مقاربة مناهجية في فقه المذاهب الإسلامية

 

 

إسم الكتاب: الحسين عليه السلام والتشريع الإسلامي

إسم المؤلف: الشيخ محمد صادق الكرباسي

عدد الصفحات: 540 صفحة من القطع الوزيري

تقديم: نضير الخزرجي

 

لازمت التشريعات الإنسان منذ أول يوم وطأت قدماه الأرض، فهي ظله ومنه كالروح للجسد، لا يستطيع منها فكاكا، لان التشريعات ان كانت وحيا سماويا أو وضعا أرضيا، تتحرى في قمة أغراضها سعادة الإنسان تجلب له الغنم وتدفع عنه الغرم، وتنظم له علاقاته السداسية الأبعاد، من بعد المعبود الى بعد البيئة مرورا ببعد علاقة الفرد بنفسه والفرد الآخر والمجتمع والدولة، في منظومة علاقات مترابطة، تؤثر الواحدة بالأخرى إن سلبا فسلبا وان إيجابا فإيجابا في أنساب متفاوتة بين بعد وآخر وتشريع وآخر.

والتشريعات حالها حال المجتمعات البشرية، خاضعة للتطورات، لان التشريع في أصله يوضع لتنظيم هذه العلاقات، وكلما ازدادت شبكات المجتمع وتعقيداته إزدادت معها الحاجة الى نظم وقوانين جديدة تواكب حركة عجلة الحياة حتى تفك من عقد الشبكات وتجعل الحياة أكثر يسرا وتقرب المسافة بين الأبعاد الستة وترطب أجواءها بما فيه صالح الإنسان وصالح الكرة الأرضية التي تستوعب هذا الإنسان، وتوفر له الحياة الرغيدة في دار الدنيا بقياسات التشريعات الأرضية، وسعادة الدارين الدنيا والآخرة بقياسات التشريعات السماوية.

مقاربة فقهية

وللوقوف على سلسلة التشريعات التي مرت على البشرية منذ الأب الأول لسلالتنا، آدم (ع) حتى يومنا هذا، مرورا بالنظام الرأسمالي والاشتراكي، والتوقف مطولا عند التشريع الإسلامي وتفاصيله قبل الإفاضة الى الإرث التشريعي الذي تركه الإمام الحسين (ع) في التشريع الإسلامي، صدر الجزء الأول من كتاب "الحسين والتشريع الإسلامي" من سلسلة من عشرة أجزاء تعتبر أحد أبواب دائرة المعارف الحسينية الستين.

والكتاب الذي يعد مقدمة في التشريعات بعامة والتشريع الإسلامي بخاصة، صدر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن في 540 صفحة من القطع الوزيري، وهو واحد من 36 مجلدا صدر حتى اليوم، يبحث فيه الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي ولأول مرة في عالم التأليف في النهضة الحسينية عن دور الإمام الحسين (ع) في التشريع الإسلامي بوصفه ممن يشمله قوله تعالى في الآية 59 من سورة النساء: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) فيكون قوله وفعله وتقريره حجة، فيتناول هذا الدور: "بشكل مستدل وموثق ومقارن ومفلسف في آن واحد"، وهو يستعرض المسألة الشرعية ومناقشة نسبتها ووثاقة السند ودراسة الدلالة علميا وبيان الأقوال فيها ومقارنتها بين المدارس الفقهية السبع القائمة في عالم الفقه الإسلامي: الإمامية والأباضية والحنبلية والحنفية والزيدية والشافعية والمالكية، في محاولة جادة يرجو بها الفقيه الكرباسي: "تخفيف الهوة بين الإجتهادات ومبانيها عن طريق الإطلاع عليها وممارستها" وذلك في سبيل: "خلق روح التسامح بين تلك المذاهب عبر طرح الرأي والرأي الآخر والذي نأمل أن يصل الى نوع من الاندماج في ظل وحدة لا تتأثر باختلاف وجهات النظر في مثل هذه المسائل الجزئية"، لكون مثل هذا الطرح يعطي للمسألة المعروضة للمناقشة قيمة علمية من شأنه ان يقلل من مساحة الخطأ في الاستنباط واستخراج الحكم الشرعي.

