هل هناك منافسون لأمريكا ؟

 

 

عنوان الكتاب: ما بعد العالم الأمريكي The Post-American World

المؤلف: فريد زكريا Fareed Zakaria

تاريخ النشر: 5 مايو 2008

دار النشر: W. W. Norton

عدد الصفحات: 288 صفحة

عرض : عمرو عبد العاطي

 

 

تُواجه الولايات المتحدة الأمريكية العديد من التحديات على الصعيدين الداخلي والعالمي، والتي أثارت العديد من التساؤلات كان أهمها هل انتهي عصر الأحادية الأمريكية؟. وفي إطار الإجابة على هذا التساؤل الذي أضحي محور العديد من الكتابات الغربية والعربية بل والأمريكية، انقسمت الإجابات على هذا التساؤل المحوري إلى تيارين. التيار الأول يري أن الولايات المتحدة الأمريكية في طريقها إلى السقوط والانهيار؛ نظراً للتمدد المفرط (overstretch) الذي تحدث عنه المؤرخ البريطاني "بول كينيدي Paul Kennedy" بجامعة ييل Yale University في كتابة المعنون بـ "سقوط وانهيار الإمبراطوريات العظمي The Rise and Fall of the Great Powers"، والذي ينطلق فيه من أن الالتزام والتوسع الخارجي يكون بداية انهيار القوي الكبرى مقارنة بالإمبراطوريات السابقة (الرومانية والبريطانية)، وقد تنبأ كيندي في كتابه بسقوط الولايات المتحدة الأمريكية؛ نظراً للتوسع الأمريكي الخارجي، والذي أثقل كاهلها لاسيما بعد حربي أفغانستان (2001) والعراق (2003). وكان لسياسات واشنطن عالمياً انعكاساتها الملحوظة على الداخل الأمريكي.

هذا في حين يري التيار الأخر أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تكون فاعل في أي نظام دولي جديد رغم العديد من الأزمات التي تواجهها في العديد من المجالات، استناداً على أن المجال مازال أمامها للاستمرار والإصلاح من إخفاقاتها؛ للحفاظ على تماسكها وهيمنتها وتفوقها على الصعيدين الداخلي والعالمي. ومن مؤيدي هذا التيار مدير مجلس العلاقات الخارجية The Council on Foreign Relations، والباحث والأكاديمي والسياسي المتميز "ريتشارد هاس Richard N. Haass" في مقالته المنشورة بدورية الشؤون الخارجية (Foreign Affairs) عن شهري مايو- يونيو 2008 والمعنونة بـ "عالم بلا أقطاب The Age of Nonpolarity"، والتي تنطلق من أن الولايات المتحدة سوف تظل فاعل دولي رغم ظهور العديد من الفاعلين الجدد، وأن الولايات المتحدة هي الدولة القادرة على إدارة هذا التحول. وكذلك أيضا محرر النسخة الدولية لمجلة "النيوزويك Newsweek" "فريد زكريا Fareed Zakaria" في مقالته المنشورة في العدد الذي كتب فيه هاس والمعنونة بـ "مستقبل القوة الأمريكية The Future of American Power"، والتي تُعد جزءاً من كتابه الجديد المتميز والذي يحمل عنوان "ما بعد العالم الأمريكي Post American World" والذي سيكون محور عرضنا في التقريرين التاليين.

فكرة الكتاب

هذا الكتاب ليس للحديث عن تراجع وسقوط الولايات المتحدة، ولكنه أكثر تركيزاً على صعود القوي الأخرى. والذي يأتي بعد الكتاب المتميز الذي ألفه من قبل والمعنون بـ "مستقبل الحرية The Future of Freedom"، الحاصل على أفضل الكتب مبيعاً حسب صحيفة "نيويورك تايمز New York Times".

يحاول الكتاب الإجابة على عدة تساؤلات تشغل بال صانعي القرار الأمريكي والمفكرين الاستراتجيين من قبيل: كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذا التغير الجوهري في بنية النظام الدولي الحالي الذي تتربع على قمته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق؟، هل ستظل الولايات المتحدة فاعل في هذا النظام أم سيتراجع دورها؟، وهل هذا النظام الجديد سوف يضر بالمصالح والمكانة الأمريكية عالمياً؟. تلك التساؤلات وغيرها الكثير كانت محور الكتاب الذي يدمج بين النظرة المتفحصة للواقع، والنظرة المستقبلية التحليلية لهذا الواقع الدولي الجديد، بصورة مشوقة ومعتادة على كتابات زكريا.

