ديك تشيني ـ الرئيس الفعلي للولايات المتحدة

الحلقة -1-

 

 

تشيني يتبنى صورة أسطورية لنفسه يواجه بها النكسات السياسية

تأليف : جون نكولز 

ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية

 

يستمد هذا الكتاب الجديد أهميته من سرده لسيرة حياة شخصية أميركية مهمة يتردد أنها هي التي تدير شؤون مؤسسة الرئاسة الأميركية بالفعل، والمقصود هنا هو ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي، الذي كان طالباً فاشلاً في الجامعة قبل ان يتركها لينضم إلى جموع العاملين في مجال مد أنابيب الطاقة، وليعود بعد ذلك ليلتحق بجامعة ويومنغ ويحصل على البكالوريوس ثم الماجستير.

يكشف لنا هذا الكتاب خفايا وأسراراً لعبت دوراً رئيسياً في صعود نجم تشيني، الذي يفضل أن يبقى وراء كواليس السلطة، الأمر الذي جعل عملاء الجهاز السري يصفونه بالمقعد الخلفي.

ولكنه يمتلك من المزايا الكثير الذي يؤهله لأن يصبح رئيساً للولايات المتحدة. فقد عمل مساعداً لثلاثة رؤساء، وكان أصغر رئيس لطاقم البيت الأبيض في التاريخ الأميركي ووزيراً ومديراً تنفيذياً لأقوى شركة ذات ارتباطات سياسية في أميركا.نظراً لأهمية هذا الكتاب،حرصت «البيان» على تقديمه لقرائها بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

احتاج ديك تشيني للتحدث مع بعض زملاء العمل. فبعد أشهر على حكومة بوش ـ تشيني الجديدة، كان لدى نائب الرئيس مخطط يتمثل في الاجتماع سراً مع الرؤساء التنفيذيين لأكبر شركات الغاز والنفط والطاقة النووية في العالم.

وقاموا معاً برسم «سياسة طاقة وطنية»، اقترحت فتح «ملاذ الحياة البرية الوطنية في القطب الشمالي» أمام التنقيب عن النفط، وبناء 1900 محطة طاقة جديدة، وتمديد 000 ,18 ميل من خطوط أنابيب الوقود عبر ما تبقى من البرية الأميركية.

قد يؤدي التنقيب عن النفط، وتشغيل محطات الطاقة، وتمديد خطوط الأنابيب، إلى تدمير بيئة هشة أصلاً، لكن تلك الأنواع من المشاريع تخلق وظائف على الأقل على المدى القصير، فالاتحادات تريد الوظائف الجديدة، حسبما قال تشيني، فلماذا لا نجمع قادة الاتحادات العمالية ونتحدث معهم لدعم خطة الحكومة للتضحية بالبيئة، واستغلال الجلبة حول الطاقة؟

تصور تشيني أنه إذا ضمن انضمام الاتحادات إلى الركب فإنه يمكن أن يسبب كثيراً من المتاعب للديمقراطيين، الذين قد يعارضون خطة للطاقة استناداً إلى أسس بيئية. كما أنه قد يضمن بعض التأييد العمالي للجمهوريين في انتخابات مستقبلية.

لكن لماذا يمكن لقادة سواقي الشاحنات وعمال الصلب والسمكرية والنجارين والعمال وعمال التدفئة والتكييف والبحّارة، أن ينضموا إلى الركب مع حكومة تظهر كأشد مناهضي الاتحادات، منذ ضمّ وليم ماكنلي للبيت الأبيض إلى جانب أقطاب الصناعة اللصوص في أواخر القرن التاسع عشر؟ اعتقد تشيني أنه يستطيع مواجهة التشكك بالاستعانة بماضيه الطيّع وانتزاع شيء من التضامن.

عندما تم إدخال قادة الاتحادات العمالية الثلاثة والعشرين إلى اجتماع سري مع موثوقين من حكومة بوش في 14 مايو 2001 أوضح القيصر السياسي للبيت الأبيض، كارل روف للمجموعة أنهم سيستمعون إلى زميل عمالي هو ديك تشيني.

فبعد أن أخفق في ييل، وجد تشيني وظيفة قصيرة الأمد كعامل في طاقم يمدّد خطوط الطاقة من روك سبرينغر، ويومنغ. وعلى مدى شهور قليلة في أوائل الستينات، حمل الرئيس التنفيذي المستقبلي لشركة هاليبرتون بطاقة «الأخوة الدولية لعمال الكهرباء».

