الشورى في الإسلام

 

عقيل  أحمد

 

إسم الكتاب: الشورى في الإسلام

إسم المؤلف: المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى الإمام السيد محمد الشيرازي(دام ظله)

 

تمهيد:

شغل موضوع الشورى في الماضي ـ ولا يزال ـ الساحة الإسلامية، في كلّ ما يجري بمختلف مجالات الحياة الإسلامية، سواء أحصل في المجتمع، أم السياسة، أم الاقتصاد.

فالكوارث الاجتماعية والحروب الدامية وكبت الحريات التي حلّت بمجتمعات العالم في الماضي والحاضر، كانت نتيجةً لشعور الحاكمين بالتسلّط على مقدّرات مواطنيهم وإمكانيّاتهم وأعراضهم بلا وازع من دين أو خلق، أو رادع من قوّة.

وهذا التسلّط لا ينفرد الحاكم به لوحده ـ نتيجةً لعدم شعوره بالمسؤوليّة تجاه وطنه وشعبه ـ بل الواقع يفترض عدم الشعور بالمسؤولية في نفوس المحكومين أنفسهم، ومع انّ التاريخ يحدّثنا عن حكام خنعوا لسلطة الأجنبي أو المستعمر، إلاّ أن هذا الأمر يبدو قصير الأمد بالنسبة لحياة الشعوب والأمم وتأريخها المعروف بالتحرر والانعتاق.

وقد التفت العالم المتمدّن إلى جانب الشعور بالمسؤولية ابتداءً من رعايته واهتمامه بالحياة الأسرية تدرجاً وصعوداً حتى رئاسة الدولة فنرى تربية الطفل في كون نظافته ومواظبته على الدراسة، واحترامه للكبير في البيت والشارع والمدرسة. كل ذلك ليكون في مستوى المسؤولية عندما يكبر ويتحمّل مسؤوليته تجاه بلده.

وهذه العناية تشمل الجميع ليكون الناس كلّهم في مستوى واحد من المسؤولية التي تصبّ في اختيار من يقودهم في المستقبل إلى شاطئ الأمان. وتراهم اخترعوا أنظمة الأحزاب السياسية بدلاً من الأنظمة القبليّة والمدنية (نسبة إلى المدن) وكذلك استنبطوا البرلمان، والتجمّعات الضاغطة على الحكومة، وحكومة الظلّ، وأعطوها الإمكانيّة لتدلوا بدلوها في النظام الحكومي فعلاً لا قولاً.

فما أحرانا نحن المسلمين أن نلملم أنفسنا من اللاشعور بالمسؤولية حكّاماً ومحكومين والحديث النبوي الشريف يهيب بنا: (المستشار مؤتمن، والمستشير معان) (تفسير أبو الفتوح: 3/229) لتكون الشورى، مبدأً مقدّساً يحفظ للجميع حكّاماً ومحكومين سبل الأمان من التصرّف اللا مسؤول والذي ينمّ عن جهل مركّب في فهم المباني الأساسيّة لقيادة المجتمع في شتّى أموره السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونحن أولى من غيرنا باتباع الحق، فثمرات الجهود الرسالية للأديان الإلهية وتعاليم الإسلام وتراث النبي (ص) وأهل بيته (ع) حريّة أن تقودنا إلى الصواب، وهو تقدير الأمة الواعية لمن له الحق في تمثيلها في كافّة المستويات على صعيد الشارع، أو المدينة، أو الدولة أو الأمة واتباع الآليات المناسبة في الوقت والمكان المناسبين.

اتجاهات الكتاب

يتضمن الكتاب ثلاثة اتجاهات:

الأوّل: المعنى اللغوي للشورى وموردها في القرآن الكريم، وبيان مواردها الوضعية في العرف والأمة والتاريخ.

الثاني: مورد الشورى في الأحاديث والأخبار، وقد خصّص لها السيد (دام ظله) فصلاً كاملاً في الكتاب.

الثالث: الشورى في مجال تطبيقها الواقعي من حيث المراد منها في التنظيمات والأحزاب وأنظمة الحكم الحاليّة، ديمقراطية كانت أو غيرها، وفي المجالس النيابية (البرلمانات).

معنى الشورى

التشاور والمشورة والمشاورة: هي استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من قولهم شرت العسل، إذا استخرجته من موضعه. وهذا المعنى أقرب لمفهوم الشورى باعتباره يتضمن معنى استخراج الرأي، كما يستخرج العسل من داخل خلية النحل.

