قراءة في كتاب .. ثمن الدم ؛ كيف فشلت أقوى دولة في العالم بمهمة إعادة إعمار العراق؟

(1)

 

 

 

إسم الكتاب: كيف فشلت أقوى دولة في العالم بمهمة إعادة إعمار العراق؟

إسم المؤلف: توماس كريستيان ميلر

 

يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه نشر في فترة يكثر فيها الحديث عن سر الفشل الأميركي في العراق في ضوء استمرار مسلسل العنف الذي يحصد أرواح المزيد من الجنود الأميركيين والمواطنين العراقيين وفي ظل تدهور الأوضاع المعيشية للشعب العراقي في بلد وعدت الإدارة الأميركية بأن يكون منارة للديمقراطية والرخاء والازدهار في المنطقة كلها. 

وأول ما يلفت الأنظار في الكتاب الذي نستعرضه اختيار مؤلفه لعنوان يحمل أكثر من معنى، ففي ترجمته العربية نجد أنه تارة يعني الدية التي تدفع لأهل القتيل، ويعني تارة أخرى ثمن الدم، والمال الذي يدفع لقاتل مأجور.

وقد فضلنا اختيار عبارة ثمن الدم لأنه يتوافق في معانيه مع الموضوعات التي يتناولها الكتاب خاصة أن العنوان الفرعي المطبوع بأحرف أصغر حجما تحت العنوان الرئيسي يتناول الهموم التي تشغل بال الرأي العام الأميركي والعالمي والمفكرين السياسيين والعسكريين في أنحاء العالم بعد افتضاح فشل الرئيس الأميركي بوش وإدارته، ويدور العنوان الفرعي حول: المليارات المهدرة، والأرواح المفقودة، وجشع الشركات في العراقوصاحب هذا الكتاب صحفي حائز على جائزة الصحافة وهو توماس كريستيان ميلر الذي عرف باستقصاء الحقائق في تحقيقاته الصحفية التي اعتاد كتابتها لمكتب صحيفة لوس أنجلوس تايمز في واشنطن.

وتمتد تجربته الصحفية عبر عشر سنوات عمل خلالها مراسلا في أكثر من أربع وعشرين دولة، وقام بتغطية أخبار أربع حروب وإحدى الحملات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى الرغم من أنه قد يبدو للوهلة الأولى أن بعض فصول الكتاب يتناول موضوعات قديمة - جديدة، إلا أن المؤلف يهتم هنا بكشف أسرار جوانب وتفاصيل لم تحظ بالكثير من الاهتمام، حتى أن دار النشر الشهيرة ليتل أند براون أشارت في غلاف الكتاب إلى ما أسمته بعضا من بين مكتشفات ثمن الدم وهي: مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأميركيين سرقت أو أهدرت بينما ظلت الخدمات العامة الأساسية في العراق في حال من السوء أبشع مما كانت عليه قبل الغزو. تلقت شركات ـ مثل شركة هاليبيرتون ـ عقود عطاءات هائلة، ثم استأجرت عمالا فقراء يائسين من بلاد مثل نيبال والفلبين لكي تزيد من هامش أرباحها. 

لورا بوش عاونت عائلة صديقة في تمرير صفقة قيمتها خمسون مليون دولار لإنشاء مستشفى للأطفال لا ضرورة له ويتخصص في جراحة التجميل والأورام المتقدمة، في مدينة لا تتوافر فيها مياه نقية للشرب.

قام مسؤولون أميركيون بتوزيع مبالغ ضخمة نقدا على مقاولين، واحتفظوا ببعضها لأنفسهم من أجل شراء سيارات وساعات فخمة.

مرشح جمهوري فاشل في انتخابات الكونغرس فاز بعقد قيمته 18 مليون دولار لحراسة مطار بغداد ثم انطلق يسرق سلطة التحالف المؤقتة.

اختار الأميركيون بائع سيارات مستعملة لشراء أسلحة للجيش العراقي مع ما يمكن توقعه من نتائج هذا الاختيار.

مسؤول كبير في البنتاغون حاول تمرير عقد لصالح صديق شخصي لإنشاء خدمة الهاتف المحمول في العراق الذي يعتبر سوقا تصل أرباحه إلى مليار دولار سنويا.

قام مقاولون من أصحاب الارتباطات السياسية بتوريد عربات إسعاف ومركبات مدرعة قديمة عمرها خمسون عاما ولا تصلح للسير، واضعين بذلك الملايين في جيوبهم دون مساءلة.