ليس هنالك أي دليل يوحي أن تشيني كان نقابياً جيداً أو حتى أن المفصول من الكلية، المفرط في الشراب، كان يعي إقامته القصيرة في دار العمال. لكنه، وكما كان طوال مهنته الطويلة في واشنطن، عاد إلى الفترة القصيرة التي قضاها في ويومنغ كإشارة مرجعية قد توحي بأنه لم يكن سوى العليم ببواطن الأمور في واشنطن.

سقطت الحظوة لدى العمال؛ فلم يكن على قادة الاتحادات إلا أن يهزّوا يدي تشيني اللينتين الواهنتين حتى يدركوا أنهم لم يكونوا يجتمعون مع رجل عمالي.

وبحلول عام ،2004 كانت الاتحادات الممثلة في قاعة الاجتماعات في ذلك اليوم تقوم بحملة نشطة ضد تذكرة بوش ـ تشيني، لكن هذا الفشل للوهم كان فشلاً نادراً بالنسبة لتشيني، ففي أغلب الأحيان يفلت نائب الرئيس بالترويج لصورة أسطورية لنفسه.

وليس هنالك أي شيء أكثر مركزية للأسطورة من فكرة أن تشيني ابن حقيقي لولاية ويومنغ ـ ولاية الكاوبوي. فمن بين جميع الأكاذيب التي يرويها ديك تشيني.

فقد تكون هذه أكبر كذبة، لكنها خدمته جيداً ووفرت له ليس فقط شخصية عامة مقنعة «كغربي» صارم، ولكن سلطة قضائية مناسبة يعيد إطلاق نفسه منها كلما أصيب من له تقلبات السياسات الوطنية بنكسة.

إن ويومنغ ولاية جميلة كبيرة رائعة، كانت دائماً غنية بالثروات مثل الفحم والنفط والغاز الطبيعي. أدرك جمهوري ذو ميول مختلفة جداً عن ديك تشيني، قبل أكثر من مئة سنة، أن ويومنغ سوف يتقاذفها أولئك الذين يسعون إلى الحفاظ على جمال الولاية الطبيعية، وأولئك الذين يسعون إلى إثراء أنفسهم وإثراء أصدقائهم باستغلال ثرواتها الطبيعية وتصديرها.

فقد قال الرئيس ثيودور روزفلت بعد زيارة ويومنغ في عام 1903: «هذا بلدكم. انعموا بهذه الروائع الطبيعية، إنعموا بالثروات الطبيعية، انعموا بالتاريخ والرومانسية كتراث مقدس، لأبنائكم وأبناء أبنائكم. لا تسمحوا للناس الأنانيين أو المصالح الجشعة بتجريد بلدكم من جمالها، ثرواتها أو رومانسيتها».

وبعد قرن من الزمان، ينظر تشيني إلى الولاية نفسها ويقول لصحيفة دينفر بوست: «هنالك طلب كبير على الغاز في كل أنحاء البلاد. الأسعار مرتفعة، وعلينا أن نطور تلك الثروات بما يلبي احتياجاتنا الوطنية من الطاقة». إنه كلام شاعري حين يتحدث تشيني عما يسمى وطنه.

شجرة العائلة

ليس لشجرة عائلة تشيني أية جذور في ويومنغ؛ فهو ينحدر من مهاجرين بريطانيين يعودون إلى فترة الحجاج ـ البروتستانت المتزمتين ـ الذين وصلوا إلى نيو إنجلاند باسم «تشيني»، ولم يقم أجداد تشيني بهجرة رومانسية نحو الغرب إلى لينكولن، نبراسكا، حيث عملوا كأمناء صندوق بنكيين وموظفين حكوميين.

ولد ديك، وهو أكبر ثلاثة إخوة، ونشأ في لينكولن وعاش هناك إلى أن بلغ سنّ المراهقة. وكان والداه ديمقراطيين مخلصين. وابتهج ريتشارد ومارغوري تشيني بإعادة انتخاب فرانكلين ديلانو روزفلت في نوفمبر 1940.

بعد أقل من ثلاثة شهور، سعدا بمولد ابنهما ريتشارد بروس تشيني في عيد ميلاد روزفلت التاسع والخمسين، 30 يناير 1941، وتخلى تشيني عن سياسات والديه في سنّ مبكرة، واعتنق المبادئ المحافظة لأشرس خصوم الرئيس الثاني والثلاثين.