وقد ورد لفظ الشورى ثلاث مرات في القرآن الكريم:

المورد الأوّل: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين.. ـ إلى قوله تعالى ـ واعلموا أنّ الله بما تعملون بصير) (سورة البقرة: 233) فالقرآن الكريم يوجّهنا لأن نشاور في رضاع الولد في أصغر بنية في المجتمع وهي الأسرة، فكيف والحال أولى في مصير الأمّة بأسرها؟

المورد الثاني: (فبما رحمة من الله لنت لهم ـ إلى قوله تعالى ـ إن الله يحب المتوكلين) (سورة آل عمران: 159). وفيه رأيان أحدهما يقول بالعزيمة على رأي النبي (ص) والرأي الثاني: التوكل على الله بعد تمام المشاورة والعزم على إمضاء ما ترجّحه الشورى. وهو الرأي الأظهر تدعمه سيرة النبي (ص) في بدر وأُحد.

المورد الثالث: (والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون) (سورة الشورى: 38). وهي في وصف المؤمنين في المجالات الثلاث: العبادي، والسياسي، والاقتصادي، مما يشكّل أركان المجتمع الإسلامي.

واستناداً للآيات الثلاث يتّضح:

1ـ أنّ الشورى مبدأ إسلامي عام للسياسة والاجتماع.

2ـ أنّ للشورى مجالان: مشورة الحاكم المسلم لرعيّته، ومشورة الرعيّة المسلمة فيما بينها.

3ـ إنّ مبدأ التشاور خاص بشؤون المسلمين عدا الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص من الشارع المقدّس.

حجّية الشورى

وقد استدل الإمام آية الله العظمى السيد الشيرازي (دام ظله) على وجوب الشورى بأمور منها:

أوّلاً: وجوب الأخذ بالإذن في التصرف بكل شيء يرتبط بشؤون الأمّة سواء في أصل الجعل أو تابعه. كالمدارس والمستشفيات، والمصانع وكذلك الحال في الوظائف العامّة في الدولة، لأنّها:

1ـ تصرّف بمال الأمّة، ويجب الإذن فيها.

2ـ تصرّف في كيان الأمّة، فرضى الأمّة في طول رضى الله وإجازته.

وعلى هذا فلا يصحّ أن يكتفي المقلّدين بمراجع التقليد لتنصيب المدراء ومن أشبههم، لأنهم وكلاء الأمة وخلفاء الرسول (ص). بل إنّ الفقهاء أنفسهم لا يحتكرون الأمر لأنفسهم، وهم العالمون بأنّ الاستشارة خير مظهر لأوجه الرأي والوصول إلى أحسن النتائج. ففي المجتمع: المجموع بما هو مجموع يستشيرون ويستشارون.

ثانياً: في آيات القرآن الكريم، حيث الشورى عبارة عن استطلاع الآراء ليظهر الرأي الأصوب. وهو في باب الحكم الواجب، حيث قال سبحانه: (وأمرهم شورى بينهم) (سورة الشورى: 38). فإنّه حيث ذكر الأمر في صفات المؤمنين وكان بين الواجبات ـ في الآية ـ دلّ على الوجوب سياقاً واتّصافاً. قال سبحانه: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ـ إلى قوله تعالى ـ ومما رزقناهم ينفقون) (سورة الشورى: 36-38) حيث ذكر الباري عز وجل خلالها مصطلح الشورى في عداد اجتناب الكبائر وإقامة الصلاة وهي من الواجبات. وذكر سماحة السيد الشيرازي (دام ظله) بأنّ الإشكال الواقع في سياق الآيات حول التوكل وغفران الذنب بأنهما ليسا بواجبين: والإشكال في كون مطلق الشورى في كافة الأمور إذا كان واجباً كان ذلك خلاف الضرورة، وإن كان في بعضها كان ذلك مجملاً، فلا دلالة، وعليه فلابد من حمل الآية على الاستحباب. وفي ردّ هذا الإشكال نقول: إن ظاهر الآية (وأمرهم شورى بينهم) وجوب الشورى إلا ما خرج، والحكم ممّا لم يخرج قطعاً، فالآية سواء استعملت في الجامع بين الواجب والمستحب مثل آيات الإنفاق (راجع سورة الإسراء: الآية 100، وسورة البقرة: الآية 195، وسورة النساء: الآية 39، وسورة الرعد: الآية 22، وسورة الفرقان: الآية 67) أو في الوجوب واحتاج الخارج إلى الدليل، كانت الاستشارة في الحكم واجبة، ويؤيد هذا الوجوب قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) (سورة آل عمران: الآية 159) بضميمة أنّ رسول الله (ص) أُسوة يجب اتّباع الحاكم الإسلامي له.

