نبي إقرأ، لأمة لا تقرأ

 

علياء الانصاري

 

من جملة المفردات التي غيرت مجرى التأريخ، كانت (إقرأ)، ليس باعتبارها أول مفردة خاطب بها الوحي الالهي نبيه ليعلن بعثته الى الناس كافة مبشرا ونذيرا وسراجا منيرا، بل لانها اختزنت في أحرفها الاربع فلسفة الرسالة الاسلامية كلها!!

فيا ترى لماذا قال رسول الرحمة حالما سمعها: (ما أنا بقارئ)؟!، لست بصدد التفسير، فقد جاءت التفاسير بالشيء الكثير، ولكني أفهم جيدا (الآن اكثر من أي وقت مضى ونحن نحتفل ببابل عاصمة للثقافة العراقية)، لماذا قال (ما أنا بقارئ)، فكيف له ان يقرأ في أمة جاهلة؟! كيف له ان يكون الانسان المثقف في الامة الجاهلة؟! فالثقافة لا تعني القدرة على القراءة والكتابة، او الحصول على شهادة عليا في مجال ما، او التحلي بمنصب وزاري او وظيفي مهم، فالشهادة تمنح فرصة عمل ووجاهة ما، كما ان المنصب يضفي لمعاناً للإسم ورجالاً تركض وراءك وامامك وشيئا من الكرامة عند الناس!! ولكنها لا تصنع ثقافة!!

وذلك ما دفع رسول الانسانية الاعظم الى الاحساس بثقل المسؤولية، فقوله (ماأنا بقارئ)، لإحساسه بعظمة المسؤولية التي سيحملها عندما يكون مثقفا وسط جوقة من الجهلة والاعراب، عندما يسعى الى اخراج الانسان من ربقة ظلام العصبية والأنا وضيق الافق، الى نور الحرية والانفتاح ونكران الذات، كيف سيقرأ والناس من حوله عاجزون عن فك رموز أنفسهم والعالم من حولهم؟!

فمهمة الاسلام كانت في تغيير ثقافة الانسان وبالتالي ثقافة المجتمع، تلك الثقافة التي كانت قائمة على اساس ظلم الضعيف ومصادرة حقوقه وغلبة الاقوياء على مقدرات الامور، ثقافة قائمة على اساس وأد الفتاة وتشييء المرأة وإلغاء انسانيتها، لذلك قاتله الآخرون واضطهدوه وجعلوا منه شاعرا ومجنونا، ولذلك كان مبعوث الرحمة، لان من دواعي الرحمة بناء ثقافة قائمة على العدل والمساواة واحترام الآخر.

وخلال مسيرة البشرية تأصلت جملة من المفاهيم، حاول الكثير ان يشرعنها ويصبغها بصبغة الله دعما للمصلحة الخاصة، فكانوا خطاً مغايرا لخط رسول الانسانية، فعملوا على اضفاء (إقرأ) الرحمانية التي جاء بها الرسول الاكرم على ثقافتهم القديمة، ظانين ان تغيير لون الهيكل الخارجي لهم بلون الاسلام هو ما جاء لاجله محمد بن عبدالله (ص)، فكانوا مثقفين بطريقتهم الخاصة على حساب ثقافة (اقرأ)؟! ولكنهم – رغم السنين الطوال – مازالوا أنفسهم اولئك الاعراب بكل الثقافة العشائرية البدوية، فبدلا من وأدهم الموؤدة في التراب، يأدونها بتهميشها وإقصائها ومنعها من حقوقها تحت جملة من المسميات تختلف هنا وهناك تبعا للظرف هنا وهناك!! واللطيف ان عملية الوأد تلك تتزامن مع احتفالاتهم ومهرجاناتهم وخطاباتهم الرنانة ذات العبارات الموسيقية الثقافية الحضارية الديمقراطية، فجاء مهرجان الافتتاح لعاصمة الثقافة العراقية مفتقرا للعنصر النسوي بشكل عام والعنصر النسوي المثقف بشكل خاص، علما ان محافظة بابل تزخر بالكفاءات النسوية العلمية والادبية والثقافية.

اعتقد ان أهم ما تحرص عليه وزارة الثقافة وكل المعنيين بهذا الشأن وخاصة أهل بابل من مثقفيين واعلاميين واصحاب قرار وحكومة محلية، في هذا العام هو اعادة قراءة مفردات الثقافة قراءة واعية، ومحاولة اسقاطها على واقعنا المعاش، لان العام الثقافي الحقيقي ليس بكثرة المهرجانات والاحتفالات وبذخ الاموال هنا وهناك، بل بالرغبة الحقيقية في تغيير ثقافتنا الجاهلية بأخرى قادرة على بناء الانسان والارض، تلك الرغبة الدافعة الى العمل والسعي والاصلاح... فلا خير لنا بتنصيب محافظتنا عاصمة للثقافة كشعار او برنامج حكومي لوزارة ما، دون ان تكون ثقافتنا هي الدافع الحقيقي لنا في التغيير والاصلاح وبناء الذات والوطن.

اظن ان مثقفي بابل قادرون على ان يصنعوا ثقافتهم المتميزة دون الحاجة الى شعارات من وزارة ما او تنصيب لهم من قبل الآخرين، فهذا هو ديدنهم اليومي في كل مفردات حياتهم المعاشة، وهذا هو الامل الذي يعملون لتحقيقه في مدينتهم، لذلك اعتقد بان فعاليات مثقفي بابل لعامهم هذا ستكون ازهى وأصدق مما كان في افتتاحية وزارة الثقافة، وأنهم أقدر من غيرهم على ان يختاروا الثقافة وطنا لهم ولكل الازمنة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: inciraq