كتاب الفرصة

 

 

ريتشارد هاس

 

تكمن أهمية هذا الكتاب في عاملين رئيسيين، أولهما هدف الكتاب وهو طرح مفهوم "الاندماج" كمفهوم إستراتيجي محوري يجب أن تصاغ السياسة الخارجية الأميركية حوله، كبديل للمفاهيم السياسية الكبرى كالاحتواء والمواجهة التي صيغت السياسيات الأميركية حولها خلال الحرب الباردة وبعدها.

ويرى هاس أن الولايات المتحدة يجب أن تنتهز الأوضاع الدولية الراهنة لصياغة نظام عالمي جديد يقوم على دمج دول العالم المختلفة في نظام من القواعد والسياسات الدولية التي تضمن السلام والأمن والنمو الاقتصادي عبر العالم تحت قيادة أميركية.

أما العامل الثاني فهو ريتشارد هاس نفسه ولغته السياسية التي تجمع بين المثالية والواقعية في آن واحد، فهو سياسي ودبلوماسي مرموق وواسع النفوذ أصر على أن يكتب كتابا خاليا من المفاجات أو الخبطات الإعلامية والسياسية المثيرة حول طريقة صناعة السياسية الأميركية خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش.

 عناصر الفرصة الدولية الراهنة

تدور الفكرة المحورية للكتاب حول إيمان ريتشارد هاس بوجود فرصة "هشة" أمام أميركا "للقيادة في عصر به قدر مناسب من السلام والرخاء والحرية" وخوفه من أن "أميركا لا تستفيد كل الاستفادة من هذه الفرصة"، ويعبر هاس عن خوفه من حكم الأجيال القادمة على أميركا وعن دورها في صياغة النظام العالمي الراهن، فالقيادة الأميركية للعالم أمر واقع خلال الفترة الحالية، ولكن لا أحد يعرف بالضبط مسار هذه القيادة، وحكم الأجيال القادمة عليها.

فالفترة الدولية الراهنة -كما يرى هاس- هي مفترق طرق أو فرصة هشة لها ما يساندها وأمامها تحديات كبيرة، والفرصة الحالية تكمن في عوامل هامة مثل غياب الصراع بين الدول الكبرى خاصة على المستوى العسكري، وغياب الصراع الكلاسيكي بين القوى الكبرى على السيطرة وبسط النفوذ.

فالمشاكل الرئيسة التي يواجهها العالم اليوم من أمراض وإرهاب ومجاعات وحروب أهلية تأتي من الدول الصغيرة المنهارة أكثر مما تأتي من الدول الكبرى. هذا إضافة إلى سيطرة أميركية غير مسبوقة تاريخيا ولكن هذه السيطرة ليست بلا تحديات، فالقوة الأميركية -كما يؤكد هاس- لها حدود، ومن يشك في ذلك فعليه أن ينظر إلى ما يجري في العراق وأفغانستان حاليا، فمعارضة بعض دول العالم السلبية لأميركا تستنزف موارد أميركا.

كما أن أميركا لا تستطيع زيادة عدد جيشها بسبب قيود داخلية ورفض الشعب الأميركي للتجنيد الإجباري، كما تعاني من هشاشة في حماية أمنها الداخلي بسبب اتساع أرجائها وحرية التحرك داخلها ولكون الجيش الأميركي ليس مدربا على القيام بمهام حفظ الأمن الداخلي، فالحرب تعني تقليديا للجيش الأميركي الحروب الخارجية النظامية وليس عمليات حفظ السلام والأمن الداخلي.

أضف إلى ذلك حاجة أميركا للنفط وطبيعة المشاكل الدولية الراهنة كالأوبئة والإرهاب التي يصعب على دولة بمفردها مواجهتها وحدها، فاللحظة الدولية الحالية خليط من الفوضى والنظام، ومزيج من عناصر القوة وعناصر الضعف.