ويأتي النقاش في مجال الاستدلال بالآية، ضمن الإجابة على كلّ التساؤلات الواردة بخصوص حجّية الشورى وبأجوبة ذات دلالات منطقية وردت مدعمة بالنصوص القرآنية وأحاديث النبي (ص) وأهل بيته المعصومين (ع). وهي ملخّص لكل ما يرد من إشكالات من المحتمل أن يواجهها أصحاب الاستدلال الأصولي لهذه الغاية وبيان إرادة المشرّع فيها. وهذه التساؤلات وأجوبتها لا يتّسع المجال لذكرها هنا.

موارد وجوب المشورة

أورد سماحة السيد (دام ظله) أنه: لا مشورة في الواجبات والمحرمات، كأمر النبوّة والإمامة (حيث أنّهما بالنص من قبل الله تعالى) وكذلك في سائر الأحكام: المستحب، والمكروه، والمباح. ومنها الأمور الوضعيّة (مثل تعيين عين الشيء).

أما في سائر الشؤون الشخصية، فتستحب المشورة فيها، أما في الشؤون الاجتماعية مثل المؤسسات فتجب مشورة الحاكم مجيئاً إلى الحكم وبعده.

فالأول: لأن الناس لا يصحّ التسلّط عليهم إلا برضاهم ولأنّ الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم، هذا إضافةً إلى كون الحاكم جامعاً للشرائط في الشريعة الإسلامية.

أما الثاني: فلأن وجوب المشورة في تنفيذ أمر دون أمر بعد مجيئه إلى الحكم، لأن تخويله الصلاحية من قبل الناس في أمر، لا يمنع أخذ إذنهم في غيره من الأمور.

وفي الجواب على السؤال التالي: أليس مرجع التقليد منصوباً من قبل الأئمة (ع) فهو كالواجب؟ نقول:

أولاً: اختيار المرجع دون غيره أمر اختياري للناس كاختيارهم لإمام الجماعة في المسجد أو القاضي.. الخ.

ثانياً: أنّه حتى مرجع التقليد (الشائع التقليد) ليس له الحق في تنفيذ رأيه على سائر المراجع ولا على مقلّديه. فانتخابه ليكون صاحب قرار في تشكيل حكومة، لا يعطيه التخويل بالصلاحية المطلقة لتصرّفه في أموالهم ودمائهم وأعراضهم، بل بقدر ما يرى المقلّدون (والمراد بهم الأكثرية) فإذا رأى هو الحرب، والمقلدون رأوا السلم، فلا حق له في إدخال الناس الحرب. فقوله (ع): (فإذا حكم بحكمنا) لا دلالة فيه على نفوذ رأيه إذا لم ير المقلدون أنه ليس بحكمهم (ع).

هل يجب إبداء الرأي عند الاستشارة؟

يقول سماحة آية الله العظمى السيد الشيرازي (دام ظله): إنّه لازم على نحو الكفاية من باب إرشاد الجاهل، وتنبيه الغافل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما الزائد على ذلك فلا يلزم على حساب مقتضيات الحكم والموضوع.

 ما هي حدود الشورى؟

يقول سماحة السيد محمد الشيرازي(دام ظله): يجب الأخذ بالمشورة بقدر تحقق إجازة التصرّف في المال والنفس، لا أكثر ولا أقل. 

ما هو قدر المشورة؟

يجيب الإمام السيد (دام ظلّه) على هذا السؤال: ذلك موكول إلى العرف ـ وليس من قبل الأمر ـ بالطبيعة المحقق ولو بأقل قليل منها. فمثلاً لو قال قائل: إاتني بالماء، فالقرينة قائمة على مقدار السقي للارتواء ولا يقتضي الإتيان بكل الماء، وإن كان ميسوراً. فإن اختلف العرف وتعدّدت الآراء وفقاً لاختلاف البلدان والعادات فيؤخذ بأشهر الأعراف، وإن تعدّد العرف تُخيّر أو اقتُرع. وتجد في بعض الروايات كثرة الاستشارات في قضية واحدة، إنّما أريد بها ظهور الرأي الحصيف.

