النص الكامل لكتاب :الحسين عليه السلام مصباح الهدى

 

 

 

إسم الكتاب : الحسين عليه السلام مصباح الهدى

المؤلف : سماحة الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي رضوان الله عليه

عدد الصفحات : 26

الحجم : صغير

عدد الطبعات : 3

سنة الطبع : 1404 هـ -1420هـ - 1999م

..............................................

الفهرست :

- المقدمة

- مصيبة الحسين (ع)

- اليقظة الاسلامية

- ملامح الحكومة الإسلامية المرتقبة

وفيما يلي النص الكامل للكتاب :

 

***************************************

 

المقدمة:

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

 

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الحسين مصباحُ الهُدى وسفينة النجاة) (1).

يصوّر الحديث الشريف لنا الدنيا بأروع ما يمكن تصويره ليقربنا إلى واقع الدنيا وحقيقتها، فيشبّهها بلجج البحار المظلمة، التي لا سبيل للنجاة من لججها إلاّ بالسفينة، ولا طريق للخلاص من ظلماتها إلاّ بالمصباح، وهو تشبيه رائع.

فإن الإنسان في الدنيا بحاجة إلى:

1- المصباح المنير ليرى به الطريق، وإلاّ ضاع في ظلمات الجهل والمرض والفقر، ووقع في المهاوي، ولم يبصر السباع والوحوش التي تريد افتراسه فيجتنبها، ولا العقارب والحيّات التي تريد انتهاشه فيحترز عنها، ولا يرى ما يحفظ به جسده من الحرّ والبرد، وما يقيم بسببه بدنه من المأكل والمشرب حتى يستفيد منها.

2- كما انه بحاجة إلى السفينة لتحفظه من الغرق والهلاك في لجج الدنيا المتلاطمة وتوصله إلى ساحل السعادة بأمان وسلام.

ويا ترى مَن هذا الذي يستطيع أن يكون المصباح لهداية الإنسان في الدنيا، والسفينة لإنقاذه من لججها وغمراتها؟ انه لا يمكن أن يكون إلاّ مَن نصّ عليه الوحي ودلّ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

والحسين (عليه السلام) أحد المعصومين (عليهم السلام) الذين كلهم سُفُن النجاة ومصابيح الهدى، فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أهل بيتي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم)(2).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لمَثَل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تلّف عنها غرق (3).

فالصفتان: ( المصباح والسفينة ) لكل من المعصومين الأربعة عشر: (علي وفاطمة والحسن والحسين والسجّاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والمهدي عليهم الصلاة والسلام).

أما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه، فهو المصباح الأعظم، والسفينة الأشمل، وقد قال سبحانه: يا أيُّهَا النّبيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِِّراً وَنَذيراً وَداعِياً إلى اللّه بإذْنِهِ وَسِراجاً مُنيرا (4).

والبشريّة إذ تعيش اليوم في ظلام دامس من الجهل وتغرق في لُجج من الفوضى والإضطراب والقلق لا علاج لها ـ إذا أرادت النجاة ـ إلاّ بالإستضاءة بأنوار هؤلاء الأطهار، وركوب سفينتهم فانهم عِدل الكتاب الحكيم، حيث قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):

(إنّي مُلّف فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعِتْرَتي ما إنْ تَمَسَّكتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلّوا مِنْ بَعْدي أبداً)(5).

ممّا يدلّ على انّه لولا التمسّك بالعترة إلى جانب التمسّك بالكتاب يكون الضلال الذي في دنياه عار وشنار وفي آخرته جحيم ونار وماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال.

..............................................

1 ـ بحار الأنوار ج 36 - ص 205 - ح 8، طبعة بيروت

2 ـ راجع أمالي الشيخ الطوسي1 - 265

3 ـ بحار الأنوار 74 - 77 - 3

4 ـ سورة الأحزاب، الآية: 45 ــ 46

5 ـ راجع بحار الأنوار 38 - 111 - 3

 

***************************************

 

 

مصيبة الحسين (ع):

يا لها من مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيّتها في الإسلام، وقد أجاد الشاعر حيث قال:

أنْسَتْ رَزيّتكُمْ رزايانا الّتـي          سَلَفَتْ وَهــَوَّنَتْ الرَّزايا الآتية

وَفَجــائِـعُ الأيـّام تَبْقـى مُدَّةً          وَتَزولُ وَهِيَ إلى القِيامَةِ باقية

قال الإمام الرضا (عليه السلام): (انّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون القتال فيه فاستحلّتْ فيه دماؤنا وهُتِكَتْ فيه حرمتنا وسُبِيَتْ فيه ذرارينا ونساؤنا واُضْرمَت النيران في مضاربنا وانتهب ما فيها من ثقلنا ولم يترك لرسول اللّه حرمة في أمرنا، انّ يومَ الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعَنا وأذلَّ عزيزنا، أرض كرب وبلا أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الإنقضاء، فعلى مثل الحسين (عليه السلام) فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام)(1).

إنّا لِلّهِ وَإنّا إلَيْهِ راجِعُون وَسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُونَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللّهِ العَلِيّ العَظيم.