ثلاثية الإتزان البشري

وبأسلوب علمي رصين يمهد المصنف للغوص في تاريخ التشريعات، وخصوص التشريع الإسلامي، بجملة مباحث أولية ضرورية، فيتناول تحت عنوان "حقيقة التشريع" موضوعة التشريع في اللغة والاصطلاح، ليخلص الى ان التشريع بالإجمال هو: "وضع السنن والمناهج"، كما ان بين الشريعة والفقه من النسب المنطقية الأربع: "عموم وخصوص من وجه أي إن كل فقه شريعة وليس العكس". كما لا يعدو ان يكون المشرع وهو اسم فاعل من شرّع احد ثلاثة: الله أو الفرد أو الشعب.

والتشريعات إما أن تكون موحاة أو أنها من بناة عقل الإنسان كفرد أو كمجتمع، وما يمكن تسجيله في مقام التشريع الإلهي: "ان الله هو المشرع الحقيقي وأما الرسل ثم الأئمة ثم الفقهاء فهم وإن صدر عنهم بعض الأحكام الجزئية فلا يمكن تسميتهم بالمشرعة إلا مجازا"، لان دور الرسول يتجه الى: "تبليغ الرسالة" وبيان الرسالة وتطبيقها على موضوعاتها، أي: "رد الفروع الى الأصول والحفاظ عليها".

وما يمكن تسجيله على تشريع الفرد: "ان حكم الفرد يختلف باختلاف البيئة الجغرافية والقومية والعقائدية كما يختلف باختلاف شخصية الحاكم ونفسيته، ويبقى في النهاية رأيا فرديا يتبع حكمة وسياسة شخص الحاكم".

وما يميز تشريع الشعب الذي يتم عادة عبر ممثلين، انه: "كلما كان النظام حراً كلما كانت نسبة شعبيته أكثر وأقوى، وأينما وجدت الحرية الموزونة كان الوعي أكثر انتشاراً، وكلما كان الشعب واعيا كلما كانت قراراته ناضجة".

ويعتقد الدكتور الكرباسي ان مثل هذا النوع من الحكم: "تغلب عليه الصبغة الشوروية المصطلح عليها بالديمقراطية، فان طبقت بالشكل الصحيح كانت الحقوق بشكل عام غير مهدورة وخفت معاناة الشعوب وقلت نسبة الانتفاضات والثورات".

وما يميز الشرائع السماوية أنها: "قد تختلف في الكثير من الأحكام إلا ان جوهر التشريع فيها واحد"، وربما كان: "الفارق الأساس بين التشريعين الإلهي والبشري:

"أن الأول يعالج العقيدة والنظام والثاني يعالج النظام فحسب" كما ان الشريعة الإلهية لها كامل القابلية في خلق التوازن في سلوك الإنسان من خلال تنظيم العلاقة بين ثلاثية الفكر (العقل) والنفس والجوارح لخلق التوازن المعرفي والعقيدي والسلوكي والوصول الى حد الكمال الإنساني، حيث يعمل التشريع الموحى على علاج الفكر بالعقيدة والنفس بالأخلاق والجوارح بالأحكام، وبالتالي ضمان نشوء شبكة من العلاقات الموزونة تنظم علاقة الفرد بالمشرّع (الله) وبنفسه وبنظيره وبمحيطه الاجتماعي وبالسلطة القائمة وبالبيئة.

وبالتأكيد أن قناعة الإنسان وتحصله على المعرفة بان المشرع هو الله تفرز فائدتين: الأولى: "الثقة بالشريعة الإلهية واحترامها بشكل يخفف معها الاختراقات"، والثاني: "ثبات الشريعة واستقرارها لأنها صدرت على أساس شمولية معرفة الواضع بكل أطراف القضية من جهة، ومراعاة مصلحة جميع الأطراف في القضية من جهة أخرى". ولم تغب عن الخالق: "الحالة التطورية في الحياة والإنسان"، لان هدف التشريع كما يستنتج المصنف من مجمل نصوص مقدسة وشريفة، تحقيق سعادة الإنسان وإقامة النظام ومواكبة التطوير وتمهيد الإنسان للمرحلة الأخيرة من حياة البشرية.