ما سبب الحاجة إلى المشورة؟

في الإجابة على هذا التساؤل، يقول سماحته (دام ظله): الاستشارية في الحكومات الإسلامية أو الحكومات الزمنية هي صمام الأمان، لأن الناس كما يحتاجون إلى ملء بطونهم فهم بحاجة إلى ملء أذهانهم. فكما إنّ الجائع يخرج على من جوّعه بالإضراب والمظاهرة حيث ورد: (عجبت للفقراء كيف لا يخرجون بالسيف على الأغنياء) كذلك من لا يستشار، يخرج على من جوّع فكره، مهما بلغت نزاهة الحاكم، فلا يكفي للحاكم الإسلامي أن يطبّق مبادئ الإسلام وقوانينه بدون تطبيق مبدأ الشورى وهو ركن مهم في الحكم الإسلامي لأن الناس عندما يرون عدم تطبيق قانون الإسلام الذي هو الشورى ينفضّون من حوله، وإنّ حسن الاستنباط والتطبيق المفروض في الحاكم الإسلامي لا يكون إلاّ بالاستشاريّة. ودليل ذلك فشل الحكومات الإسلامية في العصر الحالي في جمع الناس حولها، وكذلك فقد فشلت الخلافة الأموية لأنها مارست الإرهاب والاستبداد وكذلك الخلافة العباسية حكمت بالحديد ثم سقطت إلى الأبد. والشيء نفسه بالنسبة للخلافة العثمانية التي سقطت واندثرت ولم يترحّم عليها أحد. فالاستشارية معناها تطبيق المئات من الأحكام الإسلامية إضافةً لتطبيق مبدأ الشورى في الحكم.

ما هي عاقبة ترك الشورى؟

وفي إجابته (دام ظله) لهذا السؤال، يقول: المسلمون يعون السياسة الإسلامية كما يعون الصلاة والصيام والحج والخمس، فكما انهم لا يخدعون بمن يترك العبادة بألف عذر وعذر، كذلك فهم لا ينخدعون بمن يترك السياسة الإسلامية بمختلف الأعذار. ولذا فانفصال المسلمين عن حكامهم يؤدي إلى صغر هؤلاء الحكام وسقوطهم. إنّ عدم تطبيق الشورى سيجعل الفاصلة بين الحاكم والرعية كبيرة، فيأخذ كل طرف بقذف الطرف الآخر. فالحاكم يهاجم رعيّته ويتّهمهم بالارتداد عن الثورة أو العمالة إلى الاستعمار والأجنبي، وأخيراً بالرجعية، أو أنهم كسالى عاطلون إلى غير ذلك من التهم.

ولو وقفنا عند تأريخ الغرب حين ابتلائه بحكام مستبدين سواء باسم الدين كما في حكام الكنيسة، أو باسم الدنيا كما في الملوك والدوقيّات، فكانت أوضاع الإمارات الأوربية تتردّى إلى أسوأ، حتى قام عقلاء الغرب بتأليف العديد من الكتب التوعوية ـ نحو عشرين ألفاً كما في إحدى النشرات ـ وتوزيعها بالملايين على الناس، فأدّت إلى إيقاظهم وتنبيههم إلى سبب المشكلة التي يعانون منها وهي حكّامهم المستبدّون، وإنّ الخلاص لا يتحقق إلا بتوزيع السلطة. (ومن أمثال هذه الأفكار: العقد الاجتماعي: لجان جاك روسو، الحكم المدني: لجون لوك، روح الشرائع: لمونتسكيو) وكانت الحصيلة انتصار الغربيين على مشاكلهم وارتفاعهم عن الحضيض، حتى أنهم صاروا سادة العالم إضافة إلى كونهم سادة أنفسهم. ونجد تنبيه أمير المؤمنين (ع): (الله الله في القرآن لا يسبقنّكم بالعمل به غيركم) (بحار الانوار: 75/100، ح2).

وهل الأمة طرف في المشكلة؟

يقول سماحة السيد (دام ظله): ليست المشكلة فقط في الحكام والمتزلّفين من حولهم بل الطامة الكبرى في الرحم الذي تولّد فيه هؤلاء الحكام، وهي الأمّة، فوجود القابلية على تقبل الاستبداد فيها، يمكّن الحكام الطغاة من السيطرة عليها فالمرض يفتك بالجسم الضعيف عديم المناعة. ولذا فهمّة الواعين رفع هذا المرض عن الأمة حتى لا تقبل المستبد، لذا يأتي قول أمير المؤمنين (ع): (لولا ما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها) (نهج البلاغة: خطبة 30) وقبل ذلك القرآن الحكيم: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار) (سورة المائدة: 63).

حل المشكلة

والعلاج لحل مشكلة الاستبداد يكون في تقسيم القدرة، ومن المؤكد أن الجسم المريض من فترة ليست بالقليلة لا يمكن علاجه بمدة قصيرة أو دواء بسيط، كذلك المسلمين الذين عشعش الاستبداد في دولهم قروناً، لا يعالج داؤهم إلا بنشر الوعي العام بكل الوسائل الإعلامية الممكنة. والمطلوب الشروع بالعلاج كل حسب قدرته العلمية والمادية. ففي حديث: (إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه وإلا فعليه لعنة الله) (البحار: 54/234، ح188).