محرّم شهر الحسين (ع) ... وها هو المحرّم قد أطلّ على البشريّة فاللازم أن يستفيدوا منه بالقدر الممكن في أبعاد ثلاثة ـ بينما المتعارف الإستفادة من المحرّم في بُعد واحد ـ :

أبعاد الشعائر الدينية

- بُعد إقامة الصلاة وايتاء الخمس والزكاة وغيرها من شؤون العبادات والأخلاقيّات والآداب وتعمير الحسينيّات والمساجد وتعمير أماكن الزيارات والمشاهد المشرّفة وإطعام الطعام وتسبيل الماء وما إلى ذلك ـ وهذا هو البُعد المألوف قليلاً أو كثيراً ـ

القوانين الإسلامية :

2- بُعد تطبيق كافّة أحكام الإسلام:

الف: من الشورى في الحكم في انتخابات حرّة تنتخب الاُمّة حكّامها الذين تتوفّر فيهم شروط الإسلام.

ب: ومن إطلاق الحريّات كما أمر اللّه سبحانه حيث قال: وَيَضَعُ عَنْهُــمْ إصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتــي كانَتْ عَلَيْهِمْ(2) مثل حرّية الأحزاب الإسلاميّة التي تكون تحت إشراف المراجع، وحريّة التجارة، وحريّة الصناعة، وحريّة الزراعة، وحريّة العمران، وحريّة السفر والإقامة، وحريّة الطبع والنشر، وحريّة التجمّع، وحريّة إبداء الرأي وسائر الحريّات الممنوحة مِن قِبَل الإسلام والمذكورة في الكتاب والسنّة.

ج: ومن إسلاميّة كلّ القوانين فلا ربا ولا ضرائب غير إسلامية ولا جمارك ولا قوانين مخترعة ممّا لا مصدر لها في الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.

د: ومن تحكيم الاخوّة الإسلاميّة فلا حدود بين دول الإسلام ولا يختلف العربي عن الفارسي وعن التركي وعن الكردي وعن الهندي وعن... في أيّة صغيرة أو كبيرة بل (إنَّما المُؤمِنونَ اخوَة)(3) و(لكلّكُم من آدم وآدم مِن تُراب)(4) و (إنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمّـَةٌ واحِـدَةٌ وَأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون)(5) و(وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُم(6).

وقال الإمام الحسين (عليه السلام): لفَلَعَمْري ما الإمام إلاّ الحاكِمُ بالكِتاب القائِم بالقِسْط والدائنُ بدين اللّهِ الحابسُ نَفْسهُ على ذاتِ اللّه(7).

فكيف يمكن ادّعاء الحكّام المستولين على بلاد الإسلام هذا اليوم: الإسلام، وهم يحاربون أظهر أحكام الإسلام، وهي الاخوّة الإسلاميّة، فترى العربيّ يعدّ الفارسي في بلاده أجنبياً، وترى الفارسي يعدّ الهندي في بلاده أجنبياً، وترى الهندي يعدّ الأفغاني في بلاده أجنبياً، وهكذا ثم تدرّج هذا إلى أن صار العربي العراقي يعدّ العربي الخليجي في بلاده أجنبياً، والفارسي الأفغاني يعدّ الفارسي الباكستاني في بلاده أجنبياً، وهكذا.

فهل يا ترى يمنع الأخ أخاه عن دخول بلده؟

وهل يعدّ الأخ أخاه أجنبياً؟

وهل يمنع الأخ أخاه عن اشتراء الملك في بلده؟

وهل يمنع الأخ أخاه عن التجارة في بلده؟

فمن يزعم انّ هذا هو الإسلام، فليعلم انّ الإسلام الوارد في الكتاب والسنّة وكتب الفقهاء غير هذا الإسلام الذي يزعمه، والتعليلات التافهة لتبرير الحدود الجغرافية بين بلاد الإسلام، والتفرقة بين المسلمين، ليست إلاّ من ايحاءات الكفّار، الذين يريدون تفريق المسلمين لأجل السيطرة عليهم، كما حدث بالفعل، مثل هذه التبريرات، وذلك مثل التبرير لوجود الربا في البنوك، ومحلات الدعارة والفجور، ومراكز القمار والخمور ووجود الجمارك، وأخذ الضرائب، باسم انّه (لو لم نفعل ذلك لانهدم اقتصاد البلد) أو ما أشبه هذه الأعذار الواهية وقد التقى خليفة من الخلفاء بأحد الأئمة (عليهم السلام)، فقال الخليفة للإمام (عليه السلام): عِظني، فقال (عليه السلام): انّ في المسلمين الأكبر والمساوي والأصغر منك عمراً، فاجعل أكبرهم أباً، وأصغرهم ابناً، وأوسطهم أخاً، فبِرّ أباك، وصِل أخاك، وارحم ابنك.

وهكذا يجب أن يكون المسلمون بعضهم مع بعض، وذلك لا قولاً في الإذاعات ووسائل الإعلام فقط، بل عملاً من أجل إسقاط الحدود الجغرافية، والحواجز النفسية والفوارق القانونية إلى غير ذلك من الأحكام الإسلامية التي لم يطبق شيء منها في أي بلد من بلاد الإسلام، والتي سبّبت تأخر المسلمين وهم (ألف مليون)(8) ولا يتقدّمون إلاّ بالعمل بها، وإلاّ فسيبقون متخلّفين، ولن يخلف اللّه وعده، حيث قال: وَمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْري فإنّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكاً(9).