وأصبح تفكيك «البرنامج الجديد، الذي نظم أعمال السلب التي كانت تستغل ولايات مثل ويومنغ، واحدة من مهامه الرئيسية كشخصية عامة. وبينما كان الوالدان يحبان ابنهما، فإنهما لم يتكيفا أبداً مع سياساته ـ حين عاد تشيني إلى ويومنغ ليرشح نفسه للكونغرس، أخذ الأب يذكّر ابنه قائلاً «لا يمكنك أن تعتبر صوتي مضموناً لك».

عندما يتحدث في المناسبات الجمهورية لجمع التبرعات؛ فإن نائب الرئيس يحبّ أن يستذكر أن رئيساً جمهورياً، هو دوايت أيزنهاور، هو الذي نقل عائلته إلى ويومنغ.

وشبيهاً بابنه، كان ريتشارد هيربرت تشيني موظفاً فيدرالياً، وعلى عكس ابنه كان تشيني الأب يحاول أن يجعل العمل البيروقراطي لأي شخص آخر عداه.

وقد استخدمته وزارة الزراعة الأميركية في جهاز حفظ التربة الفيدرالية. وكان الأب جندياً على الجبهة في واحد من الجيوش العظيمة للبرنامج الجديد. وقد أسس جهاز حفظ التربة خلال الركود الاقتصادي للتصدي لتآكل التربة نتيجة سوء استخدام الأرض.

وانتهج موظفو هذا الجهاز، النهج الخيالي للمؤسس، وهو هاموند بينيت، الذي كان يحضّ على أنه «لا ينبغي لأي إنسان أن يكون له الحق، قانونياً أو بأية وسيلة أخرى، في أن يقوم بتدمير طائش أو متعمّد، أو يبدّد بلا ضرورة أية موارد يعتمد عليها الرفاه العام.» خلال عهدي فرانكلين روزفلت وهاري ترومان، لم تكن أخلاقيات حفظ التربة يتم الحض عليها فقط، بل كانت تطبّق.

عندما تولى آيزنهاور السلطة في عام 1953، كأول رئيس جمهوري خلال عقدين، بدأ تفكيك بطيء للبرنامج الجديد، بدءاً بوزارة الزراعة. وكجزء من إعادة تنظيم الوزارة، نقل والد تشيني غرباً إلى ويومنغ، وهنا يقول تشيني: «لولا الانتصار الجمهوري الكبير في عام 1952، لما وضعت قدماً في ويومنغ».

ارتحلت عائلة تشيني فجأة إلى كاسبر، وهي مدينة في وسط ويومنغ، احتضنت الضفة الجنوبية لنهر نورث بلاتي. وتدين كاسبر بمكانتها كثاني أكبر مدينة في ويومنغ واقتصادها المزدهر، للسلعة نفسها، التي حرّكت حرفة ديك تشيني السياسية والخاصة وهي النفط.

فإلى الغرب من كاسبر، وفي عام 1851، اكتشف جيم بريدجر وكيث كارسون ينبوع نفط في بويزن سبايدر كريك، ولم يكن ذلك قبل وقت طويل من حفر أول بئر نفط قرب كاسبر، وتم ذلك قبل القرن التاسع عشر، وبدأت مصافي النفط تظهر.

حين بلغ إنتاج النفط ذروته في العشرينات، كانت مصفاة نفط ستاندرد، في كاسبر أكبر مصفاة على الأرض. وبحلول الخمسينات، وبينما اكتشفت تقنيات جديدة لاستخراج النفط، كانت كاسبر تعيش ازدهاراً نفطياً آخر من بين كثير من الازدهارات ـ وهكذا استقرت عائلة تشيني في مدينة مزدهرة .

حيث فظاظة الغرب القديمة، التي اتصفت بالقمار غير القانوني والدعارة في منطقة سندبار، في كاسبر، وقد أفسح ذلك الطريق أمام بناء الضواحي الجديدة ، وأمام المحافظة على القديم. وعاش ديك تشيني فترة الخمسينات الكلاسيكية في كاسبر، مع أنه من الصعب تمييز أي شيء لديه من مزايا ويومنغ.

تكيف ديك الشاب مع كاسبر، فلدى وصوله في الوقت المناسب ليلتحق بالصف التحضيري في مدرسة ناترونا العليا في كاسبر، كان ذلك الشاب الجديد المصمم على التكيف.

وكان يحضر اجتماعات الكشافة، ويعمل بعد المدرسة كموظف في متجر محلي لسلع متنوعة. وانضم إلى فريقي البيسبول وكرة القدم في ناترونا. لم يكن كبير الحجم أو قوياً، لكنه كان يحضر مبكراً ويظل لوقت متأخر. وجعل من نفسه اللاعب الرئيسي في فريق يضم أفضل الرياضيين.