إستراتيجية الاندماج وأولويتها

لمواجهة الفرصة الراهنة وتحدياتها يدعو ريتشارد هاس الولايات المتحدة إلى دمج دول العالم المختلفة في نظام عالمي أميركي، تحت قيادة أميركية لمواجهة تحديات العصر الراهن، وهي تحديات طبيعية تفرضها إلى درجة ما قوى العولمة.

لذا يطالب هاس أميركا بتبني مفهوم الاندماج كمفهوم رئيسي محرك للسياسة الأميركية بدلا من المفاهيم الإستراتيجية القديمة كالاحتواء أو المواجهة.

وتقوم إستراتيجية الدمج على عدة عناصر أساسية، أولها تقارب أميركا مع دول العالم الكبرى وسعيها للحصول على إجماعها على معايير النظام الدولي الأميركي.

أما العنصر الثاني فهو تحويل إجماع الدول الكبرى السابق إلى التزامات ومعاهدات وسياسات دولية معروفة، في حين يكون العنصر الثالث هو إشراك دول العالم المتوسطة والصغرى في هذا النظام.

فإستراتيجية الدمج كما يراها هاس هي إستراتيجية هيراركية، تقوم على كسب موافقة وتعاون الدول الكبرى أولا على النظام العالمي الأميركي، على أن تأتي موافقة الدول المتوسطة والصغرى بعد ذلك.

 الصغرى والمتوسطة، كالمجاعات والحروب الأهلية.

كما يحدد هاس أربعة مبادئ رئيسية لإستراتيجية الاندماج وهي مكافحة الحروب الإثنية والعرقية، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وكسر الحواجز أمام التجارة الحرة.

 سياسات بوش وإضاعة الفرصة

يقول هاس إن نشر الديمقراطية أمر هام، ولكنه لا يصلح أن يكون هدف أميركا الرئيسي، فالديمقراطية لكي تتحقق تحتاج فترة زمنية طويلة، والعالم لا يمكن أن يقف صامتا أمام مشكلات كالمجاعات والحروب الأهلية في انتظار حلول الديمقراطية في دول منهارة.

كما يرى هاس أن نشر الديمقراطية ليس شرطا ضروريا لتحقيق السلام، مشيرا إلى أن أميركا تمكنت من تحقيق السلام مع روسيا الديكتاتورية، كما أن إسرائيل أبرمت معاهدات سلام مع أنظمة شرق أوسطية غير ديمقراطية، لذا يطالب هاس بوش بعدم تعليق عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية على شرط بناء الديمقراطية الفلسطينية.

وفي الفصل الثالث من كتابه يرى هاس أن الحرب على الإرهاب لا تصلح لأن تكون الشغل الشاغل للإستراتيجية الأميركية، حيث أن تلك الحرب ليست لها ساحة محددة أو نقطة بداية ونهاية كالحروب التقليدية.

فالحرب على الإرهاب أشبه بالحرب على الأوبئة، حرب لا تنتهي بحكم استحالة القضاء على الأوبئة، هذا إضافة إلى أن الحرب على الإرهاب لا تتعامل إلا مع أحد الأخطار الرئيسية التي تواجه النظام العالمي الراهن.

خاتمة

في النهاية يرى ريتشاد هاس أن فشل أميركا في العراق أو في استغلال الفرصة الدولية الهشة القائمة لن يضر بأميركا وحدها وإنما سيضر بالعالم وبمصالح الدول الكبرى، إذ إن من مصلحة دول العالم الكبرى -بما في ذلك القوى الصاعدة سريعا كالهند والصين- الحفاظ على مدة طويلة من الاستقرار والسلام العالميين بما يضمن لها الاستمرار في النمو والتقدم الاقتصادي.

لذا يحث هاس في خاتمة كتابه دول العالم على أن تأخذ على يد أميركا وأن تساندها في انتهاز الفرصة الدولية الراهنة، على أن يحدث ذلك في أقرب وقت وبأكبر سرعة ممكنة قبل فوات الأوان

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر:جريدة الصباح – 19-1-2006