هل سيتولى مجلس النواب العراقي الجديد تعديل الدستور؟

 

طارق حرب

 

لو قرأنا الواقع السياسي لوجدنا ان هناك ثلاثة اتجاهات تطالب حاليا بتعديل الدستور . الاول هو ما ينادي به السيد جلال الطالباني وموضوعه زيادة صلاحيات رئيس الجمهورية والثاني ما تنادي به بعض مسؤولات منظمات المجتمع المدني النسوية  والثالث ما يطالب به الاهل من السنة العرب . واذا كانت مطالبة السيد جلال الطالباني قد لا نجد لها مساغا دستوريا وموقفا واقعيا لان الدورة الانتخابية الجديدة التي ستستمر اربع سنوات اعتمد الدستور فيها على مجلس الرئاسة وليس رئيس الجمهورية واذا كان الدستور قد خول رئيس الجمهورية سلطات ليست بالقليلة يتولى مجلس الرئاسة ممارستها ومنها اختياره للشخص الذي سيتولى منصب رئيس الوزراء ومنحه حق الطلب من مجلس النواب في سحب الثقة عن رئيس الوزراء وحق نقض القوانين التي يوافق عليها مجلس النواب بحيث ان استعماله حق(الفيتو) هذا يتطلب صدور القانون باغلبية(60%) وليس(50+1) من مجلس النواب في حالة اصرار هذا المجلس على صدور القانون مع ما يترتب على ذلك من صعوبة في الوصول الى هذه النسبة فضلا عن صلاحيته(مجلس الرئاسة) في دعوة مجلس النواب عند اعلان النتائج والدعوة الى جلسة استثنائية ناهيك عن صلاحيات مجلس الرئاسة في اصدار العفو والمصادقة على القوانين والمعاهدات والاتفاقيات والقوانين واصدار المراسيم الجمهورية وسواها من الصلاحيات المقررة له بموجب الدستور فضلا عن ان نظام الحكم الذي قرره الدستور هو النظام البرلماني بحيث تكون السلطة بيد مجلس النواب ومجلس الوزراء معا وليس بيد واحد منهما ما يعني ان تخويل رئيس الجمهورية صلاحيات جديد يشوه الرسم الدستوري للسلطات بالشكل الذي صوره الدستور الجديد ثم ان المناداة بمنح صلاحيات اخرى لرئيس الجمهورية لا يلقى قبولا او استجابة من الكتلة البرلمانية صاحبه العدد الكثير من المقاعد في مجلس النواب. كون ممثل هذه الكتلة هو الذي يشغل منصب رئيس الوزراء ولا يمكن ان توافق هذه الكتلة على سلب ممثلها الذي يشغل هذا المنصب بعض صلاحياته وتخويلها لغيره كما ان هنالك هاجساً نفسياً يتمثل في التاريخ الدستوري العراقي الذي مضى على تخويل رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة ترتب على هذا التخويل آثار خطيرة على البلاد والعباد ومن كل ما سلف نخلص الى ان طلب تخويل رئيس الجمهورية صلاحيات جديدة سيكون كالسير وراء سراب دستوري الذي اخلف من تمناه وابتعد من رجاه..

اما المجموعة الثانية التي تطالب بالتعديلات وهي البعض القليل من رئيسات مؤسسات المجتمع المدني النسائية فهذه الاخرى سوف لن تجد مستمعا لها لاسباب متعددة اولها ان الدستور قد تجاوز احكام ما قررته بعض الاتفاقيات الدولية للمرأة من حقوق فالمادة(8) اوجبت على الدولة العراقية احترام الالتزامات الدولية ومنها تلك الاتفاقيات والمادة(14) رفضت ان يكون جنس الانسان سببا للتمييز بين العراقيين والعراقيات ومنعت المادة(19) كل اشكال العنف والتعسف في الاسرة والمدرسة والمجتمع والمقصود بذلك حماية المرأة وهذا الحكم لا يتوقف عند العمل غير المشروع(العنف) ضد المرأة وانما منع العمل المشروع ايضا(التعسف) كون التعسف يصطبغ بالحق والحق عمل مشروع كما هو مقرر قانونيا وبالتالي فان هذا الحكم يعتبر صورة متقدمة على ما ورد في اتفاقية مكافحة اشكال التمييز ضد المرأة(سيداو) التي منعت العنف فقط دون التعسف الذي حظره الدستور ومنعه.. والزمت المادة(37) الدولة بحماية كل فرد(ذكراً او انثى) من الاكراه الفكري والسياسي والديني والمادة(41) اعلنت حرية العراقي في الالتزام باحواله الشخصية..

