المجلس النيابي بعد المرحلة الانتقالية:  رؤية في السياقات والثوابت الدستورية

 

د. هادي الخاقاني

 

 

ينتظر العراقيون اعلان اسماء ممثليهم في المجلس النيابي، من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. بعد ان مارس الناخبون العراقيون حقهم الانتخابي، في الخامس عشر من كانون الاول الجاري، واضعين كل ثقتهم بمجلسهم، الذي يعبر لاول مرة في تاريخ العراق المعاصر، عن صوت العراقيين وارادتهم وطموحاتهم..

ان هذا المجلس، هو اول مجلس نيابي بدورة انتخابية مدتها اربع سنوات، وفق مانص عليه الدستور العراقي الدائم.. وتقع على هذا المجلس مهمات جسيمة ابتداءً من انتخاب رئيس الجمهورية، والرئيس بدوره يكلف رئيس الكتلة البرلمانية صاحبة الاكثرية في المجلس لتشكيل الوزارة التي تستكمل شرعيتها بعد موافقة المجلس النيابي على اعضائها وعلى برنامجها الوزاري كما يختص المجلس، وفق ما اشره الدستور الدائم بـ:

اولاً: تشريع القوانين الاتحادية.. وما اكثر القوانين المطلوب تشريعها المطابقة لبنود الدستور الدائم وتلبي حاجات البلد الحالية والمستقبلية.

ثانياً: الرقابة على اداء السلطة التنفيذية، حيث يأخذ المجلس النيابي دوره المتقدم في هذه الرقابة استناداً الى الدستور والحصانة البرلمانية التي يتمتع بها اعضاء هذا المجلس.

ثالثاً: المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، التي يوقعها العراق مع دول العالم او المنظمات الاقليمية والدولية.

رابعاً:ـ الموافقة على تعيين:ـ

أ ـ رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي.

ب ـ السفراء واصحاب الدرجات الخاصة باقتراح من مجلس الوزراء..

ج ـ رئيس اركان الجيش ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات بناءً على اقتراح مجلس الوزراء.

وبذلك يسدل المجلس النيابي الستار، لاول مرة في تاريخ العراق المعاصر، على ظاهرة المحسوبية وعلى المحاصصة والطائفية والتعيينات الكيفية بهذه المناصب، ولتكون معايير المؤهلات والكفاءة والخبرة والقيادة الناجحة والنزاهة والتواضع والامانة والصدق والاخلاص للوطن الاساس في التعيين في الوظائف العامة.

ومن مهام المجلس الاخرى مساءلة رئيس مجلس الوزراء، او اي وزير اخر، في اي موضوع يدخل في اختصاصهم، وجميعهم ملزمون بالاجابة على الاسئلة ومن حق اعضاء المجلس طرح موضوع للمناقشة لاستيضاح سياسة واداء مجلس الوزراء او احدى الوزارات... كما من حق اي عضو في المجلس، استجواب رئيس الوزراء او الوزراء لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم، ويحق للمجلس سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء وفق الدستور.

وليس من حق اي مسؤول مهما علا منصبه حق اعلان حالة الطوارئ او الحرب دون موافقة اغلبية ثلثي اعضاء المجلس بعد دراسة الموضوع من جميع جوانبه، وتعزيز ذلك بالمسببات الواقعية الموجبة.

وبذلك يلغي الدستور التعسف في استخدام السلطة، ولابد ان تكون الوظيفة العامة والمناصب الرفيعة في خدمة الشعب والوطن، وفق القوانين والصلاحيات الممنوحة.

بالمقابل لابد ان نشير الى ان اعضاء المجلس النيابي ان يضعوا تجربة الجمعية الوطنية كدروس وعبر للافادة منها في مسيرتهم والعمل على تجاوز حالات التلكؤ والثغرات التي رافقت مسيرة الجمعية الوطنية، وفي المقدمة كثرة الغيابات، وبشكل مستمر، للعديد من اعضاء الجمعية الوطنية، حتى ان اعضاء هيئة رئاسة الجمعية، اعلنت بآسى ومرارة عبر وسائل الاعلام، التي كانت تنقل جلسات الجمعية تلك الحالة التي عطلت الكثير من اعمال الجمعية والغاء عدة جلسات بسبب عدم اكتمال النصاب، دون ان توضع قيود او ضوابط لتجاوز هذه الحالة.

كما ان اسلوب المزايدات والانتقادات وحتى التجريحات او الاتهامات قد يبدو بعضها خطيراً بين اعضاء الجمعية، وقد يعود معظمها لاختلافات شخصية او حزبية وهي ممارسات اقل ما يقال عنها انها بعيدة كل البعد عن الحوار الديمقراطي واحترام الرأي الاخر، ويقع معظمها في خانة النفاق السياسي، الذي يراد منه دحر المقابل او تسجيل كسب سياسي على حساب الاخر دون وجه حق.. وما يأمله العراقيون من ممثليهم ان يترفعوا عن هذه الممارسات وتكون المبادرات في خدمة المبادئ والاهداف والتنافس الشريف لتحقيق طموحات العراقيين ومطاليبهم الملحة.

كما يطالب العراقيون ممثليهم ان يصادقوا على حكومة منسجمة ومتفقة على برنامج وزاري حقيقي وعملي وليس خطاباً انتخابياً او شعارات لاغراض الكسب السياسي، ولاتتم المصادقة الا بعد التدقيق والفحص لكل وزير مرشح، شخصاً وكفاءة وخبرة وقيادة ونزاهة، كما لابد ان يكون البرنامج الوزاري محدداً وواضحاً ومستوحى من واقع الراهن، ومثبتاً فيه ما تستطيع الحكومة القيام به من اعمال خلال الاربع سنوات المقبلة وبشكل حقيقي معزز بالارقام والامكانيات والتقديرات المالية الصحيحة والمستندة على موارد العراق وليس تخمينات غير حقيقية كما ان الى المجلس النيابي مراجعة شاملة كل ستة اشهر لاعمال الحكومة ومطابقتها مع البرنامج الوزاري من اجل التقييم والتصويب ومحاولات تأشير الايجابيات لتطويرها والسلبيات لغرض تجاوزها، وبغير ذلك سنراوح في مكاننا وهو ما لا ترتضيه كل الاحزاب والكيانات السياسية داخل المجلس وخارجه.

المصدر: جريدة الصباح-30-12-2005