رغم مليارات الدولارات الأميركية، المخصصة لمحطات الطاقة الكهربائية، لا توجد في أية مدينة في العراق كهرباء تعمل على مدار أربع وعشرين ساعة في اليوم.

وعود أميركية

 يستهل ميلر كتابه بنحو صفحتين ونصف يتحدث خلالهما عن وعود الإدارة الأميركية، ففي غرفة مغلقة في وزارة الدفاع الأميركية أخذ بول وولفويتز نائب وزير الدفاع آنذاك يردد تلك الوعود أمام عدد كبير من أعضاء الكونغرس بعد أسبوع من غزو العراق في آذار 2003. 

ومن بين ما قاله أنه تتوفر "مبالغ ضخمة من المال لتغطية نفقات الحرب لأننا نتعامل مع دولة تستطيع فعلا تمويل إعادة بنائها وفي وقت سريع نسبيا"، غير أن نائب وزير الدفاع قد جانبه الصواب في كل نقطة من النقاط التي تناولها في ذلك المساء فلا الخطط، ولا الخبراء، ولا النقود كانت في موضعها المناسب، وفي نهاية الأمر لحقت بأوهام أسلحة الدمار الشامل في العراق.

وكان الرئيس بوش قد كلف فريقا بدراسة عملية إعادة بناء العراق، غير أن هذا الفريق لم يجتمع بكامل أعضائه إلا مرة واحدة قبل أربعة وثلاثين يوما للتشاور في سرية تامة في مبنى جامعة الدفاع القومي في واشنطن.

وقد أعاقت وزارة الدفاع هذا الفريق الذي أصبح في حالة يرثى لها لافتقاره إلى العدد الكافي من الأعضاء، وإلى الخبرة في شؤون الشرق الأوسط، كما لم يتوفر لديه العدد اللازم من المترجمين.

ويرى مؤلف الكتاب أن أكبر الأخطاء جميعها كان ترديد الزعم بأن دافعي الضرائب الأميركيين لن يتحملوا عبء بناء دولة تمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، فبعد ثلاث سنوات من حديث وولفويتز تحملت الولايات المتحدة ثلاثين مليار دولار لإعادة بناء العراق وهو مبلغ يتجاوز ميزانيات وزارات النقل، والداخلية، والتجارة مجتمعة. وكانت حسابات وولفويتز الخاطئة هي وحدها بداية عملية بناء دولة بدت وكأنها قلعة من الرمال ولم تكن هناك بالمرة وكالة معينة أو شخص معين لتولي إدارة جهود إعادة البناء، وضاعت المسؤولية بين وكالات مختلفة وأشخاص عديدين، بينما تسربت الأموال خارج الأبواب، وأصبحت الخطط معلقة في الهواء، وتحول برنامج إعادة الاعمار إلى ما يشبه بلدوزر ضخم الحجم مصاب بخلل في عملية الاحتراق فيهدر مندفعا للأمام كالأعمى دون أن ينجز شيئا.  

تصرفات طائشة إن قصة فشل إعادة إعمار العراق تماثل في اتساعها واكتساحها ومأساتها، الحرب نفسها. ومن المثير للدهشة أنه كلما صبت الإدارة المزيد من الأموال، وقعت تصرفات طائشة متهورة الواحد تلو الآخر.

وكان أول المتلقين لتلك الهبات مجموعة متعددة من أصحاب نفوذ متقاعدين من أعضاء الحزب الجمهوري، ورجال أعمال أميركيين، ومهاجرين عراقيين.

ولكل واحد من أفراد هذه المجموعة تاريخ ودوافع مشكوك في أمرهما، وكذلك انضمت إليهم مؤسسات أميركية ضخمة مثل هاليبيرتون وبكتل والتي تلقت دعوات سرية للاشتراك في عطاءات حكومية تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات مع ضمان تحقيق أرباح.

وبعد أن تستلم المؤسسات عقودها تقوم باستئجار عمال فقراء من أماكن مثل الغابات النائية في القارة الأميركية والمناطق الريفية في نيبال، وإرسالهم إلى مذابحهم في قفار العراق. وقد تدافع المسؤولون السياسيون في واشنطن لكي يضمنوا نصيبا لأصدقائهم.

وفي بغداد اختار الأميركيون هناك تاجر سيارات مستعملة لكي يشتري أسلحة للقوات المسلحة العراقية، وسمسارا دوليا في السلاح يقوم بنقل مواد بناء، وشخصا سمى نفسه جنديا مرتزقا لحماية عمال الحكومة.