كان يمكن لشخص آخر أن يكون الظهير الأساسي، لكن ديك، أدار الأمور كقائد مشارك للفريق. وتولى المهمة غير المميزة لنائب رئيس مجلس الطلاب. وكان بطبيعة الحال صديقاً للين آن فنسنت، وكما يمكن للمرء أن يتذكر؛ فإن أول انهماك لديك في السياسة الفعلية كان حملة سباق شعبية لانتخاب لين كملكة للمدرسة.

وهنا يقول لاري ستوبسون، وهو زميل دراسة: «وضع كثيراً من الملصقات، ليتأكد من أن الجميع يعرفون أن لين هي الفتاة التي يجب أن تكون ملكة لما تقوم به لمصلحة المدرسة. تلك هي المرة الوحيدة التي أتذكره وهو يحرّك الأمور».

فازت لين في مسابقة الملكة، مثلما فازت في معظم المسابقات الأخرى. كانت لين دائماً الشريكة الأكثر توهجاً، وكما يمكن أن يكون مع الرؤساء في المستقبل، أدار ديك، بسرور، مشاريع شريك أكثر جاذبية من وراء الكواليس.

وكان تحقيق لين للشهرة في أيام المدرسة العليا بلعبة تدوير الصولجان بطريقة مثيرة للإعجاب، حتى إنها هزمت البنات من كل أنحاء الولاية لتصبح بطلة الولاية.

وشقت لين طريقها إلى القمة باستخدام الألعاب النارية. كانت تشعل النار في طرفي صولجانها، وتقذف به في الهواء، ثم تلتقطه وتدوره مرة أخرى.

كانت الجماهير يجنّ جنونها، لكن قبل أن تنحني لين لتحيتها كان عليها أن تمرّر الصولجان المشتعل قبل أن يفلت زمام الأمور. وعندها كان يتدخل ديك، فعلى طرف المسرح، يكون مستعداً بعلبة قهوة مليئة بالماء، ليصبه على ألسنة اللهب ويخمدها دون أن يلاحظه أحد.

وكما قالت لين، التي تزوجته في وقت لاحق، لمجلة التايم، بعد أن أصبح تشيني أساسياً بالنسبة لجورج بوش، الرجل الثاني في سلم القيادة، لكن بشكل غير ملحوظ: «إذا عدت إلى الوراء ونظرت إلى حرفته كاملة، فقد كان ذلك إعداداً لهذا».

حكومة الأولاد

الإعداد لم يكن دائماً سلساً، كما يمكن لسيرة تشيني الرسمية أن تجعل الأميركيين يعتقدون، فكما هو شأن بيل كلينتون، شارك ديك تشيني في حكومة الأولاد، وهو برنامج سياسي صوري، حيث كان طلاب المدارس العليا يديرون حكومتهم.

ومثله مثل كلينتون الذي تفوق في نسخة أركنساس، استغل تشيني المكائد السياسية في ويومنغ بشكل مكّنه من الحصول على بطاقة إلى واشنطن العاصمة، لتمرينات دولة الأولاد.

وقد وصمت مثل هذه النشاطات ديك الشاب كوافد محلّق في عيني رجل نفط محلي اسمه توم ستروك، وهو خريج جامعة ييل في عام 1948، والذي كان دائماً يبحث عن شبان موهوبين يستطيع أن يرسلهم شرقاً، وبعد أن تخرج ديك من المدرسة العليا، رتّب ستروك لقبول تشيني في جامعة ييل، في بعثة دراسية كاملة في خريف 1959.

وعلى عكس جو ليبرمان، الذي وصل إلى حرم الجامعة بعد سنة، أو جون كيري الذي وصل إليها بعد ثلاث سنوات، أو جورج دبليو بوش الذي وصل بعده بخمس سنوات، لم يستطع تشيني أن يشق طريقه.

وهنا قال جاكوب بلوتكن، الذي زامل تشيني في غرفة في قاعة رايت في ييل عندما كان الاثنان في السنة التحضيرية: إنه لم يكن يواظب ويدرس مثلنا. ربما كان يتصرف بالطريقة نفسها التي كان عليها في كاسبر.

قال بلوتكن لصحيفة ييل ديلي نيوز: «كانت الأمور مواتية جداً له. كان يشعر بالثقة لكنه صادف أموراً لم يكن بإمكانه التعامل معها بتلك الطريقة». يقول بلوتكن: لم يكن ديك مجدّا في الدراسة.