ولقد علّل الإمام الحسين (عليه السلام) ثورته الخالدة بقوله:

(اللّهمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ انّهُ لَمْ يَكُنْ ما كانَ مِنّا تَنافُساً في سُلْطان وَلا التماساً مِنْ فُضول الحُطام ولكنْ لِنُرِيَ المَعالِم مِنْ دينِكَ ونُظْهِرَ الإصلاحَ في بِلادِكَ ويَأمَنَ المَظْلومونَ مِنْ عِبادِكَ وَيُعْمَلُ بِفَرائِضِكَ وَأحْكامِكَ...)(10).

التبليغ الإسلامي:

3 ـ بُعد تبليغ رسالات اللّه، إلى كافّة شعوب العالَم، ممّا يمكن أن يكون المحرّم منطلقاً مناسباً لإبلاغ أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) إلى البشرية المتعطشة وذلك بجمع المال في المآتم والحسينيات، وتشكيل الهيئات لأجل إرسال المبلّغين إلى كلّ أنحاء العالم، حيث انّ الإسلام دين عالمي، لإنقاذ جميع الناس من الظلمات إلى النور، وليس دين ألف مليون مسلم فقط أليس من المؤسف أن لا يكون للمسلمين في غير أقطارهم حتى مأة مبلّغ؟! بينما تدلّ الإحصاءات على ان للمسيحيين في افريقيا عشرة آلاف مبشّر، وفي آسيا تسعون ألف مبشّر، مهمّتهم تنصير الآسيويين والافريقيين، وهم مزودون بكلّ وسائل الحياة والتقدّم، وقد تمكّنوا من تنصير عشرات الملايين في هاتين القارّتين وعلى هذا، فإذا اتخذنا (المحرّم) منطلقاً لهذين البُعدَيْن الأخيرين إلى جانب البُعد الأوّل فقد قمنا بالواجب علينا بالقدر الممكن، مضافاً إلى أن ذلك يوجب إخراج المسلمين من العبوديّة إلى السيادة، وإخراج كثير من غير المسلمين من الظلمات إلى النور.

.............................

1 ـ المناقب 4 - 86.

2 ـ سورة الأعراف، الآية: 157

3 ـ سورة الحجرات، الآية: 10

4 ـ بحار الأنوار 70 - 286 - 9 عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

5 ـ سورة الأنبياء، الآية: 92

6 ـ سورة الحجرات، الآية: 13

7 ـ بحار الأنوار 44 - 334 - 2

8 ـ يشير آخر احصاء صدر عام 1413هـ عن مركز (الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث السكانية) بمصر إلى أن عدد المسلمين في تسعين دولة من العالم بلغ مليار وستمأة مليون مسلم. والاحصاءات الاخيرة تقول: بان المسلمين ملياران1419هـ

9 ـ سورة طه، الآية: 124

10 ـ تحف العقول 239

 

***************************************

 

 

اليقظة الاسلامية:

إن هذه الفوضى التي تشاهد في بلاد الإسلام دليلاً على اليأس، بل حالها حال التثاؤب الذي يتّصف به الناعس بعد نوم طويل، حيث ان التثاؤب في هذا الحال، دليل الشروع في اليقظة، لا الأخذ في النوم، وقد نام المسلمون طويلاً طويلاً حتى قُسِّمَتْ بلادهم، ونُهِبَتْ أموالهم، وهُتِكَتْ أعراضهم، واُريقَتْ دمائهم، وسادَتْ فيهم القوانين الكافرة، وعمّت فيه الفوضى والجهل والمرض والفقر والعداء والفرقة، والآن أخذوا يتثائبون للنهوض. فإذا تمكّنوا من جعل برامج صحيحة للنهوض، لوصلوا إلى هدفهم السامي بإذن اللّه تعالى.

والبرامج هي كالتالي :

1- التنظيم وتأسيسه وتوسعته في كلّ بلاد الإسلام، لتكبّر التنظيمات، ويتّصل بعضها ببعض حتّى تكون تنظيماً واحداً ذا أجنحة، بشرط أن تكون فيه انتخابات حرّة دوريّة كلّ عامين مرّة مثلاً.

2- جعل مجلس أعلى لكلّ التنظيمات الإسلاميّة الموجودة، يتداولون الاُمور ويقرّرون الأعمال بأكثرية الآراء، فقد قال علي (عليه السلام): (ونظم أمركُم)(1) وقال اللّه سبحانه: (وأمرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ)(2).