وفي بعض الحالات أنفق المسؤولون مبالغ كبيرة في أعمال سبقت الإشارة إليها في بداية عرضنا للكتاب.

كذلك يشير الكتاب إلى أن مليارات الدولارات بالعملة الأميركية والعراقية لا يعرف أحد مصيرها فضلا عن لجوء المسؤولين الأميركيين مرارا وتكرارا إلى تغيير استراتيجيات العمل. وكلما زادت نفقات الأمن تناقصت الأموال وخفض عدد المشروعات، وندر تحديد الأهداف أو إنجازها.

الهدف: أميركا

ويقر المؤلف بأن عملية إعادة البناء ليست نوعا من الإيثار وإنكار الذات من جانب الولايات المتحدة، بل إن الهدف الأساسي والاستراتيجي والمباشر هو حماية أرواح الأميركيين، والفكرة هي تهدئة العراق عن طريق جعل الحياة أفضل حالا بالنسبة لشعبه الذي طالت معاناته، وإتاحة فرص عمل للشباب وللعاطلين من العراقيين.

كذلك فإن تقديم خدمات أفضل سوف يخفف من الاعتقاد بأن أميركا غزت العراق طمعا في ثروته النفطية.

ومن المحتمل أن تصبح الإصلاحات سدا أمام العنف ومع وجود عراق حر وديمقراطي، ذي أسواق مفتوحة، وإجمالي ناتج قومي مرتفع، يصبح العراق واحة ديمقراطية في صحراوات الشرق الأوسط، وتضطر الدول الأخرى في المنطقة إلى إجراء الإصلاحات.

وسوف تخف عوامل القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي ولدت غضبا عارما بين جماهير المسلمين.

أما جيل الشباب الذين يشعرون بالغضب من دعم الولايات المتحدة للأنظمة غير الديمقراطية، فسوف يرون في أميركا دولة اقل خطرا، بل وقد يعتبرونها حليفا في نضالهم من أجل الحكم الديمقراطي.

وقد تحل افتتاحيات الصحف الغاضبة محل التفجيرات كوسيلة للتعبير، وعندئذ تصبح الولايات المتحدة أكثر أمنا.

وهنا يتساءل المؤلف: فما هي النتائج؟!

ويجيب قائلا: بعد ثلاث سنوات فإن لدى العراقيين طاقة أقل مما توفر لديهم في السابق، وتعاني مستشفيات الولادة من نقص الكهرباء، ويقف الأطباء عاجزين أمام الأطفال وهم يفقدون حياتهم، وتعاني العائلات من شهور الصيف تحت حرارة لاهبة تصل إلى 130 درجة فهرنهايت. وقد أقفلت مصانع أبوابها بسبب عدم وجود طاقة كهربائية كافية لتشغيل آلاتها، وتدهور إنتاج النفط إلى أقل من معدلاته قبل الحرب، وتكرر تفجير خطوط أنابيب النفط في الشمال، وفي الجنوب تقف السفن الحاملة للنفط وهي فارغة في الميناء عدة أيام، أما فقراء العراق في أحياء بغداد الفقيرة فهم عرضة لهجمات الأمراض مثل التهاب الكبد بسبب الافتقار إلى المياه النقية والرعاية الصحية.

تلك هي جوانب من الصورة الكئيبة التي يتحدث عنها ت. كريستيان ميلر، والتي يرى أنها نشأت بسبب غزو العراق، ولكنه مع ذلك يحاول أن يكون منصفا فيذكر أنه كانت هناك بعض المحاولات الناجحة منها تدريب مئات الآلاف من القوات العراقية، وتطعيم عشرات الآلاف من الأطفال العراقيين، وترميم آلاف المدارس وتزويدها بالكتب والمواد المدرسية، وترميم أعداد كبيرة من المباني الحكومية، ومراكز الشرطة، ونقاط الحدود، كذلك فإن المستنقعات في الجنوب في طريقها إلى الإصلاح.

غير أن المؤلف يعود فيؤكد مع ذلك أن هذه الإنجازات ليست كافية لتحقيق إصلاح حقيقي وملموس في حياة المواطنين العراقيين العاديين.

ثم يرى المؤلف أن أوضح علامة على فشل البرنامج هو استمرار العنف.

وقد مات آلاف الجنود الأميركيين وهم يحاربون نفس الشباب الغاضب الذين كان من المفترض توفير فرص العمل له.