تاريخ التشريعات

وللمصنف رأيه في تقسيم تاريخ التشريعات الإلهية، حيث استنتجها وفقا لأنبياء أولى العزم أصحاب الشرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (ص)، مع البدء بهبوط آدم (ع) الى الأرض في جزيرة سريلانكا في العام 6880 قبل الهجرة النبوية، حيث نزلت عليه 21 صحيفة، مهدت لمرحلة النبي نوح المولود في العام 1056 من عام الهبوط الموافق للعام 5824 قبل الهجرة، وكان كتابه يحوي 80 صحيفة، وتلته الشريعة الحنيفية الإبراهيمية نسبة للنبي إبراهيم الخليل المولود في الكوفة في العام 4637 من الهبوط الموافق للعام 2243 قبل الهجرة، وتلته الشريعة اليهودية الموسوية نسبة الى يهوذا بن يعقوب ونبيهم موسى بن عمران المولود في مصر في العام 5312 من الهبوط الموافق للعام 1568 قبل الهجرة، وترك في بني إسرائيل 12 خليفة وكتابه التوراة. وتلته الشريعة النصرانية العيسوية نسبة الى مدينة الناصرة موطن السيدة مريم (ع) ونبيهم عيسى المسيح المولود في بيت لحم عام 6238 من الهبوط الموافق للعام 642 قبل الهجرة، وخلّف في أمته 12 حواريا وكتابه الإنجيل.

وأخيرا شريعة الإسلام المحمدية المأخوذة من السلم والاستسلام لله ونبيها محمد بن عبد الله (ص) المولود في مكة المكرمة في عام الفيل في سنة 6827 من الهبوط الموافق للعام 53 قبل الهجرة، وترك في أمته 12 خليفة وكتابه القرآن. والى جانب الأديان العالمية الثلاثة، هناك المجوسية أتباع زرادشت، والصابئة أتباع صابئ بن شيث بن آدم (ع)، والبوذية نسبة الى بوذا.

مدارس وفقهاء

ويتناول المحقق الكرباسي بشيء من التفصيل "نظرة فقهاء القانون الى مصدر التشريع" التي حددها رجال القانون بثلاث مدارس أو فلسفات، وهي المدرسة المثالية والمدرسة الواقعية والمدرسة التعادلية.

فالمدرسة المثالية وتسمى بالقانون الطبيعي أيضا، تقوم على: "الاعتقاد بوجود قيمة عليا تسمو على جميع القيم وتحتويها وهي قيمة العدل ومن شأن القانون إقامة العدل بين الناس". وتسمى المدرسة الواقعية بالمدرسة التجريبية وتقوم فلسفتها على: "الاعتراف بالواقع المادي الملموس وتنكر كل تصور فكري مجرد لا يكون له وجود في العالم المادي الملموس وترفض كلما يمت الى المعنويات بصلة". وأخيرا المدرسة التعادلية التي: "تبحث عن محطة وسطى بين المدرستين المتطرفتين" ومنها الإسلام.

وفي مجال الأنظمة القائمة في عالم البشرية اليوم، فيمكن في مجال التشريع ملاحظة نظريات وفلسفات عدة، الأولى: النظرية العقلية وتبنتها الفلسفة الرأسمالية. والثانية: النظرية الحسية التي تبنتها الاشتراكية والماركسية. والثالثة: النظرية الإسلامية التي تجمع بين النظريتين فلا تلغي دور العقل ولا تلغي دور التجربة.

ويتناول الكتاب في مباحث مستقلة تاريخ النظامين الرأسمالي والاشتراكي وظروف نشأتهما وشخصيات النظامين، ويخلص الباحث الى ان: "الرأسمالية الديمقراطية هي ردة فعل للإضطهاد الكنسي كما ان الاشتراكية الماركسية جاءت بدورها رد فعل للنظام الرأسمالي الديمقراطي"، ويرى: "ان الدولة في النظام الرأسمالي الديمقراطي تكون في خدمة الشعب بينما تكون في خدمة الدولة في النظام الاشتراكي".

