كتاب «الاستشراف»: العمل لأجل مستقبل أفضل بدل «التكهّن» بالآتي

 

إسم الكتاب: الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبل

إسم المؤلف: ادوارد كورنيش

المترجم: حسن الشريف

الناشر: الدار العربية للعلوم

تقديم: منى سكرية 

 

يصعب على مقال وحيد أن ينهض بمهمة تقديم محتويات كتاب «الاستشراف – مناهج استكشاف المستقبل» لمؤلفه مؤسس «جمعية المستقبل العالمية» الأميركي ادوارد كورنيش، والصادر عن «الدار العربية للعلوم – ناشرون». بترجمه للدكتور حسن الشريف، العضو في الجمعية المذكورة منذ عام 1980. فهذا الكتاب غني علمياً، وخصوصاً بالطريقة الممنهجة التي يقارب بها مواضيعه، إضافة الى جودته في تقديم صورة عن الأميركي «الآخر المختلف» بحيث تغدو للكتاب دلالة ثقافية أيضاً عن مجتمع له صورة ملتبسة في مجتمعاتنا العربية.

وربما لأن الشيء بالشيء يذكر، يجدر القول إن مكتبتنا العربية تفتقد مثل هذا الكتاب لسببين بارزين. يتمثّل أولهما في انعدام الاهتمام بترجمة اللغات الأخرى، وهذا ما أشارت اليه آخر الإحصاءات التي ذكرت أن عدد الكتب المترجمة سنوياً في الدول العربية مجتمعة يمثل نسبة ضئيلة مما يترجم في بلد مثل اسبانيا. ويتجسّد الثاني في تغليب النظرة عربياً الى السلوك الاميركي السياسي والعسكري، مع تغافل نسبي عن السياق الفكري الملازم للإبداع التكنولوجي للولايات المتحدة، مما ولّد في المخيلة العربية صوراً متطرفة عن ذلك البلد، فهي إما بلاد ملائكية أو موطن للشر.

ويتميّز الكتاب بأسلوب ومضمون جديدين، يدفع قارئه العربي الى التفكير في مشهد من «التقابل» بين عالمين: «هناك» حيث لغة العصر والمستقبل و «هنا» حيث لغة الخطابة والتوجس من الاكتشافات العلمية ومن غزو ثقافي يترافق مع هذه «الكائنات» المقتحمة دنيا العرب، التي يسودها ميل الى عدم تجاوز مصطلحات الاستنكار والإدانة، وشعارات تطلب التغيير ولكن بوسائل أقرب إلى التبصير والتنجيم والضرب بالرمل. انه كتاب يُغاير المألوف عربياً، بدءاً من إهدائه ومقدمته ومروراً بفصوله الستة عشر. ويرى المترجم الدكتور حسن الشريف إن «العالم يتغير حولنا بتسارع لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري». ويوضح: «ان الاستشراف مهارة عملية تهدف لاستقراء التوجهات العامة في حياة البشرية. فما نقوم به يكون له التأثير المباشر في جعل إمكانات إمساكنا بمسارات حياتنا أفضل». ويضيف: «الاستشراف أو دراسة المستقبل، أصبح فعلياً واحداً من علوم الإنسان والمجتمع المعتمدة في المجتمعات الصناعية المتقدمة، يُدَرّس في جامعات عدّة، كما أصبح له العديد من المؤسسات ومراكز الأبحاث».

مهارة استقراء الآتي

ويرى كورنيش ان الاستشراف «مهارة يمكننا ان نتعلمها... وتساعدنا في بلورة أهداف بعيدة المدى... وفي صوغ استراتيجيات معقولة للوصول الى تلك الأهداف». وبرأيه، فإن الاستشراف «ليس تكهناً بأحداث المستقبل، ولكن العمل لجعل هذا المستقبل أفضل، باعتبار أنه يتطور انطلاقاً من الحاضر». وتوحي هذه الكلمات للقارئ العربي بأن مستقبل أوطانه ينذر باستمرار المراوحة، إن لم يسر نحو الأسوأ مستقبلاً!

