إنتاجنا المعرفي بين الجامعات والحوزات... فقه التعاون للشيرازي مثالاً

 

المهندس فؤاد الصادق

 

لـمـاذا الإنتاج المعرفي مرة أخرى ... وتحديداً المعرفي لا العلمي ؟

 

لأن المعـرفـة قـوة ... أي أنها يمكن أن تتحول إلى مصدر للقوة بالمعنى الشامل للقوة السياسية ، الدبلوماسية ، الإقتصادية ، المالية ، الإعلامية ، العسكرية ، الأخلاقية ، الثقافية ، الفنية ، التعلمية ، الإجتماعية ، الصناعية ، التكنولوجية ، الصحية ، الدينية ، التربوية ، الترفيهية ، و...الخ .

لأن المعـرفـة التي نقصدها هنا هي المعرفة وفقاً لأرباب هندسة المعرفة ، ولذلك كان إختيارنا في العنوان الإنتاج المعرفي دون العلمي لأن تأخرنا يعود إلى أزمتنا المعرفية ، وتراجع إنتاجنا المعرفي كماً وكيفاً ، ومنذ أمد طويل ، ولاسيما فيما يرتبط بحقول "ما وراء المعرفة" (Metacognition) ، أومجالات "المعرفة حول المعرفة" التي تتنناول الوعي المعرفي بالذات ، أي وعي الأمة بما تعرفها ، أووعي الفرد بما يعرفه ، وربط ذلك مع مشكلة قائمة أمامه إسـتقداماً لحل تلك المشكلة .

أجلْ ترتبط المعرفة المقصودة بالعمل ، الواقع ، التطبيق ، المرض والعلاج ، المشكلة والحل ، الممارسـة والتطوير ، إحتياجات الأمة وأولوياتها وإهتماماتها ومشكلاتها الفردية والجمعية ، والواقع المعيش ، بينما العلم يمكن أن لا يكون كذلك كما هو الحال في الكثير من البحوث النظرية البحتة ، أوالترفية ، أوالمستهلكة ، أوغير النافعة ، أو... الخ ، وليس في ذلك إستهانة بالعلم لأنه لا معرفة دون علم .

ولعلاقة المعرفة بالعمل أوالأداء - في مفهوم المعرفة - يذهب البعض مثل "نانوكا" في تعريف المعرفة على أنها :

"الإيمان المحقق الذي يزيد من القدرة على العمل الفعال".

وبهذا فهو يعرفها وظيفياً ، وكأنه يجيب على سؤال افتراضي يقول :

ماذا يمكن أن تفعله المعرفة ؟

ولذلك ربما يمكن الإدعاء بأن ذلك من أهم ما يميز المعرفة عن كل من العلم ، والفكر .

النصوص بين العلم والمعرفة

النصوص المقدسة التي تتناول العلم والعمل تؤكد على العلم النافع من جهة ، وعلى العمل بالعلم من جهة ثانية ، وتستزرع العلم الموجب للعمل من جهة ثالثة ، و... الخ ، ولذلك ربما يمكننا الزعم بأن تلك النصوص في المحصلة تملي المعرفة العلمية بالمفهوم المتقدم للمعرفة بمعنى طلب "المعرفة العلمية" فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وبناءً على ماتقدم يمكننا الإستدلال بالروايات التي تتناول العلم للمعرفة فنقول :

نعم المعـرفـة قـوة ، وقد قالها قبل حوالي 14 قرناً الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قبل فرنسيس بيكون (1561 - 1626) م :

( وأما العلم ، فيتشعب منه الغنى ، وإنْ كان فقيراً ، والجود ، وإنْ كان بخيلاً ، والمهابة ، وإنْ كان هيناً ، والسلامة ، وإنْ كان سقيماً ، والقرب ، وإنْ كان قصياً ، والحياء ، وإنْ كان صلفاً ، والرفعة ، وإنْ كان وضيعاً ، والشرف ، وإنْ كان رذلاً ، والحكمة والحظوة ، فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه .  فطوبى لمنْ عقل ، وعلم ) .

لأن المعـرفـة - بالمفهوم المتقدم - قـوة ... أي أنها تتحول إلى قاعدة للنهوض ، ومصدر للقوة بالمعنى الشامل المذكور .

ويعني ذلك ان المعـرفـة تمتلك القدرة على الإستقلاب الإيجابي الكامل لتحويل الضعيف إلى قوي ، أولتحويل الضعف إلى قوة ... الهزيمة إلى نصر ... العجز إلى إقتدار ... التخلف إلى تقدم ... النقمة إلى نعمة ...الخ .  

إذن المعرفة والعمل متلازمان مفهوماً ، وذلك من أهم ما يميزها عن العلم ، ولذلك  ولقدرتها الإستقلابية الإيجابية الفريدة كان سؤالنا في مقدمة البحث عن الإنتاج المعرفي لا العلمي .

لكن :

منْ المسـؤول عن إنتاجنا المعرفي ؟

لاشك أن الجامعات والمعاهد والحوزات العلمية ومراكز الدراسات والبحوث هي المسؤولة ، والمشكلة تكمن في أن أغلب دراسات وبحوث ومؤلفات تلك الجهات لم ترتبط باحتياجات المجتمع ومشكلاته ... أي أنها ليست بمعرفية ، ولذلك تبقى محلقة في برج عال لا صلة لها بالمجتمع .

كم منا سمع عن نتائج دراسة بينت خللاً معيناً في جانب من الجوانب ؟

وقدمت الحلول العملية التطبيقية لمعالجة ذلك الخلل بعيداُ عن التكرار ، و التدوير المحير للبيانات والمعلومات بعيداً عن المعرفة والتمثيل المعرفي .

لاشك أنها قليلة لكن كتاب "فقه التعاون" للفقيه السيد مرتضى الشيرازي يتصدرها لأنه يتصدى لمعالجة خلل عظيم يتلخص في غياب التعاون لأسباب منها إنحسار قيمته في الجانب الأخلاقي ، والجهل بكل من القيمة الإيمانية والتشريعية للتعاون إضافة إلى مأساة تعميم الندب التي يعاني منها في جانب القيمة التشريعية .

انها محاولة أصولية تأصيلية جريئة نابعة من صلب إحتياجات المجتمع ، ومن أعماق حقول "ما وراء المعرفة" المهجورة .