أسس ومقومات

ويستقل الكتاب بباب عن النظام الإسلامي، ملتقطا اثني عشر أساسا ومقوما اعتمدها الإسلام في تشريع نظامه، وهي: تكريم الإنسان بوصفه محور الحياة. والعقل بوصفه حجة فطرية طبيعية وحجة شرعية اعتبارية وبه أناط الإسلام التكليف.

والعلم بوصفه مرتبة تأتي بعد العقل ومن لا عقل له لا علم له. والمحبة بوصف الدين المحبة. والاتحاد والتي تبدأ بتوحيد الله وإشاعة المحبة والتعايش والتعارف في المجتمعات البشرية. والحرية بوصفها مناط الثواب والعقاب.

والعدل بوصفه من أصول الدين، فالعادل لا يصدر منه إلا العدل. والمساواة حيث لا فرق لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى. والنظم فهو مخ كل عمل. والشورى ويقابلها الاستبداد المنهي عنه على: "ان الشورى أكثر سعة وأشمل حكمة من الديمقراطية كما أن الاستبداد أعم من الديكتاتورية".

والنزاهة والإخلاص بوصفهما مظهر ناصع للطهارة المادية والمعنوية، العضوية والنفسية، وعليها اعتماد نظام الإسلام أفرادا ومجتمعات، حركات ومؤسسات. وأخيرا المواهب والكفاءات أي التخصص القائم على الخبرة.

إجتهادات فقهية

للفقيه الكرباسي وجهة نظر خاصة في تقسيم المراحل التي مر بها التشريع الاسلامي، فهو يقسم تاريخ الشريعة الى مرحلتين:

المرحلة الأولى: تبدأ في 27 رجب عام 13 قبل الهجرة أي عام البعثة وتنتهي برحيل نبي الإسلام محمد (ص) في 28 صفر عام 11 هجرية، أي مرحلة الوحي.

ويتشعب الوحي الى ثلاث شعب: الوحي القرآني: "وهي جميع ما بين دفتي القرآن الذي بين أيدينا حيث نزل على الرسول (ص) بحدوده وخصوصياته محفوظا الى يومنا هذا دون زيادة أو نقيصة". والوحي القدسي: "وهو عبارة عن الأحاديث التي أملاها الله عز شأنه على نبيه محمد (ص) عبر الوحي والتي عرفت بالأحاديث القدسية".

والوحي التفسيري: "وهو في الحقيقة الأحاديث التي أملاها الرسول الأعظم (ص) على أهل بيته الأطهار (ع) وأصحابه، وتعد مضامينها من الوحي الإلهي، أما صيغتها وألفاظها فهي نبوية".

المرحلة الثانية: وتبدأ منذ رحيل النبي (ص)، وتنتهي عند الشيعة الإمامية بالغيبة الأخيرة للإمام المهدي (ع) في 15 شعبان 329 هـ، وعند المدارس الفقهية الأخرى تنتهي بعهد الخلافة الراشدة برحيل الامام علي (ع) في 21 رمضان 40 هـ.

وهي على فترات ثلاث: فترة الخلافة الراشدة وظهور مدرستي الرأي والحديث، وفترة التابعين، وفترة نشوء المذاهب الاسلامية. وحيث يرفض الدكتور الكرباسي التمذهب في الفقه الاسلامي، فانه يعتقد: "ان المذاهب الاسلامية ليست هي إلا إجتهادات فقهية"، ولذلك لو تم التعامل معها مجردا عن المسائل العقائدية المذهبية والمسائل الكلامية: "لوجدنا ان المذاهب الاسلامية السبعة المتواجدة اليوم على أرض الواقع مختلفة في مسائل جزئية لا تصلح لهذه الفرقة التي إلتزمتها جماعة متطرفة من المسلمين، وغذتها فئة معادية من غير المسلمين"، وعليه فان: "هذا المقدار من الاختلاف لا يضر بوحدة الصف الاسلامي شأنه شأن أي اختلاف علمي في العلوم الاجتماعية والطبية وغيرها في سائر الشؤون".