3- التوعية الكاملة بإرشاد الاُمّة إلى مكامن الضعف والقوّة، لإزالة الاُولى، والإستفادة من الثانية، وذلك بحاجة إلى ما لا يقلّ من ألف مليون كتاب، قال (عليه السلام): (العالِم بزمانِه لا تَهْجم عليْه اللّوابِس)(3)

4- الإتّصاف بالأخلاقيات الرفيعة، كما قال سبحانه: (كُنْتُمْ خيْرَ اُمَّةٍ اُخرِجَتْ لِلنّاس تَأمُرونَ بِالمَعْروف)(4) من التعقّل والتدبّر واللين والرفق والتعاون والإخلاص والتشاور والتحابب وغير ذلك (وَتَنْهَوْنَ عن المُنْكَر)(5) من العنف والقسوة والإستبداد والفرقة والتباغض والتشاحن وغيرها، فقد ورد في الحديث: (تخَلَّقُوا بِأخلاقِ اللّه)(6).

5 ـ الجماهيرية، بأن لا ينفصل التنظيم عن الجماهير، كما هو المُشاهَد الآن في بعض التنظيمات الإسلامية، حيث ان الكبرياء والغرور والإستعلاء على الناس، ووَلَعهم في تبنّي البِدَع وارتكاب ما يفصلهم عن الاُمّة، وبذلك يسقطون عن إمكانية استقطاب الجماهير، وفي ذلك يكون سقوطهم، وقد قال علي (عليه السلام): (مَن استبدّ برأيه هَلَك)(7)، وقال (عليه السلام): (أوحَش الوحشة العُجْب)(8).

وقال الإمام الحسين (عليه السلام): (وَاعْلَمُوا إنَّ حَوائِجَ النّاس إلَيْكُمْ مِنْ نِعَم اللّهِ عَلَيْكُمْ)(9).

6 ـ اتّباع الفقهاء المراجع، قال الإمام الحسين (عليه السلام): (ذلك بأنّ مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العُلَماء باللّه الاُمناء على حلالِهِ وحرامه)(10)، فإنّ انفصال التنظيم عن المرجعية التي انتخبتها الاُمة، يوجب سقوطه حتّى وان زيّف التنظيم مرجعاً لنفسه، بشتّى المعاذير والعلل، فإن الاُمّة تابعة لمراجعها الحقيقيين، ولا ينطلي عليها التزييف.

7 ـ استقطاب القوى الإسلامية رجالاً من علماء وطباء ومفكّرين ومعدّات من دور نشر ومكتبات ومطابع ومدارس وغيرها، فإن جمع القدرات من أهمّ أقسام الحزم للوصول إلى الهدف، فإن البحار تتكوّن من قطرات الأمطار، والصحارى تتألف من حبّات الرمال.

الهدف الرئيسي للإمام الحسين (عليه السلام)

وبهذا البرنامج يمكن التغلّب على الصعاب، وتطبيق هدف الإمام الحسين (عليه السلام) من ثورته وهو: (طلب الإصلاح في اُمّة جدّه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال (عليه السلام): (إنّي لَمْ أخرُجْ بَطِراً ولا أشِراً وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً وَإنَّما خرَجْتُ أطْلُبُ الصَّلاحَ في اُمَّةِ جدّي مُحَمّد اُريدُ آمُرَ بِالمَعْروفِ وَأنْهى عَنِ المُنْكَر أسير بسيرة جدّي وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب...)(11).

وقد قال (عليه السلام) بلسان الحال:

إن كان دين محمد لم يستقم          إلاّ بقتلي يا سـيوف خذيـني

وقال (عليه السلام): (أمّا بَعْدُ فَإنّي أدْعُوكُمْ إلى إحْياءِ مَعالِم الحَقّ وَإماتَةِ البِدَع فإنْ تجيبوا تهتدوا سُبُلَ الرّشاد)(12).

وقال (عليه السلام): (وَأنَا أدْعوكُمْ إلى كِتابِ اللّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ فَإنْ سَمِعْتُمْ قَوْلي وَاتَّبَعْتُمْ أمْري اهديكُمْ إلى سَبيلِ الرَّشاد)(13).

وبالبرنامج المذكور يكون الوعاة من الاُمّة، قد وضعوا يدهم على أعظم القدرتين إذ في الاُمّة قدرتان (أقلّهما قدرة وهي: الدولة) و(أعظمهما قدرة وهي: الاُمّة) فإذا رأينا قدرة الدول الإسلاميّة سائرة في المنهج المنحرف، يلزم علينا أن نتمسّك بقدرة الاُمّة لتقويم الإنحراف.

منهج اللاعنف

واللازم أن يعرف الجميع من الرؤساء، والأثرياء، والعلماء، وسائر الناس من أصحاب الحرف والمؤسّسات: بأنّ الإسلام إذا أخذ بالزمام يعمل بالنسبة إلى الرؤساء والاُمراء بما عمله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال لهم: (إذهَبوا فأنتُم الطلقاء)(14).

وبالنسبة إلى الأثرياء ما ذكرته الآية الكريمة، حيث قال سبـحـانه:

(لَكُمْ رُؤوس أمْوالكُمْ لا تَظْلِمونَ وَلا تُظْلَمون)(15).

وبالنسبة إلى العلماء الإحترام الكامل، حيث قال سبحانه:

(هَلْ يَسْتَوي الّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُون)(16).

وبالنسبة إلى سائر الناس كما قال سبحانه:

(إنّا خلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَاُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ)(17).

وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

(فَأمّا حَقّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصيحَةَ لَكُمْ وَتَوْفير فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ)(18).