كيفية الاستشارة

ويعتقد الإمام السيد الشيرازي (دام ظله): أنّه حسب الاستنباط الشرعي في الكبريات والتطبيق العرفي في الصغريات، فإن حدود المفاهيم الشرعية بيد العرف الموجّه إليهم الخطاب، فعندما يقول الشارع مثلاً: (الناس مسلّطون على أموالهم) (البحار: 2/272ح7). ويتمّ الرجوع إلى العرف في تحديد مفهوم السلطة ومصداقها، ولدى الشكّ بالشبهة المصداقية، فالمرجع: الأصول العملية ولذا فمن الضروري على السلطة المنتخبة مرجعياً، أو سائر السلطات التنفيذيّة أو القضائية أو التأطيرية ـ والتي تسمى بالتشريعية تجاوزاً على الشارع المقدس، إنّما هي لصب القانون الإلهي في الصفة الملائمة عصرياً ـ أن تجمع حول نفسها جماعة من المثقفين الإسلاميين وآخرين من المثقفين الزمنيين. فإذا اختلفت جماعة مخصصة لشأن في الصغريات، فإنه يلزم ملاحظة الأكثرية توافقاً مع مبدأ الشورى، ولو فرض التساوي في الآراء، فالمرجع: السلطات العليا، ولو وقع الشقاق هنا أيضاً: فالأكثرية، فإن لم تجد: فالقرعة.

الشورى في الأحاديث والأخبار

أورد سماحة السيد (دام ظله) (172) حديثاً من مختلف المصادر الإسلامية الموثوقة، وجملة من الروايات الواردة عن الرسول (ص) وأهل بيته المعصومين (ع) في باب المشورة لا يسعنا هنا ذكرها.

الشورى في التطبيق

في تعريف الحزب يقول: هو وجود هدف أو مصلحة مشتركة بين أفراد تجمعوا حول بعضهم البعض من أجل الوصول إلى هذا الهدف وصونه والتوسّع فيه. فالحزب المحافظ أو التقدّمي يجسد أسلوب تفكير اجتماعي خاص، أما الطوائف الدينية وشبه الدينيّة. فتمثّل سلسلة من المصالح المشتركة بين الأفراد.

ويذكر سماحة السيد الشيرازي (دام ظله) جملة من تصانيف الأحزاب ويقارن بين الأحزاب اليمينية واليسارية حسب الاصطلاح الشرقي، فإن اليساري الشرقي يشمل مصالح فئات أوسع من الفئات التي يشملها الحزب اليميني، وكذلك الاصطلاح الغربي للحزب اليميني الذي يجعل كسب كل شخص لنفسه، واليساري الغربي هو الذي يجعل كسب الأفراد للمجموع. وكلاهما في نظر الإسلام قائم، كما ذكره سماحة السيد في كتابيه (الفقه: السياسة) و(الفقه والاقتصاد) (موسوعة الفقه، ج105-106 وج107-108).

وحسب اعتقاده، إن الأحزاب السياسية تنقسم إلى:

1ـ الأحزاب الراديكالية (أو التقدّمية المتشدّدة): وتتألّف من مجموعات معارضة ترمي إلى تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع بأي ثمن كان.

2ـ الأحزاب التقدّمية المعتدلة (أو الأحرار): وتتألّف من مجموعات اجتماعية ترمي إلى حدوث تغيير في الوضع بصورة هادئة وغير متسرّعة.

3ـ المحافظون: وهم مجموعات لا ترغب في أي تغيير بالرغم من ادعائهم ذلك.

4ـ الرجعيون: وهم مجموعة من الناس الذين يبدون رضاهم حيال الوضع الراهن ولا يرضون لأي تغيير فيه ويرى سماحة الإمام السيّد (دام ظله) أن الجاذب الاجتماعي لأي حزب في الوسط الشعبي والفئات خارج المزايا المتاحة في المجتمع يتوقف على مدى احتواء المصلحة المشتركة للحزب، للمصالح الاجتماعية الخاصّة والعامّة لفئات شعبية أوسع. وفي المجتمعات التي يفتقد الناس فيها إلى التجربة والممارسة الحزبية، فيما الحكومات الحزبية لا ترغب في توزيع السلطة بين الأحزاب الصحيحة والسليمة، فإن الأحزاب تصير على شكل منظمات لا تشعر الحكومة أمامها بالمسؤولية، ولا يرى الناس فيها ما يجسّد خياراتهم الاجتماعية ومتطلباتهم الاقتصادية.