مصادر التشريع الاسلامي

يناقش الكتاب في نصفه الثاني مصادر التشريع لدى المذاهب الاسلامية، وحيث لا تختلف المذاهب في مصدري القرآن والسنة، فان المذاهب توسعت في المصادر الى ستة عشر مصدرا، تختلف في تقديم واحد وتأخير آخر أو قبول مصدر ورفض آخر.

ويسلط الفقيه الكرباسي الضوء على كل مصدر، والبحث في تمام حجيته وموقعه التراتبي في قائمة المصادر، مفصلا في كل مصدر ومستعرضا الآراء المؤيدة والمخالفة لبعض المصادر ويبين رأيه فيها واقفا مع هذا ومعارضا الآخر.

القرآن: وهو في مقدمة المصادر وهو الركيزة الأولى في التشريع، ويذهب المؤلف بضرس قاطع: "ان ما نزل بين الدفتين من الألفاظ والمعاني والأسلوب نزل من قبل الله دون نقص او زيادة وليس لنبيه محمد (ص) أي دخل في صياغته ووضعه" ولذلك يؤكد ان: "القول بالتحريف مردود من قبل المذاهب كافة، وما قيل من التحريف في القرآن فهي آراء فردية نُجلها إلا أنها لا تعكس إلا رأي قائلها ولا يمكن نسبتها الى المذاهب".

السنّة: وهي سنّة رسول الله (ص) من قول وفعل وتقرير، وعند الإمامية تنسحب السنة الى ابنته فاطمة (ص) والأئمة الأثني عشر أولهم الإمام علي (ع) وآخرهم الامام المهدي (ع)، وزادت المدارس الفقهية الأخرى على السنة الشريفة رأي الصحابة.

الإجماع: وهو الاتفاق، وفي اصطلاح الأصوليين اتفاق الأمة أو الصحابة أو العلماء، فالأصوليون اتفقوا على أصله واختلفوا في متعلقه الى أحد عشر متعلقا، والإجماع على أنواع: دخولي وسكوتي ومنقول ومحصل وبسيط ومركب وتركيبي، وزاد الفقيه الكرباسي عليها الإجماع الإفتراضي أو التعليقي: "وهو ما يعتمد على قبول نظرية، فلو التزم بها لكان الإجماع قائما عليها، وقد سبق وقلنا أن قبول سنة أهل البيت (ع) لو افترض قبول العامة بالعصمة للزم القول بحجيتها دون مناقشة، وبما أن العصمة ثابتة بما لا ينكر فالإجماع قائم". وبالإجمال فان الإجماع: "حجة عند جميع المذاهب وهو احد الأصول المعتمدة في التشريع رغم الجدل القائم في انه أصل برأسه أم أنه حاكٍ عن أًصل".

العقل: وسمي بالعقل لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، وهي: "القوة التي يدرك بها الانسان ويحكم من خلالها على مدركاته"، والعقل في موضع التشريع عقلان فطري وعصموي، والقدر المسلم: "ان العقل الفطري يمكنه الحكم على البديهيات ولكن فيما يفوق ذلك لا يمكن ضمانة عدم خطئه وإن كان ما قطع عبره حجة له، وأما العقل العصموي فلا يتصور فيه الخطأ مطلقا"، والعقل في نظر الكرباسي: "المرتكز الأساس لكل استدلال، وعليه تتفرع بقية الأدلة"، ولهذا فهو يشترط في الفقيه: "أن يتحلى بعقلية قريبة من الفطرة الإنسانية والواقع المعاش والمذاق الاسلامي"، أي التعقل فلا يقع في الإفراط والتفريط.

القياس: ويعرف بأنه التعرف على حكم النظير من خلال علة مظنونة في نظيره، وزاد الكرباسي: "فيما اذا لم يرد بذلك الحكم نص من الكتاب والسنة". واختلفوا في حجيته، ففي حين لم تعتمده الإمامية عدته الأحناف الثالث من أصول الشريعة، والموالك والزيدية الرابع، والشوافع الخامس، والحنابلة السادس.