والمادة(49) من الدستور اوجبت حصة للنساء(كوتا) بما لا يقل عن الربع من عدد اعضاء مجلس النواب بحيث ان المرأة ستمثل ربع هذا المجلس بحكم القانون شاء الناخب ام ابى ورضي الناخب ام سخط..ان تلك الحقوق والحريات التي أبانها الدستور للمرأة العراقية لا يمكن ان نجدها في اي دستور لدولة عربية او اسلامية اخرى ولا نجدها في عدد كثير من دساتير الدول الاخرى.. وهي كافية وشافية لمطالب المرأة العراقية على الاقل في هذه الفترة كذلك لابد ان نلاحظ ان طلب بعض المنظمات النسوية افتقد الجانب السياسي والوزن الشعبي فلم تستطع اية امرأة من النساء حاملات لواء هذه الدعوة من المغامرة بالترشيح والاشتراك في الانتخابات كقوائم نسوية فقط وليس الفوز بالانتخابات اذ انهن لم يدخلن الانتخابات كمنافس للرجل وفضل بعضهن الدخول في القوائم الانتخابية اعتمادا على الكوتا النسوية فضلا عن ان التعديلات المقترحة من هذا البعض نتج عن سوء تفسير للاحكام الدستورية وترتب على خطأ في التأويل القانوني وهذا ما يمكن استنتاجه من الذرائع التي تم ذكرها لاجل اجراء التعديلات ذلك ان مقارنة اسباب هذه التعديلات بالنصوص الدستورية الملمح اليها ستؤدي الى الخروج بنتيجة واحدة هي وهن هذه الاسباب وضعف هذه الذرائع لاسيما ان المناداة بتلك التعديلات جاء في فترة الانتخابات وانطفأ بعد انتهائها وهذا يعني ان تلك التعديلات كانت لغايات انتخابية سياسية اكثر من كونه كان يستهدف ايجاد حقوق جديدة للمرأة ثم ان تلك التعديلات سوف لن تحظى بقبول مجلس النواب الحالي بتشكيلته المعروفة الحالية مما لا يخفي على كل ذي فهم سياسي لبيب..أما الاتجاه الثالث من التعديلات فهي مقترحات التعديل التي تراها الكتل السياسية التي دخلت في البرلمان بدورته الجديدة اي الكتلة السياسية التي يتزعمها الحزب الاسلامي الذي كان يرفض مسودة الدستور ولم يوافق عليها الا قبل ساعات من الاستفتاء على الدستور.. حيث كان الشرط الوحيد لقبول الحزب الدستور يتمثل في تضمن مسودة الدستور حكماً يتضمن جواز تعديله خلال عدة اشهر من تاريخ بدء جلسات مجلس النواب الجديد.. لذا تم اضافة حكم المادة (142) الى الدستور تتضمن جواز تعديل احكام الدستور على وفق هذه الاضافة وفق الحزب الاسلامي العراقي على مسودة الدستور وناشد اعضاءه ومؤيديه بقول(نعم) اثناء الاستفتاء الذي جرى على المسودة يوم(15-10-2005) الذي يراه السياسي والقانوني اعتمادا على قراءة الخارطة السياسية التي تشكل بموجبها مجلس النواب الجديد وعدد الاصوات التي حصلت عليها الكيانات السياسية في مجلس النواب واعتمادا على الواقع السياسي والاجتماعي خاصة من حيث القوى الحاكمة اجتماعيا في الواقع العراقي لابد ان يخرج بنتيجة ان التعديلات ستكون طفيفة جدا ولن تنال من الاحكام الرئيسة والقواعد الاساسية الواردة في الدستور ولاسيما اذا علمنا  ان طريقة التعديل الدستور ليست بالطريقة اليسيرة اذ لابد من موافقة مجلس النواب وموافقة اكثر من نصف المصوتين في البلاد مع شرط ثالث هو عدم رفض التعديلات من ثلثي المصوتين في ثلاث محافظات.. والذي يمكن قوله ان التعديلات ستكون شكلية بعيدة عن الثوابت التي قررها الدستور كالحقوق والحريات ونظام الحكم البرلماني والفدرالية والقضاء.. وبعبارة اخرى بقاء جوهر الدستور وطبيعته وفلسفته بعيدة عن التعديل..

جماع القول في اتجاهات التعديل الثلاثة سواء بالنسبة لصلاحيات الرئيس او بالنسبة لمطالبات قلة من منظمات المجتمع النسوية او بالنسبة لرأي الحزب الاسلامي العراقي فاننا نر انه لن يكون لها اثر دستوري كبير  تقود الى تغيير فلسفة وثوابت الدستور وهذا الرأي لا يمكن ان يعتبره كل سياسي الا من المسلمات السياسية والمشهورات الاجتماعية والواضحات الواقعية والبديهيات القانونية وبالتالي لا يوجد مجال سياسي لتحقيق تعديلات جوهرية وتغييرات اساسية في الدستور على النحو المطروح.. 

كل ذلك بحس الراي طارق حرب في المصدر المذكور .

المصدر :جريدة الصباح – 14-2-2006