وبالنسبة إلى غير المسلمين، ما قاله علي (عليه السلام) أيضاً:

(الناس صِنْفان: إمّا أ لَكَ في الدّين أو نَظيرٌ لَك في الخلْق)(19).

وقال (عليه السلام) في نهج البلاغة لواليه الأشتر لمّا ولاّه على مصر:

(وَلا تَكونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضارياً تَغْتَنِمُ أكلهمْ فَإنَّهُمْ صِنْفان: إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لكَ في الخلْق فاعطِهِمْ مِنْ عَفْوكَ وَصَفْحِكَ مِثْل الّذي تُحِبّ أنْ يُعْطيكَ اللّهُ مِنْ عَفْوهِ وَصَفْحِهِ)(20).

وحتّى بالنسبة إلى المجرمين، قال سبحانه:

(إدْفَعْ بِالَّتي هِيَ أحْسَن السَّيِّئَةَ)(21).

وقد عفى (صلى الله عليه وآله وسلم) عن وحشي قاتل عمّه حمزة، وعن قاتل بنته وحفيده، هبار، كما عفى عليّ (عليه السلام) عن أهل الجمل والنهروان وصفّين، بعد أن ظفر عليهم وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما نظمه الشاعر:

مكـارم الأخلاق في ثلاثـة منحصرة    لين الكلام والسا والعفو عند المقدرة

وقال علي (عليه السلام): (إذا مَلَكْتَ فَاسْجَحْ)(22).

وقال الإمام الحسين (عليه السلام):

(أيُّهَا النّاس... إنَّ أعْفى النّاس مَنْ عَفى عَنْ قُدْرَةٍ وَإنَّ أوْصَل النّاس مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ... وَمَنْ أحْسَنَ أحْسَنَ اللّهُ إلَيْهِ وَاللّهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ)(23).

فلا يتوهّم أحد ان الإسلام إذا أخذ بالزمام يعمل استبداداً، أو ينتقم، أو يعمل عملاً ممّا تعمله حكومات الشرق والغرب، كما تعمله بريطانيا في عراق البعث، وروسيا في افغانستان، وامريكا في فلسطين، وغيرهم من الحكومات الكافرة، في البلاد الإسلامية بل لو أنّ اللّه تعالى هدى العالم إلى الإسلام، لتخلّص الشعب الروسي والصيني عن مظالم الشيوعية، والشعب الامريكي والاوروبي عن مظالم الرأسمالية والإشتراكية، وذلك على المنهاج الذي عمله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مدّة حكومتهما حيث انطوت تحت رحمة نبيّ الإسلام ونظامه العادل: (الحجاز، واليمن والبحرين وقسماً من بلاد الخليج) وفي كلّ تلك الحروب التي أشعلها المشركون لإطفاء نوره (صلى الله عليه وآله وسلم)، واضطرّ أن يتصدّى لها دفاعاً، كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يسعى بجد للتوصّل إلى المهادنة والسلام حرصاً منه على حفظ النفوس وقلّة القتلى، ولذلك لم يكن قتلى الفريقين طيلة تلك المدّة إلاّ ألفاً وثمانية حسب مـــا أحصاه بعض العلماء ممّا يشير إلى رحمة الإسلام وعدله الشامل.

اصول الثورة

كانت حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) أكبر دولة في عالم ذلك اليوم (من أواسط افريقيا إلى أواسط آسيا، ممّا عَـدَّ بعض العلماء انّ دولته (عليه السلام) كانت تشمل خمسين دولة في خريطة عالم اليوم).

ومع ذلك كان يعفو عن المسيء، ولا يأخذ المال من أحد ظُلماً، ويقسم الفيء بين المسلمين، وقد قال (عليه السلام) في كلام له: (انّه وَفَّرَ لكلّ الناس المسكن والماء والرزق) ولم يكن في تلك الدولة الكبيرة، حتّى إنسان واحد متيقّن بأنّه جائع، ولذا قال (عليه السلام): (ولعلَّ بالحِحاز أو اليمامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ في القُرْص وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبع...)(24) يعني انّه لا يعلم بذلك علماً، وانّما يحتمله احتمالاً، وكان يستشير الناس في اُموره حتّى جعل (عليه السلام) من حقّ رعيته عليه (كما في نهج البلاغة) إعطائهم المشورة له، وكان يُراقب عُمّاله وقضاته، حتى انّ واليه عثمان بن حنيف لمّا حضر وليمة في البـصرة عـاتبه بـكتاب، حيث يقول (عليه السلام):

 (أمّا بعد، يابن حنيف، فقد بَلَغَني انَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أهْل البَصْرَةِ دَعاكَ إلى مَأدُبَةٍ فَأسْرَعْتَ إلَيْها تُسْتَطابُ لَكَ الألْوان وتُنْقَلُ إلَيْكَ الجفان وَما ظَنَنْتُ انّك تُجيبُ إلى طَعام قَوْم عائِلُهُمْ مَجْفُوّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوّ، فَانْظُرْ إلى ما تقضمهُ مِنْ هذا المقضم، فما اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمهُ فالفظهُ، وَما أيْقَنْتَ بطيبِ وُجوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.