أسباب فشل الأحزاب السياسية في العالم الثالث

على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس الأحزاب السياسية في العالم الثالث، إلا أن قضايا الأحزاب لا زالت شيئاً جديداً بالنسبة للجماهير الشعبية وفئات المجتمع. والسبب في ذلك:

1ـ الذكريات المرّة للأحزاب السياسية في ذاكرة شعوب العالم الثالث في بلدانها.

2ـ فقدان الكتب والتعليم الخاص بقواعد السياسة في المعاهد والجامعات مما أدّى إلى جهل المجتمع بقضايا السياسة والأحزاب. من هنا جاء فشل الأحزاب السياسية في تجربة الانتخابات النيابية ومجالس المدن.

ويدرج سماحة السيد الشيرازي (دام ظله) جملة من التساؤلات على ألسنة المثقفين الذين فوجئوا بتغيرات الأوضاع السياسية وذاقوا ويلاتها، وتشمل: قدرة الأحزاب على تجسيد خيارات الشعوب وأداء واجباتها؟ وما هو دورها في مصير الحكومات؟ وما هي حسنات الأحزاب ومساوئها؟ وكيفية تحول قوى الأحزاب السياسية إلى أداة لتحقيق المصالح الشخصية؟

وضمّن السيد (دام ظله) التعريف الخاص للحزب السياسي المعنى اللغوي والقرآني، واستعرض إطراد قوة الأحزاب في البلدان الغربية نتيجة إقبال الناس على هذا النوع من المدارس السياسية حتى أنّ الحكومات لم تستطع البقاء في السلطة دون دعم ومساندة الأحزاب حتى وصل الأمر إلى حد أصبحت فيه الأحزاب السياسية في المجتمعات الغربية من مستلزمات الديمقراطية. وفصّل (دام ظله) أن الأحزاب السياسية تشكّل الأسس أو الدعامات الهيكلية للمجتمع، في حين أن المنظمات الشعبية تشكّل هيكلية المجتمع.

الهيكلية العامّة للأحزاب السياسية

وفيها يتولى عدد محدّد من الأشخاص وهم في مستــوى المسؤولية الحزبية، إصدار الأوامر، فيما الغالبية من الأفراد الحزبيين يطيعون هذه الأوامر. ويتكتّل أعضاء الحزب انطلاقاً من لائحته التنظيمية ونظمه الإدارية إلى مجموعات صغيرة. وتكون الصلة بين الأفراد الحزبيين والتنظيمات المختلفة للحزب بصورتين:

1- العلاقة المباشرة: وهي القبول بعضوية الحزب ودفع بدل العضوية والاشتراك في الاجتماعات وإبداء وجهات النظر حول القضايا السائدة في البلد.

2- العلاقة غير المباشرة: وهي الانتماء إلى النقابات والشركات التعاونية والجمعيات لعدم تمكّن الأفراد من الالتحاق بالعضوية بصورة مباشرة.

التنظيمات الداخلية للأحزاب السياسية

تصنف تنظيمات الأحزاب السياسية اليوم إلى عدة مجموعات:

1ـ اللجنة: وهي للأحزاب الحرة، والمحافظة، والراديكالية (المتشدّدة). وتتألف من مجموعة أفراد تتمّ عضويتهم في الحزب عن طريق تعريف المسؤولين والمؤسسين للحزب. وأساس بناء اللجنة يهتم بالكيفية. واللجنة تتألف من نوعين من الأعضاء:

النوع الأول: يكون الاهتمام منصّباً على طبيعة الشخص وأهميته، والفرد المنتخب في العضوية يشارك في اللجنة.

النوع الثاني: يشترك ممثلين من النقابات والجمعيات في اللجنة.

2ـ المنطقة: وهي من مبتكرات الأحزاب الاشتراكية: وهي تتلقّى الأوامر من مركز واحد وهو النواة المركزية للحزب. وتعتبر المنطقة جزءاً من الدعاية الأساسية للحزب. وهي تولي اهتماماً بالكميّة أكثر من الكيفيّة وتسعى لانضمام فئات مختلفة في المجتمع إلى الحزب. وتعقد اجتماعات المناطق بصورة دائمية ويمكن توجيه النقد من خلال المناطق لأساليب الحكومة الحزبية والمسؤولين في الحزب. والمنطقة لا تؤدّي دوراً في النشاطات الانتخابية على العكس من (اللجنة).