كعضو في فريق كرة القدم لطلاب الصف التحضيري، كان تشيني أكثر اهتماماً بلعب «الكوتشينة» مع زملائه في الفريق، والشرب مع نادي ليّ الأذرع، وتجميع البالونات لمعركة البالونات المائية في نهاية السنة المدرسية.

لم يستطع تشيني أن ينجح في جامعة ييل، مع أنه كان طالباً ممتازاً في المدرسة العليا. وكانت المادة الوحيدة التي يتذكر أي شخص أنها كانت تثير اهتمامه هي مقدمة للعلاقات الأميركية الدولية، التي كان يعلّمها الدكتور إتش برادفورد ويسترفيلد، الذي أصبح فيما بعد خبيراً دولياً ذائع الصيت في العمليات السرية للسي آي إيه، وكان أستاذاً شاباً ذا شعبية.

حيث كان في ذلك الوقت صقراً شديد الحماسة بالنسبة للشؤون الخارجية. وكمدافع عن الانخراط الأميركي في صراعات الحرب الباردة، فإنه يتذكّر تعليمه لطلابه «بأن انتشار الشيوعية قد تم كبحه على أيدي مقاتلي الحرب الباردة الشجعان».

قال ويسترفيلد لصحيفة الواشنطن بوست، بعد سنوات لاحقة، أنه أكد أن العالم في غمرة صراع عالمي طويل الأمد على الطراز السوفييتي، وأنه كان يدعو إلى الرأي القائل إن الإطاحة بالحكومات الأجنبية تصرف مسموح به، إذا كان تغيير النظام يقلب كفة الميزان لمصلحة الغرب وضد الاتحاد السوفييتي.

يتذكر جاكوب بلوتكن أن تشيني، في خروج بارز على استجابته لمعظم الدورات، كانت تستثيره حصص ويسترفيلد والقضايا التي تثيرها. ولم تتلاش الإثارة أبداً، فبعد أكثر من أربعين سنة، وبينما كانت الولايات المتحدة تشن اجتياحاً استباقياً لا سابقة له بهدف «تغيير النظام» في العراق، واصل تشيني إعطاء الفضل لويسترفيلد لأنه عزّز اهتمامه في الشؤون العامة.

إضافة إلى تلك الإشارات في حصص ويسترفيلد، لا يوجد أي دليل يوحي بأن أية أفكار أخرى قد زرعت في رأس نائب الرئيس المستقبلي خلال الفترة التي قضاها في جامعة ييل، فلم يعتد تشيني على حضور الحصص بشكل منتظم، فغادر تلك الجامعة بعد طرده من الفصل الدراسي الثالث، ليعود إلى ويومنغ ليلعق جراحه الأكاديمية.

وبعد سنوات أخذ تشيني يستخفّ بفشله في جامعة ييل، مازحاً مع مراسل لمجلة بيزنس ويك لقد شعرت بمدى افتقاري إلى التوجه لكنني قضيت وقتاً جيداً».

وفي مقابلات أخرى كان يقول: «إنني لم أحب الشرق»، وفي الحقيقة فإن تشيني كان يحب الشرق بشكل كبير، حتى إنه واصل محاولة العودة إلى جامعة ييل.

ففي رفضه لقبول أنه لم يكن أهلاً لرابطة الجامعيين، عاد إلى نيو هافن بعد سنة من رحيله عن ييل ليقوم بمحاولة أخرى لإكمال سنته الثانية في الكلية، لكنه فشل مرة أخرى، وحصل على نتائج سيئة أدت إلى إلغاء بعثته الدراسية.

لم يكن باستطاعة ديك تشيني أن يحصل على شهادة رابطة الجامعيين، أو يصبح خريجاً جامعياً مثل كيري أو بوش. وانسحب رسمياً من جامعة ييل في 14 يونيو 1962 وانصرف إلى السكر والعربدة.

يحب تشيني أن يستذكر أنه قضى سنتين في أوائل الستينات في «تحديد خطوط الطاقة» مع طاقم كان يعمل في روك سبرينغز، ويومنغ، وهو بطبيعة الحال يحب أن يبرز بطاقته النقابية عندما يكون هذا مناسباً.

لكن كان من الواضح من البداية أن تشيني كان عامل خطوط شاذاً؛ فمع أنه انضم إلى الاتحاد فإنه لم يتبنّ وعي الطبقة العاملة، التي جعلت من روك سبرينغز والمنطقة المحيطة بها، العمود الفقري للسياسات الديمقراطية الشعبية في ويومنغ طوال معظم القرن العشرين.