ألا وانّ لِكُلّ مَأمُوم إماماً يَقْتَدى بِهِ وَيَسْتَضيءُ بِنُور عِلْمِهِ، ألا وَإنَّ إمامَكُمْ قَد اكْتَفى مِنْ دُنْياهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طَعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، ألا وَانّكُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى ذلــِكَ وَلكِنْ أعينُوني بِوَرع وَاجْتِهادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدادٍ فَوَ اللّهِ ما كَنَزْتُ مِــنْ دُنْياكُمْ تِبْراً وَلا ادّخَرْتُ مِنْ غَنائِمِها وفراً وَلا أعْدَدْتُ لِبالي ثوبي طمراً ولا حُزْتُ مِنْ أرْضِكُمْ شِبْراً)(25).

ولمّا ضرب قنبر انساناً سوطاً بغير حقّ اقتصّ منه، وقد عزل والياً له بمجرّد شكاية امرأة منه، وعزل قاضيَه أباالأسود، وبيّن (عليه السلام) انّ عزله كان بسبب انّ صوته يعلو صوت الخصمَيْن.

إلى كثير من أمثال ذلك في سـيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة عليّ (عليه السلام)، ممّا يجب أن يطبّقه (شورى المراجع) الذين هم أعلى سلطة في الدولة الإسلاميّة المترقّبة بإذن اللّه تعالى (ذات ألف مليون مسلم) ـ لا بالنسبة إلى المسلمين، بل وحتّى بالنسبة إلى الأقليّات ـ فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: لمَنْ آذى ذِمِّـياً فَقَدْ آذاني)(26).

وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَنْ ظَلَمَ مُعاهِداً أو انْتَقَصَهُ حَقَّهُ أو كلَّفَهُ فَوْقَ طاقَتِهِ أو أخذ مِنْهُ شيئاً بغير طيب نَفْس فَأنَا حَجيجهُ يَوْمَ القِيامَةِ)(27).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَنْ آذى ذِمِيّـاً فَأنَا خصْمُُهُ وَمَنْ كُنْتُ أنَا خصْمُهُ خصَمْتُهُ يَوْمَ القِيامَة)(28).

فإنّ مِن دون تطبيق ذلك لا يتمّ تطبيق الإسلام، وقد قال علي(عليه السلام):

(وليتأسَّ مُتَـأسّ بِنَبِيِّهِ، وَإلاّ فَلا يَأمَنَنَّ الهَلَكَة)(29).

.....................................................

1 ـ نهج البلاغة

2 ـ سورة الشورى، الآية: 38

3 ـ بحار الأنوار 68 - 307- 84

4 و5 ـ سورة آل عمران، الآية: 110

6 ـ بحار الأنوار 58 - 129

7 ـ بحار الأنوار 72- 104 - 38

8 ـ بحار الأنوار 69 - 316 - 25

9 ـ بحار الأنوار 78 -121 - 4 وبحار الأنوار 78  127  11

10 ـ تحف العقول 238

11 ـ المناقب 4  89

12 و13 ـ من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) 64

14 ـ بحار الأنوار 19 - 181 - 29

15 ـ سورة البقرة، الآية: 279

16 ـ سورة الزمر، الآية: 9

17 ـ سورة الحجرات، الآية: 13

18 ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم 34

19 ـ بحار الأنوار 33- 600 - 744

20 ـ نهج البلاغة في كتابه للأشتر النخعي

21 ـ سورة المؤمنون، الآية: 96

22 ـ بحار الأنوار 20 - 299 - 4

23 ـ راجع بحار الأنوار47-400-41 وبحارالأنوار87-121-4

24 ـ بحار الأنوار 33 - 474 - 686

25 ـ راجع نهج البلاغة: ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري

26 ـ راجع البحار 74 - 21- 2 والمستدرك 11 - 168 - الباب 3

27 ـ راجع البحار 74 - 21 - 2 والمستدرك 11 - 168 - الباب 3

28 ـ رجع البحار 74 - 21 - 2 والمستدرك 11 - 168 - الباب 3

29 ـ راجع نهج البلاغة، الخطبة رقم 160

 

***************************************

 

 

ملامح الحكومة الإسلامية المرتقبة

وعلى هذا فملامح الدولة الإسلامية المرتقّبة، هي:

- شورى مراجع التقليد، الذين تتوفّر فيهم شروط المرجعيّة، إلى جانب اختيار أكثريّة الاُمّة لهم، في أجواء حرّة.

- الأحزاب الإسلامية الحرّة التي أزمّتها بأيدي مراجع التقليد.