ولقي مقاولون خاصون وعاملون في مجال المعونات، وموظفون حكوميون، مصرعهم وهم يعملون في مشروعات كان يفترض أن تلقى الامتنان من عامة الناس. ولقد مات عشرات الآلاف من العراقيين في حرب عصابات ونزاع طائفي شرير يستمدان عناصر قوتهما الميدانية من العراقيين العاديين الناقمين.

وينتهي المؤلف من ذلك إلى القول: إن عملية إعادة البناء أصيبت بالعجز من جميع النواحي، أما إدارة بوش والمهندسون المحافظون الجدد الذين خططوا للحرب وأيدوها، فإنهم لم يبنوا مشروعهم لبناء دولة فوق جبل خاوٍ، وواضح أن مؤلف الكتاب يشير هنا إلى أن الرئيس الأميركي ومن معه من دعاة الحرب، بدا وكأنهم يخططون مشروع الحرب وإعادة الإعمار في دولة لا شعب فيها، إذ يذكر صاحب الكتاب أن القادة العسكريين الأميركيين لم يلاحظوا أي انحسار في الهجمات ضد جنودهم، وأخذ المقاولون يعانون من انقطاع تمويل عملياتهم، وتلويث سمعتهم، وتعرض موظفيهم للقتل.

ولكن أكبر من أصابهم الإحباط هم العراقيون أنفسهم بمن فيهم من كانوا يعتقدون أن الولايات المتحدة تستطيع إصلاح دولة دمرتها الحروب، واثنا عشر عاما من فرض العقوبات عليها.

وشهرا وراء شهر أخذ العراقيون يعبرون مرارا وتكرارا عن دهشتهم من عدم حدوث أي تقدم، ويتساءلون: كيف تعجز دولة أرسلت الإنسان إلى القمر عن إقامة نظام صرف صحي في الأحياء الفقيرة في بغداد؟! 

ويعرب صاحب الكتاب عن أمله في الإجابة عن السؤال الذي يتردد في كل مكان وهو: كيف أمكن لأقوى دولة في العالم اقتصاديا وعسكريا أن تفشل في مهمة حيوية مثل إعادة إعمار دولة.

ويضيف المؤلف تحذيرا في كتابه إذ يرى أن الولايات المتحدة تبدي نية في التراجع عن خططها الطموحة لإعادة بناء العراق، وأن نقص الأموال سيعرض الاستثمار الأميركي في العراق للخطر.ويستشهد ت.

كريستيان ميلر بدراسة أجرتها مؤسسة راند تبين أن الجهود الناجحة السابقة في إعادة بناء الدولة في أماكن كألمانيا واليابان، استغرقت خمس سنوات في تنفيذها.

وتختتم الدراسة تقريرها بتلك العبارة: "بينما البقاء طويلا لا يضمن النجاح، فإن الهروب مبكرا يؤكد الفشل!!". 

وفي ختام حديثه عن الوعود الأميركية يقول المؤلف: "إن من المؤكد أننا مدينون للعراقيين بتوفير الفرصة لإشاعة الاستقرار في العراق. وتفتقر الزعامة الأميركية، حتى الآن إلى الذكاء والنزاهة حتى تنجز الالتزام الأخلاقي الأساسي بتحسين حياة شعب مزقته قوة النيران الأميركية وقسوة نظام شمولي. وربما كان وولفويتز وجماعته محقين في أمر واحد وهو أن إعادة بناء العراق أهم أهداف تحقيق أمن أميركا والعالم، غير أن المأساة هي أن تلك العملية لم تنجح حتى الآن، وإذا ظل الأمر كذلك فسوف ندفع الثمن جميعا المتمثل في الأرواح المفقودة والأموال المهدرة، وإضاعة الفرص". 

غداء النواب 

وفي فصل آخر من الكتاب يحمل العنوان أعلاه، يقول المؤلف إنه على غير منوال عمليات الحرب التي تقع في اختصاص وزارة الدفاع، لم تكلف أية وكالة أميركية بالتخطيط لما بعد حرب العراق. وفي ربيع عام 2002 عقدت اجتماعات سرية في البيت الأبيض للتخطيط لإمكانية الغزو وما بعده، وكانت تلك الاجتماعات تضم كبار المسؤولين من مجلس الأمن القومي والبنتاغون ووزارة الخارجية.