لم تكن روك سبرينغز مدينة محافظة، أيدولوجياً أو سلوكياً؛ فهي كمدينة تعدين قاسية، كانت مأهولة بمهاجرين من سلوفينيا والمجر وبولندا وإيطاليا، وقبل اضطرابات عرقية بغيضة، من الصين.

وتخلى المستوطنون الأوائل عن التقوى ليسموا جدولاً يجري عبر كيلبيكر كريك ـ إشارة إلى التأثير السيئ الذي كان لمياهه على المسالك البولية للذين كانوا يشربون من مياهه.

تشيني المخالف للقانون

ربما لم يكن أمراً مثيراً للدهشة أن الحانات التي تقدم بدائل لإمدادات المياه غير المرضية كانت عديدة، وأن ديك تشيني الشاب، الخارج حديثاً من الفشل في ييل، وجد السلوى في الجعّة المخمرة التي توزعها مؤسسات الشرب الكثيرة في المدينة. ربما كان تشيني محافظاً فعلاً، لكنه رسى ليبرالياً لكن بشكل طائش.

ففي نوفمبر 1962، في أيام أزمة الصواريخ الكوبية، طرد تشيني من العمل؛ لأنه كان يقود مركبة بينما كان مخموراً يتجول بها في «شيين»، وقد وجد قاضي شرطة في شيين أنه مذنب؛ فأمر بسحب رخصة سواقة الشاب ابن الحادية والعشرين لمدة ثلاثين يوماً .

وبالإضافة إلى ذلك، تم تغريمه قيمة الكفالة البالغة 150 دولاراً، والتي كان قد أودعها ليلة اعتقاله. ولم يبد أن هذه المخالفة للقانون ذات تأثير كبير عليه، فبعد ثمانية شهور من الاعتقال الأول، ضبطه شرطي من روك سبرينغز لأنه كان يقود سيارة وهو مخمور.

وبعد مخالفته الثانية للقانون، قال تشيني لأحد من قابلوه بعد سنوات إنه اضطر «إلى التفكير حول الوجهة التي يتجه إليها: كنت أنزلق في طريق سيئ إذا واصلت ذلك المسار». كانت لين حازمة بأنها لا تريد قضاء بقية حياتها متزوجة من فنّي خطوط». فالحب الحقيقي يمكن أن يغفر كل الأمور، لكن لين لم تكن لتغفر لديك كونه عاملاً.

قال تشيني لصحيفة الواشنطن بوست عندما كان وزيراً للدفاع: «كان واضحاً أن لين لا تريد الزواج من فنّي خطوط. كان علي أن أحقق لنفسي شيئاً إذا أردت أن أكمل العلاقة، لذلك عدت إلى الكلية في جامعة ويومنغ، وأكملت البكالوريوس والماجستير فيها.»..

وفي الحقيقة لم يكن تشيني طالباً في جامعة ويومنغ عندما غادر روك سبرينغر في يناير ،1963 فقد سجّل في كلية كاسبر، وهي معهد عالٍ في موطنه، لفصل دراسي لتصويب سجله.

وهذا مكنه من التأهل لتأجيل التجنيد بالقرعة استناداً إلى وضعه كطالب، مما سمح له بالبدء في سلوك طويل للتملّص من التجنيد. وبعد أن أثبت أنه يمكن أن ينجح في ذلك في معهد عال، انتقل تشيني إلى جامعة ويومنغ في لارامي.

حيث أصبح ديك التائه، في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، شاباً في عجلة من أمره. تزوج من لين في 1964 وأخذ العلوم السياسية موضوعاً رئيسياً، وبدأ يقيم العلاقات التي حولت فني الخطوط، خلال أقل من عقد، إلى رئيس كفؤ لطاقم البيت الأبيض.

حصل تشيني على أول فرصة سياسية له عندما منح فترة تدريبية مع مجلس شيوخ ولاية ويومنغ. ومع أن الأجر لم يكن كبيراً بالنسبة لرجل متزوج ينتظر أطفالاً ـ 300 دولار لفترة عمل تمتد أربعين يوماً ـ فإن العلاقات التي أقامها كانت مهمة. ومع أن تشيني لم يكن جمهورياً فعلاً؛ فإن فترة التدريب جعلته كذلك.

وحتى بعد انتصار ليندون جونسون الكاسح عام 1964 وهو آخر انتخاب رئاسي ظهرت فيه ويومنغ ديمقراطية، فإن الجمهوريين كانوا يسيطرون على مجلس شيوخ الولاية.