الاستحسان: وهو في اللغة: عد الشيء حسناً، وتعدد الأصوليون في تعريفه الى حد التناقض، ويعود في خلفيته بشكل عام الى القياس الخفي او النص او العرف او الضرورة، ولم يعده الفقيه الكرباسي دليلا في قبال الكتاب والسنة والعقل والإجماع، وعنده: "ان الاستحسان من الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا".

المصالح المرسلة: وهي الأفعال والتروك التي لم تجلب المنفعة والمتروكة أمرها دون تحديد، وفي اصطلاح المتشرعة: "الموارد التي لم يحددها الشارع فيها حكمه بل اعتمد في ذلك على جلب المنفعة أو دفع المضرة". ولما كان مرد المصالح المرسلة الى الدليل العقلي او النص الإلهي أو النبوي، اذاً: "فلا معنى لعدها دليلا مستقلا ووصفها في قبال الكتاب والسنة والعقل، وأما إن كان خلفيتها الرأي والقياس وما الى ذلك فهو مرفوض".

الذرائع: وهي الوسيلة ويقال سد الذرائع أو فتحها، وأراد الأصوليون منها: الوسيلة الى الأحكام الشرعية التي تتصف بالحالات الخمس: الوجوب، الاستحباب، الإباحة، الكراهة، والحرمة، وبتعبير آخر هي: "حكم الوسيلة المؤدية الى حكم شرعي"، وعند الكرباسي: "ان سد الذرائع ليس أصلا من الأًصول الشرعية".

العرف: وهو من حيث اللغة: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. ومن حيث الاصطلاح: ما تبناه المجتمع من دون إنكار. والعرف بنظر المؤلف: "ليس أًصلا برأسه ليضاهي الكتاب والسنة بل مآله إما الى العقل او السنة".

الشرائع السابقة: او قولهم: "شرع مَن قبلنا شرع لنا" أي العمل بالشرائع السماوية السابقة، ومن رأي الفقيه الكرباسي: "ان أدلة القائلين بالحجية مطلقا لا يفهم منها أكثر من التصديق برسالة السابقين وأنها منزلة من قبل الله، وأما إننا ملزمون بالعمل على مضامينها فهذا ما لم يدل عليه الدليل"، وخلاصة الأمر ان الشرائع السابقة: "ليست بأصل قائم لوحده بل مرجعه الى الكتاب والسنّة".

مذهب الصحابي: او قول الصحابي واجتهاده ورأيه، واختلفوا في تعريف الصحابي وحجيته وماهيته، والرأي عند المصنف انه: "لا يمكن الاعتماد على مذهب الصحابي كأصل في التشريع بل لا يمكن الركون اليه في قبول روايته أيضا بمجرد كونه صحابيا إلا بعد التثبت من عدالته".

الحيل الشرعية: وهي الحذق او الطرق الملتوية او بتعبير الفقهاء: المخارج من المضايق، وحقيقتها: التخلص من مأزق بسلوك آخر خفي على غير الفقيه يؤدي ذلك المؤدى دون الوقوع في حرمة او عسر. أي العامل به لا يتخطى حكم الشرع ولكن يسلك طريقا شرعيا آخر، وهو أشبه بدور المحامي بتخليص موكله من التهمة باستعمال مواد قانونية أخرى، وهي عند الكرباسي: "ليست أًصلا بل مسألة فرعية من مسائل الفقه".

الشهرة: أي الذيوع وتستعمل في الحديث والفتوى فيقال شهرة روائية وشهرة فتوائية، وهي: "ليست أًصلا بل من المسائل المرتبطة إما بالسنة وعلومها أو بالإجماع وفروعه".

السيرة: أي السلوكية او التباني العملي، وللناس يقال سيرة العقلاء وللفقهاء يقال سيرة المتشرعة، وهي: "ليست أًصلا من الأًصول التشريعية".