ينطلق الكتاب من أن صعود القوي الأخرى المناوئة للولايات المتحدة كـ (الصين، الهند، البرازيل، وروسيا) سوف يكون القضية المسيطرة على النقاش الدولي، وأن تلك القوي سيكون لها دور لا يمكن إنكاره في تشكيل النظام الدولي الجديد. فيقول أن واشنطن لم تعد متفوقة على باقي القوي الصاعدة في المباني الشاهقة أو مبيعات الأفلام أو عدد التليفونات الخلوية، فقد تفوقت العديد من الدول عليها في تلك المجالات والعديد من المجالات الأخرى. ويري أن النمو الاقتصادي للعديد من القوي الصاعدة يُمكنها من أن يكون لها تأثير سياسي، فضلاً عن التفاخر والعزة القومية، ولكن هذا الصعود وتعدد القوي من وجه نظره قد يعمل على إحداث مشاكل واضطرابات عالمية تتطلب أن يكون للولايات المتحدة دور في هذا النظام الجديد يتحدد على قدرة واشنطن التعافي من أزماتها الاقتصادية والسياسية.يقوم منهج زكريا في معالجة هذه القضية على عقد مقارنات بين القوي السابقة والقوة الحالية للولايات المتحدة الأمريكية. والإحصائيات والبيانات التي تُدعم فكرته الساعي إلى إثباتها في كتابه هذا. ويبدأ كتابه بالحديث عن العالم الذي لم تكن فيه الولايات المتحدة أي مكانة من التفوق الاقتصادي أو العسكري والهيمنة الثقافية.

تحولات النظام الدولي الجديد

ينطلق زكريا في كاتبه من أن هناك ثلاثة تحولات بنائية جوهرية مر بها النظام الدولي خلال الخمسة القرون الماضية، وهي تحولات سياسية وفي توزيع القوة، والتي كان لها جل الأثر في تغيير الحياة الدولية (السياسة الدولية). تمثل التحول الجوهري الأول الذي شهده النظام الدولي في صعود القوي الغربية والذي تشكل مع بدايات القرن الخامس عشر والمنتهي بصورة دراماتيكية في أواخر القرن الثامن عشر، وقد أنتجت تلك المرحلة التي شهدت الصعود الغربي الحداثة التي نعرفها من علوم، تكنولوجيا، تجارة، رأسمالية وثورة زراعية وصناعية. والتحول الثاني الذي شهده النظام الدولي والذي حدث في بدايات القرن التاسع عشر تمثل في الصعود الأمريكي. فبعد ثورتها الصناعية تحولت الولايات المتحدة إلى القوي العظمي منذ الإمبراطورية الرومانية، وكانت أكثر قوة من أي تجمع من الدول الأخرى. فتحي أواخر القرن الماضي كانت الولايات المتحدة مسيطرة على الاقتصاد العالمي وعلى التغيرات السياسة كما كانت القوي العلمية والثقافية ناهيك عن قوتها العسكرية. وحتى نهاية القرن العشرين كانت قوتها وسيطرتها غير منقطعة النظير، ولا سابق لها في التاريخ الحديث، حسبما ذهب زكريا في كتابه.

ويري أن التحول الحادث في النظام الدولي من صعود قوي أخري يُعد التحول الثالث الذي يشهده النظام الدولي المعاصر. ويشير إلى أن العديد من تلك الدول حققت معدلات نمو اقتصادية لم تكن متوقعة، وهذا الصعود يتجلي في القارة الأسيوية، ولكنه يري حصره في تلك القارة يبعد عن حقيقة التحول الحادث في النظام الدولي، فهناك قوي صاعدة من خارج القارة الأسيوية. ويدلل على ذلك أنه خلال عام 2006 و2007 كان هناك ما يقرب من 124 دولة تحقق نمواً بمعدل أو يفوق الأربعة في المائة سنوياً. منها 30 دولة بالقارة الإفريقية بما يمثل ثلثي دول القارة. وهذا ويتوقع Antoine van Agtmael - والذي صاغ مصطلح الأسواق الناشئة emerging markets- أن أربع شركات من القائمة التي تضم 25 شركة متعددة الجنسيات ستكون ذات قوي كبيرة، تحمل جنسية كل من البرازيل، المكسيك، كوريا الجنوبية وتايون، وثلاثة من الهند، واثنين من الصين، وواحد من كل من الأرجنتين، شيلي، ماليزيا وجنوب أفريقيا ويطرح أمثلة أخر تُؤكد وجهة نظره حيث يقول أن أطول مبني في العالم يوجد "تايبيTaipei "، والذي سيتفوق عليه بناء (تحت الإنشاء) في دبي، وأغني رجل في العالم مكسيكي، وأكبر مجموعة تجارية عامة صينية. ويشير أيضا إلى التحولات الحادثة عالمياً إلي أن أصبحت لندن المركز المالي الرائد، ولكن الولايات المتحدة، كما كتب زكريا في كتابه، تظل القوي الكبرى في معظم المجالات أن لم تكن في كلها ويري أن التحول الحادث في النظام الدولي الجديد لا يقتصر على صعود قوي مناوئة للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذا التحول يشمل بروز قوي وفعالين دوليين دون الدولة القومية، لاسيما بعد تعرض سيادة الدولية لتحدي كبير من المنظمات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة – في الكثير من الأحايين – وأصبح هناك العديد من المنظمات الدولية كمنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي تشارك وتتداخل مع الدول القومية في مهامها الأساسية وفي هذا النظام الدولي الجديد نشهد صعود فاعلين كالجماعات الإرهابية والمخدرات والشركات متعددة الجنسية.التي أصبحت فاعل قوي لاسيما بعد أن أتاح تشعب النظام الدولي من أن تجد تلك المنظمات والفواعل الجديدة مناطق تمارس فيها قواتها. ففي الوقت التي تواجه فيه العديد من تلك الفواعل بتحديات من قبل دول فإنها تذهب إلى مناطق أخري لممارسة دورها. وهو الذي يتخلف عن النظام الدولي السابق من تعدد الأقطاب والذي كان بين دول قومية.