وهكذا كان تشيني جمهورياً وبدأ التحرك في الدوائر الجمهورية ـ يعقد الصداقات مع المتنفذين في الحزب، مثل رئيس مجلس نواب ويومنغ، دارين مورتون، ووزير خارجية ويومنغ المستقبلي جون ماير، والسناتور المستقبلي آلان سيمبسون.

أثبتت تلك العلاقات مع الشخصيات السياسية التي أرست الجذور الحقيقية في ويومنغ أنها حيوية، بعد أن أحرز تشيني درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة ويومنغ في 1965.

وحصل على الماجستير في المجال نفسه بعد سنة، ثم انطلق بها من ويومنغ. وبعد العيش في الولاية حوالي عشر سنوات، رحل عنها بصورة نهائية. لكن بمساعدة مورتون وماير وسيمبسون، استطاع أن «يعود» إلى الولاية عندما احتاج إلى مقعد في الكونغرس، أو إقامة قانونية لم تكن في تكساس.

عندما كانت المتاعب على الساحة الوطنية تعيد تشيني إلى الولاية ليدعي أنها موطنه، كان يمكن دائماً الاعتماد على مورتون لتحرير شيك حملة انتخابية ليقول للمراسلين: «إنه ابن حقيقي لولاية ويومنغ؛ فهذا ليس ادعاءً من جانبه».

إن ذلك لم يمنع ناقدي تشيني من وصفه بأنه أفّاق نفعي، عندما فقد السلطة بعد هزيمة جيرالد فورد في انتخابات 1976 الرئاسية، هبط رئيس طاقم البيت الأبيض السابق بالمظلة في ويومنغ ليقوم بسباق ناجح في 1978 لمقعد في مجلس النواب الأميركي. وقد أصاب مدير حملة واحد من خصومه عندما قال:

«كانت ويومنغ دائماً الخيار الثاني لديك تشيني»، لكن بدعم من مورتون وماير وآخرين، فاز تشيني بالمقعد ـ مع بطاقة تعيده إلى واشنطن، حيث أخذ مقعداً في لجنة الداخلية التابعة لمجلس النواب. ومضى قدماً ليصبح واحداً من أكبر الدعاة في الكونغرس للتعدين والتنقيب ورمي النفايات في ويومنغ وسلبها.

يظل تشيني حتى هذا اليوم، واحداً من أكثر دعاة أميركا حماسة للرأي القائل إن ولايات مثل ويومنغ ليست أكثر من مصادر وقود بالنسبة للأماكن التي يرغب تشيني وأمثاله في العيش فيها، حسبما أظهر تركيزه كنائب للرئيس على قضايا الطاقة.

بعد أن ترك مجلس النواب في 1989 ليخدم كوزير للدفاع في ظل جورج هيربرت ووكر بوش، لم يبد تشيني أي اهتمام بالعودة إلى ويومنغ. وقد أقام في إحدى ضواحي واشنطن. وبعد غزوة فاشلة في السياسات الرئاسية انتقل إلى دالاس، تكساس، ليصبح الرئيس التنفيذي لشركة هاليبرتون.

ومع أواخر التسعينات، كانت لين تشيني ترسل مذكرات إلى رابطة خريجي كليتها في كولورادو توضح فيها أنها وديك يعيشان في دالاس، لكنهما حاولا العودة إلى ويومنغ، أكثر من مرة. كانت عائلة تشيني تعيش في هايلاند بارك وهي ضاحية ارستقراطية في مقاطعة دالاس، حيث سجل تشيني للتصويت في ديسمبر 1995.

وكما هو حال كثير من الرؤساء التنفيذيين، مال تشيني إلى «المشاركة» في عالم السياسة لتحرير شيكات المساهمة في الحملات الانتخابية وليس بالتصويت فعلياً.

وخلال وجوده في شركة هاليبرتون، أعطى أكثر من 000 ,55 ألف دولار كمساهمات في الحملات، وفقاً «لمركز السياسة المستجيبة»، لكنه أغفل 14 من 16 انتخاباً على المستوى المحلي والفدرالي ومستوى الولايات بين 1995 و2000، لكن تشيني أدلى بصوته في سباق 1996 الرئاسي.

وسباق حاكم تكساس عام 1998، عندما صوّت، حسبما يفترض، للزميل التكساسي جورج دابليو بوش. ومع أن تشيني لم يكن مواطناً جيداً في تكساس؛ فإنه كان يقيم في الولاية، حيث حمل رخصة قيادة سيارة تحمل عنوانه في هايلاند بارك وحيث كان يسجل سياراته ويدفع ضرائبه.