العلاقات الداخلية في التنظيمات الحزبية

وقد أورد السيد (دام ظله) هذه العلاقات حسب وجودها داخل التنظيمات بطريقتين:

1ـ العلاقات العمودية: وتحول دون خطر الانفصال عن الحزب إلى أجزاء مختلفة، ومنع تسلل أية أفكار مناهضة لعقيدة الحزب إلى داخل تنظيماته. وأن تقوم التنظيمات الحزبية بصورة سرية.

2ـ العلاقات الأفقية: ويكون الترابط بين الأفراد والمؤسسات في علاقة ذات مستوى واحد فيما بينهم لا يتقيدون بالضوابط الإدارية ومراعاة التسلسل القيادي. وغالباً ما نرى ذلك في النقابات والجمعيات الأدبية والثقافية.

أقسام التمركز

وينقسم التمركز داخل التنظيم إلى قسمين: دكتاتوري، وديمقراطي.

أمّا الأول: ففيه لا يسمح لأعضاء الحزب أن يعبّروا بجدّية عن آرائهم ومقترحاتهم، ولذا فلا توجد علاقة بين آراء أعضاء الحزب وقرارات مسؤوليه. أمّا الثاني فعندما يسود التمركز الديمقراطي (الاستشاري): فإن آراء غالبية الأعضاء أو مندوبيهم تؤخذ بالاعتبار عند صياغة قرارات الحزب من قبل قياديّيه.

بدل العضويّة

وهي من واجبات الفرد لدى التحاقه بعضوية الحزب، إضافةً إلى بدل الالتحاق وفي حالة اهتمام الحزب بالكيفية (نوعية الأعضاء) لا يؤثّر بدل العضوية في حالتها المادية. لأن الحزب في هذه الحالة يتلقّى المعونة المالية من جهات موالية له. أمّا في حالة اهتمام الحزب (بالكمّية) فإنّ بدل العضوية للأفراد تشكّل المورد الرئيس لماليّة الحزب.

الأحزاب الديمقراطية والديكتاتورية

يقال للحزب أنّه ديمقراطي: في حال انتخاب زعمائه من قبل أعضاء الحزب من خلال الانتخابات وبالاقتراع السرّي أو العلني. وإنّ منهج الحزب على صعيد التنظيم أو القرارات يتم تحديده في المؤتمر العام للحزب.

ويقال للحزب السياسي أنّه دكتاتوري: في حال تعيين قادته بحلول النائب محل القائد، ويكون منهج الحزب حسب رغبة قادته، والرأي المخالف للمنهج العام فيه ممنوعاً.

الأحزاب السياسية والمؤسسات الحكومية

تسعى الأحزاب السياسية إلى التأثير في اختيار الوزراء والنواب وأعضاء البرلمان. فالنظام القائم على عدة أحزاب من شأنه أن يفتت المعارضة في عدة جهات ويمتص زخمها، أما النظام المستند على جبهتين أو من حزبين كبيرين، فيواجه معارضة بحدّها الأعلى. ويظل في هذا النظام حزب الأغلبية هو الحاكم وتكون المعارضة والرقابة من نصيب حزب الأقليّة.

وضمن تبيان الفوارق بين النظام ذي الحزبين وذي الأحزاب المتعددة يتبيّن أن نتيجة الانتخابات بين الحزبين تظهر في مرّة أو دورة واحدة. ويكون رأي الأكثرية فيها هو المِلاك. في حين أن الانتخابات بين الأحزاب المتعددة يتم في دورتين أو على مرحلتين، ويعتبر رأي الأكثريّة للأحزاب هو المِلاك. وهذه الصورة تخلق حوافزاً لاتحاد الأحزاب أو لتحطيم مراكز السلطة لديهم.

الأحزاب وتجمّعات الضغط

ومجموعات الضغط: هي منظمات سياسية تفرض نفوذها عبر النشاطات خلف الستار لأجل أغراض نقابية أو مهنية أو تجارية. مثل مراكز الضغط (اللوبي) التي تتدخّل في الصراعات بين أعضاء مجلس الأمّة والوزراء وكبار الموظّفين في الحكومة. وهي على صنفين:

1ـ مجموعات السلطة الحاكمة: وتتحدّد بأعضاء البرلمان أو مجلس الوزراء أو غيرهم.

2ـ مجموعات الجماهير الشعبية: وتتحدد في عمل الصحف والخطب والاجتماعات، والنشرات الإعلامية الأخرى.

