاوة على تجذر وتأصل النظرة الإنسانية إلى جانب النظرة العالمية في قيمنا وحضارتنا... كل ذلك يعكس الحاجة إلى صياغة نظرية العولمة الصحيحة المستندة إلى قيمنا ومبادئنا، والتي تقدم بها الإمام (رضوان الله عليه) في كتابه فقه العولمة.

وعن العلاقة أو النسبة بين العولمتين: العولمة الصحيحة والعولمة الغربية يقول:

العولمة الغربية التي ظهرت في الساحة، وعرفناها حتى الآن على أرض الواقع وفي إطار العمل والتطبيق هي شيء آخر، جاء نتيجة الطابع التوسعي لسياسات الغرب، فواقع العولمة هذه، هو واقع الهيمنة وحقيقتها هي حقيقة السلطة والسيطرة والاحتكار لقلة قليلة في الغرب، لا تهتم بالإنسان، كما لا تهتم بالإنسانية، ولا تعير مستقبل البشرية اهتماماً، وتهدف في الواقع إلى استرجاع نظام الهيمنة الاستبدادية القديم وعرض العولمة بأزياء وصور حديثة منمقة لضمان استساغتها وتمريرها.

ويؤكد الإمام الشيرازي في تباين المواقف من العولمة الغربية:

وهناك مواقف استسلامية تقبل كل جديد ودون دراسته، ومنها العولمة من دون قيد وشرط متغافلة عن السلبيات الخطيرة التي توجد في بعض جوانب العولمة.

وبغض النظر عن الدول الأخرى ففي داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدأت تتصاعد حركات فكرية ضد العولمة الغربية، وهذه الحركات لم تكتف بالنقد التفصيلي للعولمة الغربية وجوانبها الاقتصادي والسياسية والفكرية والثقافية، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك أنها تحاول تقديم بديل للعولمة الأمريكية والترويج والإعلام لهذا البديل، هذا وقد تعرضت لبيان هذه الحركات ونشاطاتها كتب كثيرة تضم بحوثاً ودراسات مسهبة ومعمقة في هذا الموضوع.

ويبين سماحته سبب تركيز وتأكيد إعلام العولمة على الجانب الاقتصادي للعولمة:

إن هناك روابط وثيقة بل تلازم واضح بين العولمتين: الاقتصادية والسياسية، فلا عولمة اقتصادية إلا وتلازمها عولمة سياسية، ولأن العولمة السياسية الغربية وضاح فيها الهيمنة والاستغلال ومصادرة الاستقلال، لذلك أدخلوا العولمة السياسية في العولمة الاقتصادية، فغلفوا العولمة السياسية بالعولمة الاقتصادية، فلم يتعرضوا إلاّ للعولمة الاقتصادية التي جعلوها الواجهة للعولمة الشمولية التي يريدونها، فالعولمة الاقتصادية بشعاراتها الطنانة تثير حساسية أقل لدى المجتمعات والشعوب، فهو نوع من الدعاية الرمادية (الأقرب إلى السوداء) بعد كثير من عمليات التجميل.

ويذهب الإمام الراحل (رحمه الله) بعد تناوله للتعاريف الكثيرة عن العولمة الغربية إلى تحليل خلفياتها وجذورها فيراها في الرأسمالية الجديدة التي ما هي إلا التمادي في أهداف وغايات الرأسمالية التقليدية القديمة، وإلى حد الانقلاب الأساسي على بعض الخطوط العريضة للرأسمالية التقليدية القديمة... رأسمالية قبل العولمة فيقول:

1- النمط الرأسمالي كان يسعى إلى عالمية التسويق والتبادل والتجارة، بينما راحت تعمل جاهدة لعالمية عملية الإنتاج نفسها أيضا.

2- الرأسمالية القديمة كانت تعمل لتمركز رأس المال عبر الربحية الأكثر، وكانت تعتمد في ذلك على الإنتاج الذي يحقق الأرباح، بينما انقلب اليوم إلى الاعتماد على تشغيل رأس المال فقط، وصولاً إلى احتكار الربح.

3- الرأسمالية التقليدية القديمة التي كانت تدعى المنافسة الحرة تغير مفهومها عن السوق والمنافسة إلى الاحتكار والهيمنة فالاستعمار.

4- تبني الرأسمالية الجديدة سرعة وتعجيلاً أكبر في تخطي حدود الدولة القومية والاقتصاد القومي للوصول والسيطرة والتحكم الكامل على الأسواق والمواد الأولية بأسعار رخيصة، وعلى الأيدي العاملة بأجور متدنية.

وفي جملة واحدة: العولمة الغربية عند الإمام الشيرازي ذات أبعاد خطيرة ثقافية، سياسية واقتصادية وما هي إلا نظام رأسمالي عالمي قام على أنقاض الرأسمالية القديمة التقليدية أو رأسمالية الحرب الباردة، لتستجيب الرأسمالية الجديدة إلى الوضع السياسي الدولي الجديد المتمثل بالأحادية من جهة، وإلى التوسع المستمر خارج الاقتصاد القومي.. أو بعبارة أخرى العولمة الغربية نظام رأسمالي شمولي عالمي انبثق من الرأسمالية القديمة، بعد تطويره ولصالح ولحرية قلة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة.

ويضيف الإمام الشيرازي:

(العولمة الغربية تعني سيطرة الغرب وهيمنتها، والتحكم والتلاعب بالسياسة والاقتصاد، وفي مختلف البلاد والعباد، بل قد أخذت تمتد وتمتد لتطول ثقافات الشعوب بأجمعها، وتنال من الهوية الوطنية بأسرها، وإنها طفقت تسعى جادة إلى تعميم أنموذج منم السير والسلوك، وأنماط من الأخلاق والأدب، وأساليب من العيش والتدبير، تتوافق مع الثقافة الغربية، وتنسجم مع ميول المستعمرين، لتغزو بها ثقافات مجتمعات أخرى، وهذا لا يخلو من توجه استعماري جديد في احتلال العقل والتفكير، وتسيير العقل والعواطف بعد الاحتلال وفق أهداف الغازي ومصالحه الشخصية).

وفي معرض حديثه عن بعض أدوات العولمة يقول (رحمة الله عليه):

(إن الشركات المتعددة الجنسيات تعتبر اليوم من أهم الأدوات التي تستخدمها الرأسمالية الغربية وخاصة الأمريكية، وتوظفها في دفع الاقتصاد العالمي باتجاه العولمة).

ويضيف (رحمه الله) قائلاً:

(ومن الواضح إن إسرائيل إحدى أدوات العولمة الغربية المتوخاة...)

وبعد دراسة نقدية فقهية موضوعية مطولة للعولمة الغربية يعمد إلى صياغة نظرياته وآرائه الاستدلالية حول العولمة الصحيحة.. أي العولمة البديلة ويدعو إلى نشر البديل النابع من قيمنا وبمادئنا وحضارتنا، لأنه مطابق للفطرة الإنسانية وينشر العدالة والسلام والرفاه والأمن والتقدم، ولأن العولمة الغربية يرفضها أكثر من ثمانين بالمئة من العالم، وجبهتها الداخلية متصدعة فهناك صراعات جذرية وجدية بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وكل من اليابان وأمريكا الجنوبية والصين وفرنسا والدول الأوروبية الأخرى، من جهة أخرى، وذلك حول غنائم وأرباح العولمة، وبالتالي حول الموافقة النهائية على الأحادية القطبية الشمولية الاحتكارية المقدمة إلى العالم باسم العولمة.