وقد سادت الاجتماعات سرية تامة بالنسبة للجميع باستثناء أعضاء الحكومة ووكلاء الوزارات ونوابهم، وقد أطلق عليها اسم "غداء النواب" وكانت تعقد مرة في الأسبوع في وقت الغداء، ويصفه مؤلف الكتاب بعبارة ساخرة تفيد أن تلك التسمية لا توحي بضرر الموضوع الذي يجري بحثه والذي لا يعلم به أحد لا من بقية مسؤولي الحكومة ولا أحد من الجمهور.

وقد نجح ذلك التكتيك ولم تتسرب أخبار لقاءات الغداء تلك أبدا وكان من بين المشاركين المنتظمين فيها آنذاك وولفويتز نائب وزير الدفاع، ونائبه دوغلاس فيث، وريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية، ومارك غروسمان وكيل وزارة الخارجية، وجون ماك لوغلين نائب مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، وفرانك ميلر وزلماي خليل زاد من مجلس الأمن القومي. 

وتحولت اللقاءات إلى مجرد جلسات هراء و"طق حنك" كما يقول التعبير العامي العربي لدينا نحن العرب، ولكن هكذا يصفها صاحب الكتاب نقلا عن مسؤول أميركي كبير صارحه بما كان يجري.

وتناولت الأحاديث مجرد تساؤلات تتصل بمستقبل دولة ومن بينها: من الذي سيحكم العراق بعد سقوط صدام حسين؟

كيف ستعمل الشرطة والنظام القانوني؟

كيف سيحصل الشعب العراقي على الطعام والماء والكهرباء؟

كيف يتم تقسيم عائدات النفط العراقي؟.

ولم يتم شيء في تلك الاجتماعات أكثر من الحديث حول تلك الموضوعات، ولم توضع أي خطط حقيقية مفصلة.

ومما يلفت الانتباه في الصفحات التي تناولت "غداء النواب" حديث مؤلف الكتاب عن إسناد مهمة التخطيط لإنشاء إدارة مدنية للعراق بعد الحرب إلى دوغلاس فيث نائب وولفويتز نائب وزير الدفاع. ويصف توماس كريستيان ميلر ذلك الرجل بقوله إنه رجل يشبه البومة ويعمل بالمحاماة وهو الأعلى صوتا بين المحافظين الجدد وقد عمل مع ريتشارد بيرل رئيس مجلس سياسة الدفاع في البنتاغون أثناء إدارة ريغان.

وكذلك كان "بطل إسرائيل" وواحدا من المتشددين في حزب الليكود الصهيوني وبالتالي أكبر المتحمسين للحرب.

وعندما تسارعت عمليات الإعداد للحرب في نهاية عام 2002 أنشأ فيث ما أسماه "مكتب الخطط الخاصة".

ويرى ميلر أنه تعمد ابتكار هذا الاسم المضلل وكان هم موظفيه الذين يتجاوز عددهم الثلاثين، التأكد من سرعة اكتشاف أسلحة الدمار الشامل المزعومة وتدميرها.

وما لبث فيث أن شكل مجموعة جديدة يقول الكتاب إن هدفها التركيز على الجائزة العراقية الكبرى وهي النفط لعدة أسباب من بينها أن المجموعة ارتأت أن العراق كان ينوي استخدام سلاح النفط.

وأثناء حرب الخليج الأولى استخدم جنوده متفجرات من طراز سي -4 لإشعال الحرائق في أكثر من سبعمائة بئر للنفط في الكويت، وظلت تلك الآبار مشتعلة عدة شهور مما أصاب الاقتصاد الكويتي بالشلل، وقذفت النيران إلى الجو بألسنة من الدخان بلغ طولها ثمانمائة ميل.

وقد عين فيث واحدا من نوابه يتمتع بثقته ليكون قائدا لما يسمى "مجموعة البنية التحتية للطاقة".

وكان ذلك الرجل هو مايكل موبز شريكه السابق في مهنة المحاماة وقد أجرى موبز دراسة لحالة البنية التحتية لنفط العراق.

ورغم أن هذه الدراسة لم تنشر علنا على الإطلاق، إلا أن مؤلف الكتاب يقول أنها توصلت إلى نتيجة مؤداها أن النظام النفطي العراقي أصبح في حالة أسوأ مما كان عليه سابقا، وأن مستويات ضخ النفط توقفت عن العمل وأصيب نظام التكرير بالعجز.

وقرر موبز أن الوكالات الحكومية الأميركية لا تملك الخبرة الضرورية لإطفاء الحرائق في الآبار في وقت واحد وإعادة الحياة إلى الصناعة البترولية في العراق، وبهذا كان القرار الأول الذي استقر عليه موبز في عملية إعادة البناء هو إفساح الطريق أمام البنتاغون لتقوم بإسناد العملية إلى شركة هاليبيرتون التي كان يديرها من قبل ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي. 