- تطبيق جميع القوانين الإسلامية، والتي منها الحريّات الآنفة الذكر، والاخُوة الإسلامية، وإسقاط الحدود بين البلاد الإسلامية، حتى تكون بلداً واحداً فإذا جعلنا مجالس الحسين (عليه السلام)، منطلقاً إلى هذه الاُمور، فقد أدّيْنا بعض ما علينا مـن اللازم تجـاه الإمام الحسين (عليه السلام) الذي لم يضحّ بنفسه وأهل بيته وأصحابه إلاّ لتطبيق الإسلام وإنقاذ الناس، كما في زيارته (عليه السلام): (لِيَسْتَنْقِذَ عِبادكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحيرةِ الضَّلالَةِ)(1) وإذا توفّرت الحركة الإسلامية الصحيحة ذات الصبغة الجماهيرية الواسعة، ووعى الشعب خيره من شرّه، تعقّب ذلك ما يلي:

حكومة الشعب:

الأوّل: اختفاء الإنقلابات العسكرية، التي ليست إلاّ عبارة عن تآمر جماعة من فاقدي الكفاءات بتخطيط من الكفّار والأجانب، للقفز على الحكم، ثم لا يكون شأنهم إلاّ سفك الدماء ومصادرة الأموال وملىء السجون وجعل البلاد نهباً للأجنبي الشرقي والغربي وكذلك اختفاء الحكومات الوراثية، والوصائية، حيث تمهّد الحكومة السابقة جوّاً من الدعاية لما تريده من حكومة مستقبلة ليس همّها إلاّ حفظ مصالح السابقين، فإنّ كلّ هذه الحكومات (الإنقلابية، والوراثية والوصائية) لا تكون إلاّ في جوّ فقدان الوعي وعدم وجود حركة إسلامية صحيحة تقف بالمرصاد لكل محاولة انتزاع السلطة من الاُمّة.

التعددية:

الثاني: توزّع القدرة حينئذ بين كافّة الطبقات والفئات، سواء قدرة الحكم أو السلاح أو العلم أو المال أو غيرها، فلا تكون القدرة بيد جماعة خاصّة تستبدّ بها، أمّا سائر الناس فلا شأن لهم، ومن لم يصفّق منهم للسلطة يكون مصيره السجن والتعذيب والقبر ومصادرة الأموال ولقد كان معاوية مصداقاً ظاهراً للحاكم المستبدّ الذي جمع مختلف السلبيّات ولقد قال فيه الإمام الحسين (عليه السلام): (أمّا بعد يا معاوية... لقد فضّلتَ حتى أفرطْتَ واستأثرْتَ حتّى أجْحَفْتَ و....) وقال (عليه السلام): (فأبْشِر يا معاوية بالقصاص.. وليس اللّه بناس لأخذك بالظنّة وقتلك أولياءه على التهمة ونفيك أولياءه مِنْ دورهِم إلى دار الغُرْبَة وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ما أراك الاّ قد خسرْتَ نفسكَ وتبرّت دينك وغششتَ رعيّتك وأخربْتَ أمانتك وَسَمِعْتَ مقالة السفيه الجاهل وأفت الورع التقي)(2) بينما إذا وزّعت القدرة يقع التنافس الحرّ، ولا تقدر جهة أن تجحف بحقّ الناس، كما هو الحال في (الإستشارية الإسلاميّة) ممّا يوجد شيء قليل منه في الديـمقراطية.

ان الغرب لمن العِبَر لنا نحن المسلمين، فانهم انما تمكّنوا السيطرة على البلاد الإسلامية وتدميرها، لتوزّع القدرة بينهم، ولدكتاتورية حكام بلاد الإسلام واستبداد الحزب الحاكم بالقدرة فيها، فبينما ترى في الغرب تعدّد الأحزاب الحرّة، وتعدّد الصحف الحرّة، وتبدّل الدولة من أوّلها إلى آخرها كلّ فترة مرّة في انتخابات حرّة، وكون الإعلام والمال والسلاح والعلم للجميع (وبطبيعة الحال الحرية في منطقهم، لا في منطق الإسلام) لا ترى من مثل هذه الحريّات في البلاد الإسلامية أقلّ أثر، حيث البلاد بما فيها من أغلبية مسلمة ساحقة ترزح تحت كابوس حكّام نزوا على الحكم بلا كفاءات ولا معتقدات اسلامية وفرضوا على الاُمة المسلمة أنظمة مخترعة من مثل القومية أو البعثية أو الشيوعية أو الديمقراطية المزيّفة، أو العلمانية، التي لا تعرف من الإسلام سوى التشدق باسمه، ومن القرآن إلاّ اجادة طبعه ورسمه، فهي بمعزل عن الإسلام والمسلمين وعن القرآن وأحكامه السامية.

أليس ذلك عبرة أن نعرف الداء ونعرف الدواء، ونحاول علاج المرض؟ وحينذاك تتجلّى عظمة الإمام الحسين (عليه السلام) في كلامه حيث قال: (...إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم)(3) وقال (عليه السلام) للحر: (ما أخطأت امّك إذ سّمتك حراً، فأنت حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة كما يظهر ذلك في ارجوزته (عليه السلام) يوم عاشوراء وهو يكرّ على الأعداء ويقول: آليـــت لا اُقــــتل إلاّ حــــرّاً****وإن رأيت الموت شيئاً نُـكراً

الكفاءات:

الثالث: ظهور الكفاءات، فإن الكفاءات لا تعيش في جو الاختناق والإرهاب، ولا تظهر ثمارها في مثل هذا الجو، وهذا أيضاً من أسباب قوّة الغرب وضعف المسلمين، فقد جاء في تقرير مسبق: ان في خلال ربع قرن من الزمان فقط وليس أكثر هرب من أصحاب العقل والفكر وذوي الكفاءات العلميّة والعمليّة، من الشرق الأوسط إلى امريكا واروبا وغيرها، زهاء نصف مليون، هذا بالإضافة إلى الذين قُتِلوا، أو جُمّدت نشاطاتهم، أو لم تتفتق مواهبهم من ملايين المسلمين وقد أصبحت غالب البلاد الإسلامية في الحال الحاضر، وفي عصر النور والذرّة تعاني من حيث سحق الكفاءات وملاحقة أصحاب العقل والفكر بأبشع مما كانت تعاني منه في القرون الوسطى وفي عصر الظلم والظلمات، فقد طارد حكّام تلك العصور من أمثال جابر بن حيان الكيماوي الكبير، حتى اختفى، وقَتَلت ابن السكيت بسلّ لسانه من قفاه، وقَتَلت عبد اللّه بن المقفع بقطع أعضاء جسده عضواً عضواً، وإلقائه في النار وهو حيّ وذلك أمام عينيه، حتى مات، ثم القاء بقاياه في النار أيضاً وقتلت ابن مقله بقطع يمينه ولسانه، حتى مات، وضربت على رأس محمد بن زكريا الطبيب كتبه حتى عمى وبقي متأثراً بالضربة حتى مات واننا نجد في كتاب الإمام الحسين (عليه السلام) لمعاوية: ( ألستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين كانوا ينكرون ويستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في اللّه لومة لائم، ثم قتلتَهم ظلماً وعدواناً بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكدة؟...أولستَ قاتل الحضرمي... قَتَلهم (زياد) ومثّل بهم بأمرك)(4).

نعم قتلوا (حجراً) و(ميثماً) و(كميلاً) وغيرهم، أما قتلهم للأئمّة الهداة الطاهرين وأولادهم وذويهم فحديث الركبان.

الرابع: يظهر واقع الثقل في مختلف الأبعاد العلمية والعملية في بلاد الإسلام، حيث ان الثقل والواقعية الزراعية والصناعية والتجارية والثقافية والعسكرية وغيرها، وليدة الكفاءة والحريّة، وبذلك تتلاحم القدرة والإيمان والعلم والمال والسلاح، وتتقدّم البلاد إلى الأمام بخطوات سريعة.

الخامس: استرجاع البلاد الإسلاميّة الضائعة، وانقاذ أهلها من براثن الكفار والمستعمرين، سواء المنسية منها، كالبلاد الإسلامية التي ترزح تحت الإحتلال الروسي أمثال (ارمينيا، وازبكستان، وتركستان، وتاجكستان، وقرقيزيا، وقازقستان) أم غير المنسية منها كفلسطين وارتريا وبلاد مورو وغيرها.

وإذا رأينا كيف ان المحرّم يمكن أن يكون منطلقاً للنجاة والإنقاذ، فالواجب هو:

- تكثير المجالس الحسينية، كمّاً.

- وتقويتها، كيفاً.

- وربطها بالوسائل الحديثة كالإذاعات والتلفزيونات والجامعات والصحف والأقمار الصناعية، وما إليها.

الإخلاص في العمل:

ثم ان من الضروري الإهتمام لمزيد من الإصرار في قضايا الإمام الحسين (عليه السلام)، واقتران ذلك بالتقوى، فإنّ اللّه تعالى انّما يَقبل عمل المتّقين، كما قال سبحانه: (إنَّما يَتَقَبَّل اللّهُ مِنَ الـمُتَّقين)(5)، فإنّ العمل إذا لم يكن منبعثاً عن الإخلاص لم يكن له أجر، بل كان له وزر، ويكون كذبائح (نمرود) للّه تعالى، فقد روى العلاّمة النراقي رحمه اللّه، ان نمرود لمّا رآى ان نار إبراهيم (عليه السلام) أصبحت عليه برداً وسلاماً أراد أن يظهر لعَبَدَته وبني قومه انه معترف باللّه، وانّه الإله الأكبر له، وليس هو إله إبراهيم (عليه السلام)، فقرّب إليه سبحانه بثمان عشرة ألف بقرة ومن الواضح انّ اللّه لا يَقبل عمل المفسدين، كما قال سبحانه في شأن قربان قابيل: (إذ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر(6) فإذا فعلنا كل ذلك، نكون قد ساهمنا في بيان هدف الإمام الحسين (عليه السلام) وواصلنا نهجه في مكافحة الإنحراف العقائدي والعملي كالكفر والنفاق والرذيلة والمرض والجهل والفقر والتخلّف والفوضى والحرب والعدوان والفرقة والتشتّت والخرق والقسوة والدكتاتورية والإستبداد وذلك بسبب مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)، وإقامة الشعائر الحسينية، وما ذلك على اللّه بعزيز.

كربلاء المقدسة - محمد الشيرازي

.................................................

1 ـ بحار الأنوار 98 - 231 - 2

2 ـ بحار الأنوار 44 - 214 - 9 ومن كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)119

3 ـ بحار الأنوار 45 - 51 - 37

4 ـ من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) 118ــ 119

5 ـ سورة المائدة، الآية: 27

6 ـ سورة المائدة، الآية: 27