القرعة: ويعني السهم او النصيب يتعين بها نصيب الانسان، وعند الأصوليين: إجالة الشيء بين أطراف مشتبهة لاستخراج الحق من بينها، ولولا التعبد فيما لو ثبت فإنها لمجرد رفع الحيرة والنزاع، لا الوصول الى الحق. ويستخدمها الفقهاء في بعض المجالات لرفع النزاع والخصومة. والقرعة: "من المسائل الجزئية وتدخل في نطاق القواعد الفقهية الخاصة ببعض الأبواب والتي لا يمكن ان تكون في مصاف الأصول في التشريع".

الأصول العملية: والأصل في اللغة الأساس أو القاعدة، ولا يختلف معناه عند الأصوليين، فهي القواعد التي يستندون اليها في استنباط الأحكام. والأصول العملية الوسيلة المباشرة للحصول على الحكم الظاهري في قبال الحكم الواقعي.

وفي ختام البحث في مصادر التشريع الاسلامي، انفرد المحقق الكرباسي بوضع جدول لهذه المصادر وبيان موقف المذاهب السبعة منها، بحيث يقف القارئ على مواضع الاتفاق والاختلاف عند المذاهب في كل مصدر.

مدرستا الحديث والرأي

مع أن الفقيه الكرباسي في تناوله لمراحل التشريع الإسلامي ومبحث السنة ومذهب الصحابي طرق باب الحديث والرأي، لكنه في خاتمة بحث المصادر افرد مبحثا خاصا تناول فيه أهم معالم المدرستين والموقف من الحديث وجمعه، والاستشهاد بقصص تاريخية عدة، حيث بيّن رواة الحديث ان مدرسة الرأي انتشرت في البلدان الاسلامية على يد الموالي: "أولاد سبايا الأمم" حسب تعبير عروة بن الزبير بن العوام الأسدي (ت 93 هـ).

ويعتقد المصنف ان الصراع على السلطة كان أحد دوافع التمسك بالرأي، كما ساهمت الحكومات المتعاقبة على ذلك، وقد وضع في خاتمة البحث خارطة بالمذاهب السبعة وموقعها من مدرستي الرأي والحديث، مصنفا الحنفية من الأولى والإمامية والمالكية والحنبلية والاباضية من الثانية، فيما أخذت الشافعية والزيدية من المدرستين.

وفي سبيل تذليل المعلومة وضع المصنف 24 فهرسا في أبواب شتى تضمنتها متنون وهوامش مباحث الكتاب، كما أحال الدكتور الكرباسي الجزء الأول من سلسلة الحسين والتشريع الإسلامي الى الدكتورة صابرين ميرفين (Sabrina Mervin)، المسيحية المعتقد، الخبيرة في المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى في بيروت، صاحبة كتاب "المرأة حول العالم وعبر العصور" – "Women: around the world and through the ages"، فأبدت رأيها في عموم الموسوعة الحسينية وخصوص الكتاب، فكتبت مقالة نقدية باللغة الفرنسية وجدت ان: "علماء الشيعة كتبوا أدبا غزيرا حول الإمام الحسين وتاريخه، وما يمثله لهم، ومن الآن فصاعدا فان الموسوعة قد كرّست له كدليل على حيوية التراث الشيعي ونشاط علمائه"، ورأت: "ان هذا المجلد الذي نقدم له يعالج مسألة القانون، وبشكل أعم الحقوق والتشريع، وقد كانت هذه الموسوعة فرصة للمؤلف لينقل معارف هذا الموضوع لكل مهتم بالحسين والتشريع"، وثمّنت الدور المعرفي الذي قام به الشيخ الكرباسي، ذلك: "ان المؤلف لم يكتف بتقديم المدرسة الفقهية الجعفرية التي يتبعها الشيعة الإمامية، بل انه قدم عرضا مفصلا للموضوع، مرتكزا بمنهجية تراث علماء الإسلام والفكر المعاصر، فهو يعتمد في الوقت نفسه على التطور التاريخي الإسلامي الذي يمنح مساحة عريضة للتاريخ للمقدس من جهة، ومن جهة أخرى يفتح المجال لوجهات النظر الغربية".

و كل ذلك بحسب ما قدمه نضير الخزرجي في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الرأي الآخر للدراسات – لندن