إن مجموعات النفوذ (اللوبي) بلا تنظيم محدد على النقيض من الأحزاب السياسية، وغالباً ما يكون أعضاؤها محدودي العدد وليس لها صلة مباشرة مع الإدارة أو الحكومة بل تسعى إلى تأمين مصالحها بواسطة أفراد يتولّون السلطة الحكومية، فإن لم تنجح في ذلك تسلّلت إلى داخل الوسط الشعبي ليكون الموقف الشعبي عامل ضغط على السلطة الحاكمة، عن طريق الإضرابات والمظاهرات والحملات الصحفيّة، سواء كانت علناً أو خفية.

السلطة السرّية

إنّ نشاطات السلطة الخفيّة في المجتمعات المتقدّمة في إطار الصراع السياسي للحفاظ على الثروات الوطنية وغيرها، تعتبر من الشروط الضرورية لاستمرار الديمقراطية، لأنّ النقد الخفيّ للأساليب التي تتّبعها السلطة السياسية الحاكمة في كافة المجالات من شأنه أن يؤدي إلى تدعيم الديمقراطية. بينما في المجتمعات المتخلفة تسقط الحكومة بسبب هذه الجماعات السرية ويكون التنازع بينهما عبر التخريب والإفساد والتهريج.

الزعامة والرصيد المالي للأحزاب

في الغالب لا يعتبر رأس التنظيم زعيماً حقيقياً له، بل إنّ الموجهين الحقيقيين مخفيّون عن الأنظار أو إنّهم يعيشون وسط الناس بوصفهم أفراداً عاديّين أو أعضاء عاديّين في نفس التنظيم.

ويقوم الرأسماليون الكبار في البلاد الديمقراطية بتوظيف أموالهم لخدمة الأحزاب السياسيّة ولا يشاركون فيها، وهم أصحاب كبريات المصارف، والصناعات الكبيرة، والمؤسسات الماليّة فهم يسعون للحصول على توظيف أموالهم في مناقصات الدولة عند فوز أحزابهم.

والحزب الذي يريد أن يستمر في موقعه بالسلطة، ونشر نفوذه وسط الجماهير والفئات الشعبية عليه أن يكون في غنىً عن المساعدات الماديّة حتى يبقى حائزاً على دعم الشعب ومساندته نتيجةً لحسن سمعته وبقاء خياراته من خيارات الشعب نفسه. وإمكانيات الحزب تمكّنه من جذب فئات الشعب نحوه عن طريق الدعاية والنشرات وتنظيم الاجتماعات.

النظام الحزبي في الحكومة

يستطيع النظام الحزبي أن يحدّد مسؤولية الحكومة تجاه الشعب، وفي ظل النظام ذي الحزبين، يتولى الحزب المعارض مهمّة توجيه النقد إلى الحكومة، ويقوم بمتابعة خطواتها فيما تدافع الحكومة عن نفسها، وعن مجلس الوزراء، تعرض منهجها العام لتحكيم الشعب ليقول رأيه في النزاع بينها وبين الحزب المعارض. وبهذا يجعل النظام الحزبي القضايا السياسيّة في متناول الناس العاديّين.

البرلمان

في بلدان العالم المتقدمة، استحدث البرلمان من أجل تحديد وتحجيم السلطة المطلقة للحاكم، وتحديد نفقات المؤسسات الحكومية والتي تجبى من الضرائب، وبهذا استطاعت في مقابل مصادقتها على لوائح الحكومات المالية أن تحدث اصلاحات في مستوى متطلبات البلاد.

الأحزاب والانتخابات

تعتبر المشاركة في الانتخابات البرلمانية من جملة الواجبات الرئيسية للأحزاب السياسية، وكذلك فإنّ الناس ينظرون إلى المرشحين الحزبيين على أنهم ممثلون لهم، فيما لو كانت الأحزاب السياسية ذات سمعة طيبة عندهم ولذا فهم يدلون بأصواتهم لمصالح مرشحي تلك الأحزاب.

النظام الحزبي والنظام البرلماني

في النظام الحكومي الحزبي يتم توزيع المقاعد البرلمانية بنسبة الأصوات التي تفوز بها الأحزاب السياسية. وفي نظام حكم الأكثرية يتم انتخاب مرشحين لعضوية البرلمان في حالة فوزهم بأصوات أكثر. وفي فترة الانتخابات يسعى أغلب الناس إلى المشاركة في بحث ودراسة القضايا السياسية المطروحة للنقاش من جانب الأحزاب المختلفة، ثم يتمّ اختيار الرأي الموافق ويتمّ التصويت لصالح الأشخاص اللائقين لمهمة تطبيق هذا الرأي في يوم الانتخابات البرلمانية، وبهذا يتجسّد الوعي والتثقيف السياسي للشعب.

المصدر:alshirazi.com