صراع بيروقراطي

وفي هذا المجال يتناول الكتاب الصراع البيروقراطي الذي شهدته واشنطن للسيطرة على عملية إعادة البناء رغم التخبط والافتقار إلى خطة شاملة لتلك العملية التي سميت بعملية المرحلة الرابعة والتي كان مقررا أن تنفذ بعد سقوط بغداد. 

ويشير الكتاب إلى أنه إلى جانب ما كان يفعله موبز قام العسكريون أيضا بالتخطيط لتلك العملية وأصبح الجنرال تومي فرانكس ـ بحكم كونه قائد قوات الاحتلال ـ صاحب المسؤولية الشاملة عن حكم العراق، ولكنه لم يبد حماسا لهذه المهمة على الإطلاق، وأخذ يحث الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على إسناد عملية إعادة البناء إلى جهات أخرى مثل وزارة الخارجية قائلا إن العسكريين لا يجيدون عملية إعادة بناء الدول. ويشير مؤلف الكتاب إلى أن الجنرال فرانكس كان يريد في الحقيقة دخول العراق والخروج منه في أسرع وقت ممكن حتى أنه عندما وصل إلى بغداد بعد سقوط صدام حسين طلب من القيادات العسكرية التي تحت إمرته أن يبدأوا في وضع خطة لانسحاب القوات في ثلاثين أو ستين يوما.

في نفس الوقت كانت رئاسة الأركان المشتركة تعد خطتها الخاصة لحكم العراق حكما عسكريا وبادرت بالإعداد لإقامة قيادة عسكرية في العراق تقوم بالتنسيق بين الوكالات الأميركية المختلفة قبل تسليم الأمور إلى سفير أميركي.

وقام رامسفيلد وزير الدفاع بتعديل الخطة بشكل يضمن سيطرة وزارة الدفاع على جهود ما بعد الحرب.

وقد كان ذلك تحولا واضحا لأن وزارة الخارجية كانت المسؤولة باستمرار عن إعادة البناء منذ أن أشرف الجيش الأميركي على إعادة بناء اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.

ومع ذلك لم تحتضن الخطة لا القيادة المركزية الأميركية ولا موظفو رامسفيلد المدنيون.

في الوقت ذاته برز فريق ثالث قام بمزيد من التخطيط وهم ضباط أركان الجنرال ديفيد ماكيرنان القائد الميداني في الحرب، وطالبت خطتهم أن تدعم قوات التحالف الحكومة العسكرية أو المدنية لمدة شهرين. 

ويخلص المؤلف ميلر إلى القول بأنه مهما كانت الخطة ومهما كان التخطيط، فإن العسكريين الأميركيين لم يكونوا مهتمين بإعادة بناء العراق بدءا من رامسفيلد إلى فرانكس ونزولا حتى نهاية سلسلة القيادة، ولم تكن أية واحدة من خطط العسكريين تحتوي على أية تفاصيل، كما افتقرت إلى التناسق واتسمت بالفقر في توزيعها حتى أن القادة الميدانيين كانوا يجهلون وجودها.

وقد أصدرت فرقة المشاة الثالثة التي احتلت بغداد تقريرا بعد الحرب تشكو فيه من فقدان الاتجاه، إذ يقول التقرير: "إن القيادات العليا لم تمد فرقة المشاة الثالثة الميكانيكية بأية خطة للمرحلة الرابعة".

ومع تفاقم الصراع بين وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين اجتمع الأميركيون من أصل عراقي في ميتشيغان حيث حذرهم ممثل وزارة الخارجية ويدعى واريك خبير الشؤون العراقية - من وولفويتز قائلا لهم بصراحة:

"إذا عملتم مع بول وولفويتز فلن تعطيكم وزارة الخارجية شيئا"!!

ويعلق ديفيد فيليب أحد المقاولين التابعين للوزارة ورئيس عملية "مستقبل العراق"، على المعركة التي دارت بين المسؤولين الأميركيين العسكريين والمدنيين بقوله: "بغض النظر عن خلافاتهم ما كان ينبغي للمسؤولين الأميركيين أن يسمحوا لمشاعرهم الشخصية بأن تسمم العملية التبادلية بين الوكالات، فالعداوات الشخصية المختلطة بوجهات النظر المختلفة بعد الحرب سوف تؤدي في النهاية إلى تدمير مشروع مستقبل العراق".

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: السيادة