العودة إلى ويومنغ

أصبح ذلك الأمر مشكلة عندما اختار تشيني نفسه في صيف 2000 ليدخل كمرشح لمنصب نائب الرئيس. فالتعديل الثاني عشر للدستور الأميركي يحظر على الرئيس ونائب الرئيس العيش في الولاية نفسها.

وهكذا، ووفقاً لأعلى قانون في البلاد، لم يكن ديك تشيني التكساسي مؤهلاً لخوض الانتخابات مع جورج بوش التكساسي. فما العمل؟ ذهب تشيني بسرعة إلى ويومنغ مرة أخرى؛ ليعلن أنه من سكان ولاية لم يعش فيها.

وفي تشرين الثاني صوت تشيني لنفسه ولبوش في صندوق اقتراع تابع لولاية ويومنغ، قبل أن ينتقل إلى مقرّ نائب الرئيس في واشنطن.

لكن بقيت هنالك القضية غير الملائمة حول المكان الذي يتخذه هذا الغربي المخلّ بالقانون كمقرّ رسمي في ويومنغ. لا داعي للقول إن أقوى رجل في العالم لم يعد إلى المدينتين العماليتين، كاسبر أو روك سبرينغز.

بل أعلن أن بيته فيلا إجازات فخمة قيمتها 9 ,2 مليون دولار في مقاطعة تيتون. وهذه المدينة تشكل مرتعاً للأغنياء والمشاهير. وكانت تتصف بأعلى دخل للفرد في البلاد. وتضم هذه المقاطعة منتجع جاكسون هول، ومنتجعات تزلج أقرب وهي تجتذب أرقى النخب ذات الأسماء الكبيرة مثل دوبونت وروكفلر. كما أن أسعار المساكن مرتفعة جداً.

وفقاً للكاتب دون بيتشر «فإن قبعات الكاوبوي في جاكسون تبدو وكأنها تحدّ الأسعار. ومن المؤكد أن هذه ليست روك سبرينغز». يوضح بيتشر قائلاً: «في أجزاء أخرى من ويومنغ، ينظر إلى جاكسون بمزيج من الرهبة والازدراء ـ الرهبة من اقتصادها المزدهر والازدراء لأن جاكسون ليست مدينة حقيقية بل هي واجهة زائفة لبيع الأشياء للغرباء».

إن ملك الغرباء هو ديك تشيني، الذي يصل بالطائرة إلى مطار جاكسون هول، حيث أدى ضخّ الأموال الفيدرالية إلى توسيع مدرج صغير يستوعب الآن طائرة سلاح الجو رقم 2، وينقل في موكب من سيارات سوداء ذات شبابيك مطلية بالأسود إلى المجمّع الوحيد ذي البوابات في جاكسون هول.

وعلى الجانب الثريّ من البوابة، «هنالك مجمع يهيمن عليه مبنى رئيسي ضخم يبدو مثل مطار مزيّن بشكل جميل، مع مطعم ذي ديكورات جميلة يطلّ على مبان رائعة الديكور» وفقاً للمؤلف ومواطن جاكسون هول، ناثانيل بيرت، الذي يقول: «يمكنك أن تطير من لوس أنجلوس، تلعب الغولف، وتطير عائداً دون أن تشعر أنك غادرت البيت».

ووفقاً لما يقوله بيرت؛ فإن ويومنغ ديك تشيني تعتبر دليلاً صارخاً لجاكسون هول الجديدة ،التي تضم مليونيرات ومليارديرات من جميع الأنحاء.

والذين بنوا قصوراً ضخمة وبرك سباحة حتى يستطيعوا التمتع بالحياة البسيطة للغرب القديم. وجد ديك تشيني وراء البوابة التي تبقي ويومنغ الحقيقية منيعة، زاوية الولاية التي يقدرها بقدر تقدير جمهوري آخر، تيدي روزفلت لبرية ويومنغ، التي تدمّرها سياسات الطاقة المفتوحة للتجارة، والتي ينتهجها تشيني.

ففي هذا المكان، في ملاذ لأغنى الأغنياء الذي صدف وجوده في يومنغ يمكن لرئيس تنفيذي لصناعة الطاقة، أو حتى لنائب رئيس أن يستريح بعد يوم من سلب البيئة، ويثبت العلامة المميزة على قبعة جديدة، وينتعل حذاء طويلاً لماعاً ويرتدي لباس كاوبوي.

وكل ما تقدم بحسب رواية جون نكولز مؤلف الكتاب نصا وترجمة : محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية

 المصدر : البيان الأماراتية - 2006-02-15-