على هامش المعارض التي تقام هنا وهناك...نحن والكتاب

 

محمد خلفان الصوافي

 

أحب في مناسبات ثقافية معينة، مثل معارض الكتب، أن أدير نقاشاً بسيطاً مع الأصدقاء وزملاء العمل لانتزع لنفسي بعض الإجابات التي قد تكون بعضها موجودة بحكم "قانون العادة"، لكني من باب التأكيد أريد أن أدعمها بآراء سريعة وبسيطة، كي أبلور رأياً حولها باعتبار أن استطلاع الآراء، حتى ولو في عجالة كهذه، أحد مصادر المعلومات، خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع مفتوح ومثير للكتابة والنقاش مثل القراءة والكتب ومعارضها.

اتفق من استطلعتُ أراءهم على أنه بمجرد أن يبدأ الحديث عن معرض الكتاب أو أزمة القراءة في العالم العربي، فإن الأنظار والتحليلات تتجه إلى استعراض أرقام الأمية بين الشعوب العربية باعتبارها المؤشر الطبيعي للحدث، وهي بالطبع أرقام عالية، وأن هذا الاتجاه أساسه اتهام تقليدي ويمكن اعتباره مسلمة تتكرر لدى الجميع بأن المواطن العربي لا يقرأ بل إن هذا الاتهام طال المثقف العربي نفسه، وتنعدم القراءة عند المثقفين عندما يصلون إلى مرحلة معينة من المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية! ومن القضايا المتكررة التي تثار في معارض الكتب وهو ما تذكرته في هذه المناسبة، أن هناك أناسا ومؤسسات، يرصدون ميزانيات كبيرة من أجل شراء الكتب ولا يتركون معرضاً في الدولة، وأحياناً خارجها، إلا وتجدهم فيه بهدف اقتناء الكتب وشرائها، وهذا أمر جيد ولا غبار عليه، لكن ما لفت انتباهي أن بعض من سألتهم قال لي إن هذا الاقتناء يخلق له مشاكل وخلافات مع أسرته، سواء بسبب ما يخصصه من ميزانيات، تتسبب في خلخلة ميزانية العائلة، وأحياناً بسبب تكديس الكتب في البيت حيث تشغل مساحات كبيرة، واللافت أن الكثير من هؤلاء يشتري الكتب ويكدسها دون أن يقرأها بل إن السنوات تمر دون أن تفتح أغلفتها.

شراهة شراء الكتب لاقتنائها تجعل البعض يمتلك أكثر من نسخة للكتاب، وهذا الأمر ليس له تبرير سوى أنه لا يدري أن الكتاب كان قد اشتراه من قبل؛ فهو لم يطلع حتى على عنوان الكتاب. وإذا كانت هذه القضايا تدعو إلى الحسرة والتألم، فالأمر الذي لا يمكن تبريره هو مسألة تراجع قيمة الكتاب، وأقصد هنا قراءته، لدى الناس، مقارنة بارتفاع أسعاره، لأن القراءة حتى في المكتبات العامة تعاني، وهذا ما لا نريد أن نقره جميعنا، كما أن تراجع الاهتمام بالكتاب لأسباب مالية أمر غير مبرر باعتبار أن هناك شهية الاقتناء وليس القراءة.

الشيء الذي يجب الوقوف عليه خلال فعاليات معرض أبوظبي للكتاب، والذي تابعت جزءاً من استعداداته خلال الأيام الماضية، هو أنه لا يجب الوقوف طويلاً على ما يعرض من عناوين جديدة للكتب رغم أهميتها، فالاتفاق لدى الجميع هو أن الوصول إلى الكتاب حتى لو كان من الكتب الممنوعة يمكن تحقيقه بسهولة بسبب وسائل الاتصال الحديثة، هذا عوضاً عن أن زيارة معارض الكتب لم تعد بهدف شراء الكتب فقط، بل في كثير من الأحوال لاستنشاق عبير الثقافة من خلال الفعاليات المرافقة. وأظن أن ما يسعى إليه معرض أبوظبي للكتاب، وهذا سمعته وقرأته كثيراً، ليس البيع والمتاجرة وإنما يريد أن يعيد للكتاب قيمته المعنوية التي فقدها حتى بين المثقفين أنفسهم وأن يعمل على فتح شهية القراءة بدلاً من شهية اقتنائه فقط وهو ما يشير إلى المطالبة بعدم تكديس الكتب.

وأعتقد أن مبادرة "الكتاب العابر" الذي سبق معرض أبوظبي للكتاب بأسبوع، والذي تقوم فكرته على إهداء كتاب لقارئ ومن بعد قراءته عليه أن يهديه لقارئ آخر أو يتركه في مكان عام يضمن قراءته لآخرين، هذه المبادرة العالمية والأولى عربياً، تؤكد أن امتلاكنا للكتاب وحيازته لا تعني الوصول إلى ما يحويه بين دفتيه من معلومات ومعارف ولا هي قطعة أثرية ثمينة أو أنها لوحة لفنان كبير يمكن أن تضعها على الأرفف كي يراها الناس أو مجرد شيء لملء مكان ما في البيت... لهذا فالمبادرة تريد أن تعالج تلك القضايا مع افتتاح المعرض.