الفضل لأمريكا لصعود قوي جديدة

يري زكريا أن صعود القوي الكبرى يرجع إلى الدور والسياسة الأمريكية عالمياً. فيقول أنه خلال 60 عاماً الماضية ذهب الكثير من الساسة والدبلوماسيين الأمريكيين إلى كافة أرجاء العالم؛ لحث الدول على نظام السوق الحر، والحرية السياسية، ودفع التجارة والتكنولوجيا. كما علموا على حث الدول للتعامل مع تحديات النظام الاقتصادي العالمي، وتحرير عملاتهم وتطوير صناعاتهم. ويضيف أن الولايات المتحدة علمت على إفادة العالم من تقدمها وخبراتها في كافة المجالات ومناحي الحياة. والذي انعكس على تقدم الدول وازدهارها، وصعود قوي كبري تنافس واشنطن. فالصين والهند أصبحتا فاعلين إقليميين، كما أن دورها مؤخراً تعدي النطاق الإقليمي إلى العالمي، كما أن روسيا أصبحت أكثر عداوة، وأصبح الاتحاد الأوروبي يتعامل بحماسة قوية في الشؤون التجارية والاقتصادية ولكنه أيضا يشير إلى العديد من السياسات التي تُقلل من الأهداف الأمريكية السابق الإشارة إليها، فهناك رجال في الكونجرس يرفضون اتفاقية التجارة الحرة مع بعض دول أمريكا اللاتينية، فضلاً عن العديدين الداعين إلى رفض المزيد من القيود على نظام الهجرة للولايات المتحدة الأمريكية.

غياب المنافسة الحقيقة

في مقالة بمجلة النيوزويك Newsweek الدولية الأسبوعية التي يرأس تحريرها، كتب زكريا عشية الغزو الأمريكي للعراق أن الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمي دولياً، وأنها المتربعة على عرش النظام الدولي، وأن القوة الأمريكية – في وقت حرب العراق – قوة لا مثيل لها، وأعلن أنها ليس القوة العسكرية فقط، بل ذهب إلى أنها القوة الاقتصادية في تفوق على الدول الثلاثة التي تليها مجتمعة وهي :اليابان، ألمانيا وبريطانيا، وأنها دولة ذات نظام اقتصادي ديناميكي، وأكثر الدول شباباً من الناحية الديمغرافية، وذات مكانة ثقافية تفوق باقي دول العالم، ولعل هذا ما آثار حفيظة العالم ومخاوفهم.

وفي الوقت الذي يتزايد فيه صعود قوي منافسة للولايات المتحدة، يذهب زكريا إلى ما ذهب إليه ريتشارد هاس، في مقالته السابق الإشارة إليها، في أنه على الرغم من تزايد الناتج الإجمالي القومي الصيني ومعدل النمو الاقتصادي عن نظيره الأمريكي، إلا أن تلك الزيادة لا تذهب إلى الدفاع والقوة العسكرية؛ نظراً لتزايد عدد السكان، كما أن الهند أيضاً تواجه معضلة تزايد عدد السكان وتزايد معدل البيروقراطية وتراجع البنية التحتية، كما أن الاتحاد الأوروبي الذي يفوق ناتجه القومي الإجمالي نظيره الأمريكي لا يتحرك كأمة واحدة ـ دولة قومية ـ وليس قادر على لعب دور القوي الكبرى. هذا، في حين ينقص اليابان القوة السكانية بالإضافة إلى غياب الثقافية السياسية للعب دور القوي الكبرى، فضلا عن أن روسيا ـ وريثة الاتحاد السوفيتي السابق ـ تُعاني من أزمات اقتصادية وتحديات داخلية تُفقدها تماسكها. ويتشهد زكريا باستمرار مكانة أمريكا عالمياً بنجاحها في جمع ثمانيين دولة بمؤتمر أنابوليس Annapolis أواخر العام الماضي.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:taqrir.org