يُعطي الفصل الأول من الكتاب نصائح إلى مستكشفي المستقبل، من قبيل: «أعدوا بشكل جيد لما يمكن ان تواجهوه (لأن) غياب الإعداد المناسب يستجلب الكوارث» وعدم «الاستهانة بأية معلومات عند اتخاذ القرار»، و «توقع غير المتوقع فلا نعتبره حدثاً سيئاً بل فرصة عظيمة»، و «فكّر على المدى البعيد»، و «تخيل بشكل مثمر» و «تعلم ممن سبقوك».

وفي الفصل الثاني، يرى ان التقدم التكنولوجي هو المسار الأكثر فائدة للتحليل الذي يقود الى «الاستقراء». ويصوغ الفصل الثالث «ستة توجهات كبرى تصوغ شكل المستقبل» وهي: التقدم التكنولوجي، النمو الاقتصادي، تحسّن الصحة، زيادة الحركة، التدهور البيئي، وضياع الثقافات التقليدية. ويلاحظ أنه يُغفل الإشارة الى مئات الملايين الرازحة تحت خط الجوع والفقر وسوء التغذية، ومحاولات فرض السلوك الاميركي كنمط عالمي، وعدم توقيع الولايات المتحدة على اتفاقية «كيوتو» للحدّ من انبعاث الغازات المُضِرّة بالبيئة. ويعتبر «ان البشر عام 2040 سيكونون أغنى منهم اليوم، لكنهم لن يكونوا أسعد».

ولعله محق طالما ان أسباب الكوارث قائمة، مع غياب معالجتها بروح إنسانية وأخلاقية بعيداً من سياسة الأفكار المحمولة على ظهر الدبابة.

ومن المستطاع الــسؤال أيــضاً عن التوجــّه لرسم المستقبل وفقاً لأدوات التكنولوجيا، فهل أن الإنسان بات مجرد رقم؟ وهل في العام 2040 يكون الصراع العربي – الإسرائيلي، مثلاً، قد وجد حلاً عادلاً؟

التفاؤل بالطاقة المجانية

لأن الكاتب يتوجّه أساساً الى المجتمع الأميركي، ويستنبط الأدلة من واقع هذا المجتمع وتجربته، فإن مناهج الاستشراف لديه (الفصل السادس) تستقى من ذلك السياق الاجتماعي، فتضم الاستفتاء، الألعاب، صياغة النماذج والمحاكاة، وصياغة الرؤى المستقبلية «لمنع الكوارث المستقبلية وذلك من خلال تغيير أفكار البشر» (ص 123). ويُلاحَظ أنه يورد استخدام القادة العسكريين العاب الحرب كتجربة، لكنه لا يشير الى أن قادة بلاده يستخدمون فعلياً حياة البشر كميدان للتجارب، كالحال في العراق وأفغانستان. ولا يطرح على نفسه إشكالية من نوع تقويم صوغ رؤى «المحافظين الجدد» في السياسة الخارجية الأميركية.

وفي حديث المؤلف عن هجمات 11 ايلول (سبتمبر) 2001، يشير الى أن مجلة «المستقبلي» التي يشرف عليها، نشرت مقالات منذرة بـ «حصول هجمات انتحارية جوية للكاتب براين جنكنز في عام 1987، ومقال آخر في عام 1994 للكاتب مارفن سترون (الذي) ذكر بالتحديد مركز التجارة العالمية في نيويورك كهدف مختار من قبل الإرهابيين».

وفي المقابل، يُبشّر كورنيش ببعض الاحداث الخيّرة مثل اختفاء الحروب، والطاقة المجانية، وابتكار حبوب للسعادة، وبناء مستوطنات للبشر في الفضاء، وتعاظم عقاقير الذكاء الإنساني، واكتشاف أدوية تُجدّد الشباب، وصُنع «دماغ للعالم» وهو حاسوب يُبنى بصورة مشتركة بين عملاقي المعلوماتية الولايات المتحدة واليابان. والمثير أنه لا يشير الى الصين وصعودها الذي يثير الرعب في بلاده وفقاً لما يكتب هو بالذات!

وأخيراً، لا يمكننا نكران جديد هذا الكتاب بالنسبة الى مجتمعاتنا. ويصعب التغاضي عن خطورة تطبيق الوصفات الجاهزة التي إن شفت مرضاً معيناً لدى مريض، فلا يعني أنها تستطيع علاج الأمراض جميعها. وكيف اذا كانت الوصفات مثل «الديموقراطية على ظهر الدبابة»؟ أليست هذه من أسوأ كوارث الحاضر والمستقبل؟